مكالمة روسية أوقدت شموع الحب في القاهرة

الجنون والعشق الأبدي يصلان المشاهد العربي عبر مسرحية "مكالمة تليفونية" رغم غياب الترجمة عن الفضفضات التي جرت على لسان البطلة باللغة الروسية.
الاثنين 2020/03/30
الأداء التعبيري والجسدي عوّض غياب فهم اللغة

حمل عرض "مكالمة تليفونية"، الذي قدّمته روسيا؛ ضيفة شرف “أيام القاهرة الدولي للمونودراما” في دورته الثالثة، رسائل فنية صافية ضافية، مُغلّفة بطقوس "عيد الحب"، بالتزامن مع احتفالات العالم به في فبراير الماضي.

أطل الكاتب اليوغوسلافي برانيسلاف نوشيتش من خلال عرض “مكالمة تليفونية” على جمهور مهرجان “أيام القاهرة الدولي للمونودراما” الأخير، بمعالجة حيوية شفيفة سعت إلى استكناه العشق الخالد خارج الزمان والمكان، وفهم لبّ الإنسان ومحور الطبيعة.

ومن سمات عروض الدورة الثالثة من مهرجان “أيام القاهرة الدولي للمونودراما”، ذلك الحرص على المشترك الإنساني والخصائص البشرية العامة، بما سمح باتساع العرض الواحد على مستوى النص والإعداد والإخراج والتمثيل لإسهام أكثر من دولة ومدرسة فنية في وقت واحد، على الرغم من أنها عروض بالغة القصر ككبسولات مكثفة، ويلعب بطولتها فرد واحد، ممثلا كان أو ممثلة، وفق أبجديات “المونودراما”، ذلك المسرح الرشيق، الأقرب إلى روح الفنون الحديثة وذائقة العصر المُتسارع.

وفي هذا الإطار من التواصل الفكري والفني والإنساني بين الثقافات المتنوعة، جاء عرض “مكالمة تليفونية” الذي شهده مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، وقد مثّل روسيا في المهرجان على اعتبار أنه من إخراج تيموفي ميخاليفيتش وموسيقى فيدورا مينجاريلي. لكنه في الوقت نفسه مأخوذ عن مسرحية “جمعية سيدات يوغوسلافيا المُحرّرات” لليوغوسلافي الصربي برانيسلاف نوشيتش (1864 ـ 1938)، وقد كتبها في عام 1935.

وقامت بدور بطولة العمل المنفردة الفنانة الروسية ذات الأصل المصري، ياسمين هجرس، وهي حفيدة شاعر العامية الراحل نجيب سرور، الذي أقام فترة طويلة في الاتحاد السوفييتي السابق، وفيه تم تطعيم العرض ببعض الأغنيات المصاحبة التي جاءت باللغة الإيطالية.

المركزية والتفاصيل

العشق والعشيق يسكنان جهاز الهاتف
العشق والعشيق يسكنان جهاز الهاتف

جاءت أولى مفاجآت العرض أنه اكتفى في مخاطبته الجمهور باللغة الروسية، دون أيّ ترجمة مكتوبة على شاشة أو مُتاحة للمُتفرجين من خلال سمّاعات، وهذا الاختيار له دلالة ولم يأتِ صدفة بالتأكيد، بل إن له مجموعة دلالات، منها عدم اتكاء العمل على اللغة وحدها في المقام الأول كوسيط تعبيري لنقل الحالة، وأن الفكرة الأساسية مركزية وواضحة ومستقطِبة الوعي والانتباه والشعور إلى درجة إمكانية وصول الرسائل المضمونية والجمالية والأدائية والتقنية إلى المتلقي، دون التوقف عند تفاصيل الحديث المونولوجي المنطوق.

تبلورت هذه الفكرة حول عنوان العمل، فبطلة المسرحية تترقّب “مكالمة تليفونية” هي بمثابة الحياة أو عودة الروح بالنسبة إليها، وكل شيء يوحي بأنها ستكون مكالمة من حبيب مُسيطر تماما على ذهنها وحواسها ومشاعرها، وكأنه يسكن التليفون “الأحمر” الكبير بجانبها، والوسادة “الحمراء” الضخمة التي تحتضنها مرّة بعد مرّة وهي تتذكّره أو تتخيّله، كما يرتقب حضوره ذلك المقعد الخالي إلى جوارها.

لم يتأثّر جمهور العرض كثيرا بغياب الترجمة عن تلك الفضفضات التي جرت على لسان الفتاة باللغة الروسية، فثمة أدوات تعبيرية أخرى بالإشارات والإيماءات والحركة والملامح وقسمات الوجه، إلى جانب الرموز والدلالات المتعدّدة، من قبيل: ضم الفتاة التليفون إلى صدرها، ونظرها المتكرّر إلى الساعة، في انتظار موعد مكالمة الحبيب “التي لا تأتي أبدا”.

