مكانة جعجع محفوظة والجمهورية القوية حلمه الصعب

السبت 2014/12/27
سمير جعجع فخامة الناخب الرئيس

من ظلام زنزانة مساحتها ستة أمتار مربعة إلى رحابة القصور الملكية والرئاسية التي يزورها. إنه سمير جعجع الذي لم يحمل لقب “فخامة الرئيس” كما يشتهي، إذ انتهت 16 جلسة، لا بل مسرحية هزلية سيئة الإخراج، في مجلس النواب اللبناني دون انتخابه أو سواه على رأس الجمهورية ليكون حارسا للمركز الوحيد الباقي للحضور السياسي المسيحي في الشرق.

لكنه في نظر أنصاره “فخامة الحكيم”، بما لذلك من أبعاد عميقة لجهة المعنى الحرفي للعبارة بالعربية الفصحى والعامية اللبنانية. فهم يعتقدون أنه تحلى بالحكمة في خياراته في زمنَي السِلم والحرب، وأنه طبيب يداوي علل الوطن ويرمّم تصدّع قوى “14 آذار” التي ينتمي إليها.

وهو في كل الأحوال “فخامة المرشح” إلى حين، ولو أنه يتجه أكثر فأكثر ليكون “فخامة الناخب”، لكنه “ناخب رئيس” أو ناخب أول. فإذا كان جعجع لن يدخل قصر بعبدا مع زوجته النائبة ستريدا جعجع، فإن غريمه ميشال عون لن يعود إلى المكان الذي سمّاه “قصر الشعب” وأقام فيه في عهد انشطار البلاد بين حكومتين، كما أن أحدا لن ينتقل إلى القصر من دون أن يكون مقبولا من جعجع.

وهو أيضا “فخامة الحليف” الذي أفردت المملكة العربية السعودية ذراعيها لاستقباله مرتين في شهرين، ولاقته بحفاوة تفنن الخصوم قبل الأعداء في تحليل أبعادها وقراءة معانيها، في ظل تزاحم الموفدين الروسي والفرنسي والإيراني على لبنان.


رئيس "صنع في لبنان"


بعد كل جلسة فاشلة لانتخاب رئيس، كان جعجع يعقد مؤتمرا صحافيا ويدعو خصومه إلى النزول إلى مجلس النواب والاقتراع للاسم الذي يريدون بدل تعطيل الجلسات وتمديد أمد الفراغ.

يعتقد أنصار جعجع أنه تحلى بالحكمة في خياراته في زمني السلم والحرب، وأنه طبيب يداوي علل الوطن ويرمم تصدع قوى 14 آذار التي ينتمي إليها

وكان قد أعلن برنامجا انتخابيا تحت شعار “الجمهورية القوية” وتعامل مع الاستحقاق بجدية كأنه يخوضه في لوكسمبورغ أو السويد، مع العلم أن تسمية الرؤساء اللبنانيين قلما كانت شأنا داخليا منذ رئيس الاستقلال بشارة الخوري. والاستثناء الوحيد في نظر الفقيه الدستوري حسن الرفاعي أن العوامل المحلية طغت على تلك الإقليمية والدولية في انتخاب سليمان فرنجية عام 1970.

من التأييد البريطاني لكميل شمعون والتفاهم الأميركي-الناصري على فؤاد شهاب إلى الغطاء الإسرائيلي لبشير الجميل، تبدّلت “كلمة السر” وازداد تأثير النظام السوري منذ انتخاب إلياس الهراوي خلفا للشهيد رينيه معوّض.

أما تسمية ميشال سليمان فلم تكن إيران، ممثلة بـ”حزب الله”، بعيدة عنها، وهي اليوم المعطل الإقليمي الأول.

وقبيل عودته من السعودية، قال جعجع لصحيفة الرياض إنه «لو لم يكن الطرف المسيحي في “قوى 8 آذار” يُعطل، لم يكن بإمكان حزب الله أن يعطل»، في إشارة واضحة إلى تعنت عون.

وكرر في موقع آخر من المقابلة أن «لا علاقة في تعطيل الانتخابات بالوضع في سوريا، فهي معطلة لأن هناك أحد الأطراف المسيحيين يريد الرئاسة له فقط لا غير، ويصطف من ورائه حزب الله الذي ليس له مصلحة مباشرة في إجراء الانتخابات».

