مكافحة التطرف ودور العلماء في تجديد الخطاب الديني

الاثنين 2015/04/27
مقاومة الجماعات العنفية لا بد أن تدعم بخطاب ديني يبين تهافت أفكارها

فاس(المغرب)- مسألة الخطاب الديني وتجديده لمحاربة العنف وتطور ظاهرة الإرهاب بدأت تشغل الباحثين ورجال الدين نظرا لما يعيشه العالم من توترات قائمة على التعصّب الديني والعقدي والمذهبي.

وقد انتشرت المؤتمرات والندوات الداعية إلى تجديد هذا الخطاب وتوجيهه للفئات الشبابية المستهدفة من قبل الجماعات الجهادية والإرهابية من أجل إيجاد تربة صالحة لتزرع أفكارها، وبذلك تستطيع تجنيد هذه الفئات كمقاتلين ينفذون أجنداتها السياسية القائمة على تطويع المقدس والديني.

في ظل العنف الذي راكمته الأعمال الإرهابية للجماعات المتشددة والجهادية والتي تدعي الانتماء إلى الإسلام من جهة وكذلك الجماعات المنتمية إلى أديان أخرى وجماعات عرقية وإثنية مختلفة، برز مصطلح تجديد الخطاب الديني، حيث فرض نفسه على الدول، ومع افتقاد رجال الدين في جميع الأديان للمعنى الحقيقي لمهامهم كدعاة لنبذ العنف والتطرف، ظهرت وقويت الجماعات المتطرفة في الفكر والسلوك.

في هذا الإطار دعا مسؤولون دوليون إلى تعزيز دور القادة الدينيين في صياغة خطابات بديلة لخطاب الكراهية في العالم. وجاء ذلك في المنتدى الدولي حول “دور القادة الدينيين في منع التحريض الذي من شأنه أن يؤدي إلى الجرائم الوحشية” الذي شهدت مدينة فاس المغربية فعالياته يومي الخميس والجمعة الماضيين، وأقيم برعاية المفوضية السامية لحقوق الإنسان وبمشاركة نخبة من القيادات الدينية في عدد من مناطق العالم.

النموذج المغربي في مجال التأطير الديني وحماية المساجد، يسعى إلى مكافحة الإرهاب والتصدي لكل مسبباته

واعتبر أداما ديانغ، المستشار الأممي الخاص المعني بمنع الإبادة الجماعية، في كلمة له خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى، أنه في ظل التحديات العالمية وانتشار خطابات الكراهية، يجب على القادة الدينيين أن يضطلعوا بدور محوري في التصدي للتوترات الدينية، من خلال تأطير جمهورهم ومجتمعاتهم بقيم التسامح والسلام.

وأوضح ديانغ أن المنتدى يهدف إلى تعزيز الحوار بين الثقافات ونبذ خطاب الكراهية وإنتاج خطابات بديلة تحض على الحوار، مشيرا أن هذا اللقاء ستعقبه لقاءات أخرى في أنحاء مختلفة من العالم، لتوضيح دور القيادات الدينية في تعزيز الحوار.

من جانبه شدد فيصل بن عبدالرحمن بن معمر، الكاتب العام للمركز الدولي للملك عبدالعزيز لحوار الأديان، على ضرورة مواجهة الخطابات التي تروج للعنف باسم الدين، وتستخدمه لتحقيق مكاسب سياسية بهدف الهيمنة على الآخرين وتجريدهم من حقوقهم، وإشاعة القتل وتبريره.

ودعا بن عمر إلى التزام مختلف المؤسسات الدينية بمناهضة القتل باسم الدين، وذلك عبر تشجيع دور القيادات الدينية في نشر ثقافة السلام والتعايش واحترام التنوع الثقافي والديني، عوضا عن ترسيخ الأفكار المتطرفة.

وأشار إلى أن الأحداث الجارية في عدد من نقط التوتر العالمية والإقليمية، كالعراق والصومال ومينامار وأفريقيا الوسطى، توضح فشل المؤسسات والقيادات الدينية في مواجهة خطاب العنف باسم الدين، مما يؤدي إلى التناحر والقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية باسم الدين. واعتبر أن ما يعيشه العالم العربي من اضطرابات يعود في جزء كبير منه إلى استغلال السياسة للدين، من أجل تعزيز الاضطرابات وإثارة القلاقل.

