مكانة المرأة التونسية لا يجب أن تكون الشجرة التي تخفي غابة التحديات

الأحد 2015/02/01
المرأة التونسية صوتت للمشروع التنويري الذي يسع الجميع

على الرغم من المحاولات الإصلاحية الكبيرة التي قادها ثلة من المناضلين لتحرير المرأة العربية من براثن التخلف والتبعية إلا أن تقارير وجهات دولية متخصصة لا تنفك عن توجيه النقد وتعداد الوضعيات المزرية للمرأة العربية. ولئن ينظر البعض إلى التجربة النسوية التونسية على أنها مثال يمكن مسايرته للنهوض بوضع المرأة العربية وتعزيز حضورها في الحياة المدنية والسياسية فإن آخرين يؤكدون أن ما وصلت إليه التونسيات ليس إلا لبنة صغيرة في بناء كبير لم يكتمل بعد.

تؤكد الكاتبة والباحثة التونسية ألفة يوسف في حوار مع ”العرب” في هذا المجال أن حضور المرأة السّياسيّ في تونس ما زال باهتا، مؤكدة أن قانون التّناصف ليس إلاّ محاولة لإيجاد نوع من التّمييز الإيجابيّ لصالح المرأة لتجاوز هذا الحضور الباهت.

وقانون التناصف في تونس هو آلية اعتمدها المشرعون بعد مناقشات طويلة لتكريس مبدأ المساواة بين الجنسين، كما نص عليه دستور البلاد الجديد.

وبحسب ذلك القانون، فرض على الأحزاب السياسية تشكيل القوائم الانتخابية على مبدأ التناصف والتناوب بين الجنسين لكن انتقادات حادة ألمّت بذلك القانون على اعتبار أنه لا يفرض على الأحزاب السياسية التناوب بين النساء والرجال على رئاسة القائمات الانتخابية.

وذكرت الباحثة أن قانون التّناصف كان في القائمات الانتخابيّات لا في البرلمان لأنّ عدد الأحزاب التي اختارت أن تترأس نساء قائماتها الانتخابية قليل جدّا حتّى من قبل الأحزاب الّتي تدّعي الدّفاع عن قيم الحداثة.

وعرّجت يوسف على الحضور الباهت للمرأة التونسية في الأنشطة النّقابيّة، إذ أنّ النّقابات عموما معروفة بنزعاتها الذّكوريّة ونادرا ما نجد قياديّات من النّساء إلاّ في بعض اللجان التي لها بالمرأة علاقة على حد تعبيرها.

عادة ما تكون العلاقة وطيدة جدا بين مناصرة قضايا المرأة ومناصرة قضايا التحرر

مؤكدة أن طريق تحقيق المساواة الكاملة لا تزال طويلة والباقي مجرّد ذرّ رماد على العيون وبروباغندا سياسيّة فقط.

وشهدت الانتخابات التونسية الأخيرة حضورا مكثفا للمرأة في عملية التصويت وتشير تقارير إلى أن الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الذي ترشح فيه المنصف المرزوقي والباجي قايد السبسي شهد تصويتا لمليون امرأة تونسية لصالح السبسي.

وفي هذا الإطار تشير ألفة يوسف إلى أن المرأة التونسية اختارت المرشح الرئاسي الباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية التي انتهت بفوزه لعدة أسباب أولها سبب تاريخي وهو أن المرأة التونسية منذ زمن بعيد، ورغم خضوعها كجل النساء سابقا إلى المنظومة التقليدية، كانت متميزة نسبيا، ويشهد على ذلك صمود الكاهنة والصداق القيرواني مثلا.

يعتبر الصداق القيرواني من العقود التي سبقت زمنها بكثير وتبرز أهمية الصداق القيرواني في حمايته للمرأة من تعدد الزوجات عبر تمكينها من الطلاق في حال زواج ثان وجعل أمرها بيدها (العصمة) إذا تجاوز غياب الزوج عنها أربعة أشهر وتكون المدة مذكورة في العقد.