التقلب بين الشغف والقلق والترقب والتوجس والبكاء والفرح، جعل الجماهير تتفاعل مع الممثلة رغم عدم فهمهم اللغة

ومن ذلك أيضا، رفضها أن تُبادر هي بالاتصال بهذا الحبيب (لربما لأنه غير موجود أصلا، أو لأن الرجال لا يحبون الفتاة التي تفرض ذاتها)، واختفاء عناصر السينوغرافيا واحدا تلو الآخر على مدار العرض: الأريكة، المقعد، الوسادة، التليفون ذاته، حذاء الفتاة الأحمر الذي حاولت استعماله كذلك كتليفون بديل للتواصل مع الحبيب، إلى أن تختفي تماما كل الموجودات، وتبقى الفتاة وحيدة في النهاية بغير جليس ولا شريك؛ سوى ذكرياتها أو تصوّراتها.

ما راهن عليه العرض ليس “الموضوع” المحوري المبسّط بطبيعة الحال، وإنما فنيات إبراز الهوامش والتفاصيل، وبراعة تصوير “هستيريا الحب” من جانب المرأة، نحو رجل لم يظهر، وربما هو محض خيال لديها أو حلم أو رغبة. وبالرغم من ذلك فهو الخيط الرفيع الذي يربطها بالحياة وبالواقع الذي كادت تنفصم عنه لولا استشعارها بوجود هذا العشق، الذي أعاد صياغة مفاهيم الذات والمكان والزمان بالنسبة إليها، فبدا مثل حقيقة مطلقة أو إيمان راسخ إلى آخر دقة من دقات قلبها.

هذا العشق هو جوهر الإنسان ومغزى الطبيعة، وذلك الغموض الذي يكتنفه يزيده تشويقا وإثارة وسحرا، وهذه الحالة البركانية الانفجارية هي دائما الطاقة المحرّكة للمرأة في سنوات عمرها الأخصب، ولا معنى للعمر دون أن تختبر هذه الانفعالات والعذابات اللذيذة. وإن لم تكن نتيجة “حكاية حقيقية”، فلا بأس من اختلاق أسطورة أو نسج خيوط وهمية للتدفئة بملمسها “فقط كن معي لساعة، لأخبرك بمعنى قبلاتي، وأهب لك حياتي، وننسى العالم معا”.

أبجديات التوقّد

 في انتظار ما لا يجيء
 في انتظار ما لا يجيء

نجح عرض “مكاملة تليفونية” الشيّق في إحالة المتفرجين إلى قلب الحدث، بل وفي إشراكهم في ذلك “المعترك المسرحي” الساخن، المشتعل بأنفاس العشق ونبضاته الصارخة، وجاءت أبجديات هذا التوقّد من خلال العناصر المسرحية المُركّزة، المفصّلة بعناية على قدر المشهد، والمنظومة الإخراجية الاحترافية، التي وزّعت الاختصاصات بعناية ودقة.

تفوّق الأداء التمثيلي “الشاعري” إلى حد كبير، المنوّع بين لحظات الشغف والقلق والترقّب والتوجّس والبهجة والحزن والبكاء والغضب والشجار مع الذات ومع مفردات العرض (التليفون، الوسادة، الحذاء، المقعد الخالي.. الخ)، خصوصا أن الفنانة الشابة كانت مُطالبة بالإقناع التعبيري على طول الخط في ظل لغة صعبة غير مفهومة للمتلقي، الذي لا يعرف الروسية.

وإلى جانب مهاراتها الترميزية والإشارية والجسدية، فقد قدّمت بطلة العرض مجموعة من الاستعراضات والرقصات برشاقة، بمصاحبة موسيقى حالمة، وأغنيات هادئة في الخلفية، بما أكمل الطقوس الرومانسية المُلائمة لحالة العشق الفوّارة.

لعبت فنيات الإضاءة كذلك دورا في إشعال لهيب المشاعر، بذلك الاحمرار المنسجم مع السينوغرافيا التي خلعت الأحمر على سائر التفاصيل المادية والمعنوية، فهو اللون الرسمي ليوم الحب. وإن كان الطرف الآخر في المعادلة افتراضيّا أو مؤلَّفًا أو غائبا، فإن هذا العشق المحسوس والملموس يعني لصاحبته الفراشة الرقيقة “البقاء على قيد الحياة قرب اللهب الطيّب المشعّ”.

عروض مهرجان "أيام القاهرة الدولي للمونودراما"، اتسمت بالحرص على المشترك الإنساني والخصائص البشرية العامة
عروض مهرجان "أيام القاهرة الدولي للمونودراما"، اتسمت بالحرص على المشترك الإنساني والخصائص البشرية العامة

 

17