وفي ذات السياق، قال المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان في المغرب محجوب الهبة، إنه في ظل انتشار خطابات الكراهية وتنامي ظاهرة الإرهاب، اعتمدت بلاده مقاربة لتبني اليقظة والمرونة في ذات الآن للوقاية ومناهضة التحريض على الكراهية، من خلال محاربة ظاهرة الفقر والتفاوتات الاجتماعية، ونشر قيم الاعتدال الديني ونبذ العنف.

المنتدى يهدف إلى التأكيد على أدوار القادة الدينين بمختلف مشاربهم وأطيافهم في بناء خطاب ديني إيجابي قائم على أساس احترام حقوق الإنسان
ونوّه الهبة بالنموذج المغربي في مجال التأطير الديني، وحماية المساجد من أيّ استغلال، باعتباره نموذجا يسعى إلى مكافحة الإرهاب والتصدي في ذات الوقت لكل مسبباته.

من جانبه، اعتبر محمد العبادي، رئيس الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، أن شعوب المنطقة التي كانت تأمل في تحقيق الأمن والاستقرار، أحال خطاب التطرف والكراهية أحلامها إلى دمار وهلاك.

وطالب القادة الدينيين في المنطقة الإسلامية بالعمل على إنتاج خطابات بديلة لخطابات الكراهية والعنف، وألا تكون هذه الخطابات نتيجة ردود فعل مؤقتة. ودعا العبادي إلى التركيز على محتويات الخطاب الديني الرائج في شبكة الإنترنت، باعتباره يشكل مركز استقطاب لفئات واسعة من الشباب المسلم الذي يلتحق بمعسكرات التطرف.

وناقش المشاركون في المنتدى على مدى يومين، الدور الذي يضطلع به القادة الدينيون في “منع التحريض الذي من شأنه أن يؤدي إلى الجرائم الوحشية كالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”.

ووفق البيان، يهدف المنتدى إلى “التأكيد على أدوار القادة الدينين بمختلف مشاربهم وأطيافهم في بناء خطاب ديني إيجابي قائم على أساس احترام حقوق الإنسان، وفي التصدي لكل السلوكيات المتضمنة لخطابات عنف وكراهية وقدرتهم على محاصرتها”.

وكانت المفوضية السامية لحقوق الإنسان قد نظمت عام 2012 ملتقى دوليا بالعاصمة المغربية الرباط، شارك فيه عدد من المسؤولين الأمميين من أجل مناقشة خطاب التحريض على جرائم الإبادة الجماعية.

وأقر المنتدى خطة عمل وتوصيات لمكافحة التوتر الديني المؤدي إلى التطرف وارتكاب الجرائم. وبحسب ملخص لخطة العمل، فإن المسؤولين الدينيين سيركزون في عملهم على “الرصد والإبلاغ العام عن التحريض الديني الذي يمكن أن يؤدي إلى الجرائم الوحشية”.

وسيتم ذلك عبر “تطوير منهجية وآليات للرصد، وتطوير آليات ومنصات لمراقبة التحريض (…) والاستماع إلى ضحايا التحريض”. ويبدأ تطبيق خطة العمل هذه حسب المنظمين اعتبارا من 2016.
الأحداث الجارية في عدد من نقط التوتر العالمية والإقليمية، توضح فشل المؤسسات والقيادات الدينية في مواجهة خطاب العنف باسم الدين

كما تنص خطة العمل على “استخدام مختلف وسائل الإعلام لمكافحة التطرف والكراهية” عبر “الانخراط في حوار مع المسؤولين عن التحريض وكذلك الجمهور الذي يميل إلى الاستجابة للعنف”.

ويتأتى ذلك حسب الوثيقة نفسها عبر الإلمام بـ”الظروف الاجتماعية والاقتصادية المؤدية إلى (…) التحريض على العنف” مع “مراجعة التعليم، والمناهج الدراسية” التي تتضمن خطابات تحض على الكراهية.

وإضافة إلى ذلك، دعت الخطة إلى ”التماس الدعم من القادة السياسيين في حل النزاعات وتخفيف التوترات” عبر “الإصلاح القانوني والسياسي المناسبين وضمان مشاركة ممثلي الدولة في الاجتماعات المقبلة المتعلقة بدور القادة الدينيين في مواجهة خطاب التحريض”.

واختتم اللقاء بإنشاء شبكة تضم الزعماء الدينيين الذين يعملون لمنع ومكافحة التحريض المؤدي إلى الجرائم الوحشية، مع وضع مدونة قواعد سلوك للإعلام الديني حول كيفية التعامل مع التحريض المؤدي إلى العنف.

13