وهو إذ يضع النقاط على الحروف في ما يتعلق بالعوامل الداخلية، موحيا بأن الحل ممكن، حتى قبل أن تضع محنة سوريا أوزارها، شرط تراجع عون، فإنه لا يُنكر سلبية التدخل الإقليمي، الإيراني تحديدا. وعنه يقول: “كلما تعطلت انتخابات الرئاسة، كان باستطاعة حزب الله أن يفاوض عليها، ومن ورائه، أعني إيران، تُفاوض عليها بأثمان أكثر فأكثر. بتقديري لو وُجِدَ من يدفع ثمنا إقليميا للرئاسة اللبنانية لإيران، لكان ضغَطَ على حزب الله الذي سيضغط على عون لتجري انتخابات رئاسية في لبنان. لكن لو لم يُعطل عون لما كان لإيران أن تستفيد من هذه الورطة في لعبتها الإقليمية”.

وسئل عن الثمن المفترض فأجاب “في سوريا أو العراق”. دور طهران لم ينكره رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني قبيل مغادرته بيروت التي زارها لساعات قبل أيام، وأضاف بذكاء أن على المسيحيين أنفسهم حل المعضلة.

غير أنه يدرك قبل سواه استحالة ذلك، وهو القائل في محاضرة أمام طلاب الجامعة اللبنانية، إن “حزب الله” فاعل أكثر من بعض الدول.

تلك التصريحات التي لم ترضِ الكثير من اللبنانيين، تعني أن البلاد أمامها الكثير من الوقت الضائع. فـ”الثمن” الذي تحدّث عنه جعجع لا بدّ أن يكون شديد الإغراء ويتجاوز أي “جزرات سِمانٍ” في الملف النووي، وأيّ طُعم بهذا الحجم في سوريا أو العراق ليس جاهزا بعد، وربما لا ترغب الولايات المتحدة في تقديمه.

لذلك يدرك “جعجع المرشح” حاجته المتزايدة إلى واقعية السياسي فيه والقدرة على التكيف التي أبقته حيا في السجن. فقد أكد لـ”الرياض” إمكانية لقائه بعون لـ”التفاهم على مرشح ثالث”. وهو بذلك يحاول إعادة الطابع اللبناني إلى الاستحقاق، من دون إنكار العوامل الخارجية، إذ تجسد صراع المحاور واحتكاكها كما الفوالق الزلزالية في شخصه وعون.

قبيل عودته من السعودية، قال جعجع لصحيفة الرياض إنه «لو لم يكن الطرف المسيحي في قوى 8 آذار يعطل، لم يكن بإمكان حزب الله أن يعطل»، في إشارة واضحة إلى تعنت عون

فـ”الحكيم” يستحيل توليه رئاسة لبنان طالما لم يغادر بشار الأسد حُكم سوريا، لأن فوزه يعني هزيمة تاريخية للنظام السوري وراعيه الإيراني. ومع ذلك، ليست حظوظ “الجنرال” أفضل لأن الحلف الداعم له يتقدّم في دول عربية ويندحر في أخرى.

ويتعامل جعجع مع الاستحقاق بهدوء أكبر مما يبديه عون. إنه صاحب مصلحة حقيقية في إنقاذ المركز المسيحي الأول من نهش الفراغ، ولا هم إن لم يشغله هو. وسنه لا يزال يسمح له بمعاودة المحاولة لاحقا، هو المولود في تشرين الثاني 1952 في عين الرمانة لأسرة مارونية متديّنة متوسطة الحال نزحت من بشري. أضف أن السجن علّمه أن الصبر والتأقلم من بين شروط النجاة من الموت والانهيار، بعدما قرأ في سنوات وحدته طويلا في الفلسفة وتاريخ الأديان.

قيل الكثير عن سجن جعجع. يعتقد البعض أنه ظُلم لأنه رفض التسليم بالوصاية السورية وامتنع عن دخول حكومتي عمر كرامي ورشيد الصلح، فتوالت الاتهامات له وبدأت المحاكمات. ويجزم آخرون بأنه مجرم حرب مسؤول عن سفك دماء الكثيرين، من أسرة طوني فرنجية إلى داني شمعون، إلى الكثير من المسلمين والفلسطينيين، وأن محاكمته كانت واجبة، مع العلم أن أحدا سواه من زعماء الميليشيات لم يعرف التوقيف والاعتقال.

ومن المفارقات أن الكثير من الناشطين السُنة في صفوف تيار المستقبل يتطلعون إليه بإعجاب كبير يكاد ينافس محبتهم لسعد الحريري.