وقد اشتهر هذا النوع من عقد الزواج حتى بات يكتفى بأن يذكر العاقد على امرأة قوله “على شرط نساء القيروان”، ولعلّ أشهر زواج قيرواني هو زواج أبو جعفر المنصور من أروى القيروانية والذي منعه الصداق القيرواني من تعدّد الزوجات.

وقد استوحى المشرع التونسي منعه للتعدد من خلال هذا التراث الهام، فواصل في إصلاحاته بأن غيّر مبدأ الطاعة بالاحترام المتبادل وإسناد الولاية للأمّ في حال غياب الزوج وحقها في منح جنسيتها لأبنائها وتمكين الأم العازبة من بعض الحقوق.

وتبلورت وضعية المرأة مع مدونة الأحوال الشخصية في سنة 1956 التي منعت تعدّد الزوجات وفرضت الطلاق بالتقاضي وحدّدت سنّا دنيا لزواج المرأة.

ألفة يوسف: التونسيات اخترن التنوير الذي يسع الجميع مقابل المشروع التكفيري الذي يقصي من لا ينتمي إليه

وإضافة إلى التفسير التاريخي تعرّج يوسف على البعد الأنطولوجي في انحياز نساء تونس لمشروع حزب نداء تونس مقابل مشروع حركة النهضة وأتباعها حيث أن المرأة الأمّ على حد تعبيرها هي التي تجمع الأسرة وتحمي الأبناء، والمرأة لا يمكن أن تهادن من دمّر عديد الأسر التونسية بإرسال أبنائها إلى محرقة الحروب باسم “الجهاد”، ولا يمكن أن تغفر لمن ساهم، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، في تقتيل الأمنيين والجيش وفي آلام عشرات الأرامل واليتامى.

وثالث التفاسير هو التفسير الاجتماعي إذ خشيت المرأة التونسية من المشاريع الظلامية التي تستهدف المرأة أساسا، إذ تشرع تلك المشاريع على سبيل الذكر ختان النساء وتعدد الزوجات وتشرع الضرب والاغتصاب الزوجي والمنع من الاشتغال بالقضاء وبديهي أن تهبّ المرأة لتتصدى للخطر وتدافع عن نفسها.

وتلخص يوسف قائلة “إن المرأة التونسية صوتت للمشروع التنويري الذي يسع الجميع في مقابل المشروع التكفيري الذي يقصي من لا ينتمي إليه”.

ويعتبر البعض في تونس أن الاصطفاف النسوي وراء حزب نداء تونس والباجي قائد السبسي يرجع لأبعاد تاريخية أكثر عمقا من الأسباب الحينية المباشرة، وهي تتصلُ بما خلّفه زمن بورقيبة في المجتمع التونسي من آثار.

حيث يعرف الجميع أن الزعيم بورقيبة، رغم أخطائه في السنوات الأخيرة من رئاسته للبلاد إلا أنه حقق جملة إنجازات لا ينكرها حتى أشرس خصومه؛ وكان منجزه يبدأ بإجبارية التعليم ومجانيّته، مرورا بإقراره لمجلة الأحوال الشخصية (13 أغسطس 1956 أي بعد أشهر قليلة من الاستقلال في آذار من العام نفسه) وإقراره حق الانتخاب للمرأة ودخولها سوق الشغل، فضلا عن منع تعدد الزوجات وإقرار مبدأ المساواة بين الجنسين ومنح المرأة حق الطلاق ومنح الجنسية لأبنائها وغير ذلك من الحقوق.

وساهمت مرحلة حكم الحبيب بورقيبة لدى المجتمع التونسي في ترسيخ نوع من القبول والاعتراف بحقوق المرأة، وهو اعتراف متأت من تأثير التعليم العصري الذي أقره بورقيبة، ومن الدور الذي مُكنت المرأة من لعبه طيلة عقود. كما وفرت أمثلة عليسة والكاهنة وأروى القيروانية وعزيزة عثمانة وتوحيدة بن الشيخ وبشيرة بن مراد وأمّ زياد وراضية النصراوي وغيرهن كثيرات، نماذج للنجاح النسوي ولقوة المرأة وقدراتها وكفاءتها في اختيار طريق النضال من أجل تحقيق الذات والمساهمة الفعالة في بناء مجتمع حداثي.