فـالحكيم أثبتَ لهم صلابته وثباته على مواقفه، فهو الطرف السياسي الوحيد الذي لم يدخل حكومة تمام سلام التي تضمّ حزب الله. إنه في نظرهم الحليف الأوفى والأصدق بعدما تخلى وليد جنبلاط عن 14 آذار، والأقدر على التصدي سياسيا، وربما عسكريا، لـحزب الله. والأهمّ أنهم مقتنعون أن جعجع راجع مسار حياته، فكّر وندم واعتذر. قال في أيلول 2008: “بقلب متواضع وصاف وبكل صدق وشفافية أمام الله والناس، أتقدم باعتذار عميق صادق وكامل عن كل جرح أو أذية أو ضرر غير مبرر تسببنا به خلال أدائنا لواجباتنا الوطنية خلال الحرب الماضية”، مقرا: “لقد أخطأنا في بعض الأوقات، كما قام أفراد منا بمخالفات لم نكن لنرتضيها لو كان بإمكاننا تداركها. بعض هذه المخالفات والارتباكات كانت، يا للأسف الكبير، شنيعة مؤذية”.


السيدة الأولى


ولا يمكن الحديث عن جعجع دون ذكر ستريدا طوق، حبيبته وزوجته منذ 19 ديسمبر 1990، وصوته في أيام المحنة كما الرخاء.

“ليس للسيدة ستريدا جعجع، على الأرجح، كارهون في لبنان. من لا يوافقها خطها السياسي يُسعدُه جمالها وأناقتها”، كتب مرة الصحافي سامي كليب في جريدة الأخبار التي لا تنظر إلى زوجها بعين الود، مشيدا بخطابها “الانفتاحي الهادئ والمدروس”. طبعا لم تكن تلك التحية بريئة، إذ تحدثت الصحيفة في عدد آخر عن “طلاق كنسي وتنظيمي ومالي” بين الزوجين.

لم تعلق ستريدا على ذلك، لقد تعلمت ابنة العائلة السياسية العريقة والثرية ودارسة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية ببيروت، الاحتفاظ بهدوئها مهما كانت التحديات.

يدرك "جعجع المرشح" حاجته المتزايدة إلى واقعية السياسي فيه والقدرة على التكيف التي أبقته حيا في السجن، فقد أكد علنا إمكانية لقائه بعون لـ"التفاهم على مرشح ثالث"، وهو بذلك يحاول إعادة الطابع اللبناني إلى الاستحقاق

ويصعب أن يتذكر المرء لحظة خرجت فيها عن طورها، على الرغم من أن الظروف فرّقتها باكرا عن زوجها، فكان عليها أن تحمل على كاهليها ثقل قضيته.

صحيح أنها حاليا زوجة قطب سياسي، لكنها نائبة تتمتع بحيثيتها الخاصة. تتكلم دائما بهدوء، تجيد التحدث والخطابة بالفصحى، وتعطي كل حدث حقه. وإذ تحرص عادة على إطلالة أنيقة ورصينة في الوقت نفسه، فإنها حضرت الجلسة الأولى لانتخاب رئيس، والتي نال زوجها فيها 48 صوتا، برداء أحمر مميز. كانت رسالتها واضحة، هذه سيدة أولى مهما تكن النتائج. وقد أدارت الرؤوس في مجلس لم يعتد على حضور طاغ لامرأة مثلها.

فهي تُعدّ والنائبة بهية الحريري من أكثر الوجوه النسائية فعالية في البرلمان، غير أن هذه الأخيرة يلفها منذ عام 2005 ثوب الحداد على شقيقها رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

وإلى عملها السياسي، التفتت جعجع إلى شؤون المرأة، خصوصا التصدي للعنف الأسري.

وفي خطوة لا سابق لها، أطلت في فيديو كليب حمل عنوان “عللي صوتك” يحمل لواء تلك القضية. وهي لا تجد حرجا في الرقص علنا مع زوجها في الأعراس والمناسبات الخاصة، وقد خاطبته أخيرا في مهرجان حزبي بـ”يا حياتي”.

إنها من نقاط قوة جعجع، على المستويين الشخصي والسياسي وفي فن صناعة الصورة. ولديها، بخلاف معظم زوجات السياسيين الموارنة، كل مواصفات السيدة الأولى العصرية الشريكة في صنع القرار على غرار نموذجي هيلاري كلينتون وميشال أوباما.

لكنها سيدة أولى مع وقف التنفيذ، فهي تدرك، كما زوجها، أن الرياح غير مواتية لترسي سفينتهما في قصر بعبدا. ومثله تعلمت أن الصبر يؤتي ثماره، وأن “الجمهورية القوية”، حين تقوم، تتحقق الأحلام.

12