وبالعودة إلى الوضع النسوي العربي الذي يتميز وفقا للمنظمات المراقبة بضعف قويّ في فاعلية المرأة وقدرتها على التأثير تؤكد يوسف أنه لا يمكن تعزيز تمثيل المرأة في السّاحة السّياسيّة دون تعزيز حضورها في المجالات الأخرى، وخصوصا دون تغيير العقليّات الاجتماعيّة التي ما تزال ذكوريّة في جلّها.
العلاقة بين مناصرة قضايا المرأة ومناصرة قضايا التّحرّر وطيدة جدّا

وتضيف أنه على الرغم من ارتفاع نسب التمدرس لدى النساء العربيات فإن أصحاب المؤسّسات الكبرى والمسؤولين عن القطاعات الهامّة في الدّولة جلّهم من الذّكور. ولذلك تعتبر أن السّبيل ما زالت غير متاحة والطّريق ما تزال وعرة وطويلة.

وعن استمرار تبعية المرأة التونسية والعربية عموما للرجل وتواصل حلقات الضعف الدائرة بها تحمل يوسف المرأة نفسها مسؤولية كبيرة في هذا المضمار قائلة “تتحمّل المرأة مسؤوليّة كبيرة في وضعها ذلك أنّها هي الأمّ التي تربّي الأجيال وتورّث أبناءها بصفة واعية أو لا واعية في أغلب الأحيان التمثّلات التّقليدية لدور المرأة والرّجل في المجتمع على حدّ سواء”.

وتشير إلى أنها قامت بتوجيه نقد حقيقي لبعض الحركات النّسويّة لأنّه باعتقادها “بقدر ما يوجد مجتمع ذكوري فيه جزء مهم من الرجال مزدوجي الخطاب بين ظاهر حداثيّ وباطن تقليديّ لا يختلف عن صورة ‘السّيّد’، فإنّ إناثنا أيضا لا يقللن عن الذّكور انفصاما. والدّليل أنّ كثيرا من النّساء المدّعيات للحداثة يقبلن في حياتهنّ الخاصّة إهانة الرّجال وتحلم جلّهنّ بالزّواج وفق نفس التّمثّلات التقليديّة للرّجل القوّام، بل إنّ بعضهنّ يتصوّرن أنّ الصّورة الذّكوريّة هي النّموذج الأمثل الذي يفترض التّشبّه به”.

وبخصوص دور الرجل أو المثقف العربي في مجال تخليص مجتمعه من العقلية الذكورية السائدة تقول يوسف “إن الوطن العربيّ عرف عبر التّاريخ الحديث الكثير من المثقّفين الذين ناصروا قضايا المرأة ومنهم على سبيل المثال قاسم أمين والطّاهر الحدّاد”.

وتشير على أنه عادة ما تكون العلاقة وطيدة جدّا بين مناصرة قضايا المرأة ومناصرة قضايا التّحرّر.

وتؤكد الباحثة على أنه لا يمكن للمثقّف العربيّ أن يساهم في تغيير العقليّات وتطويرها إلاّ بخروجه من برجه العاجيّ في المجال الأكاديمي أو الكتابة، وبالاتّصال بالنّاس العاديّين في تمشّ يوميّ من أجل تغيير أنماط التّفكير.

وتعتبر يوسف أن دخول المثقّفين مجال الإعلام والكتابة الدّراميّة أمر مهم ذلك أنّ المواطنين العاديّين قليلو المطالعة يتأثّرون بالإعلام والدّراما كثيرا، وكلاهما مازال غارقا في تقديم التّصوّرات التّقليديّة القائمة على الاستهانة بالمرأة ودورها، والاكتفاء بتصوّرها مواطنا من درجة ثانية بل أيضا جسدا عورة يجب تغطيته ولفّه.

ويشير الناشطون العرب في مجال الدفاع عن حريات المرأة والعمل على تمكينها من أن تكون فاعلة في الحياة السياسية والمدنية إلى تعقد الوضعية خاصة بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي وخير دليل على ذلك ما تعيشه المرأة العربية في الوقت الراهن بكل من اليمن والعراق وسوريا وغيرها من مناطق التوتر.

20