مكتبات الأدباء والمشاهير في مصر تركة تنتهي على الرصيف

أغلب مكتبات مشاهير الأدب والثقافة في مصر تنتهي إلى سور السيدة زينب والأزبكية في وسط القاهرة، بدل أن ينتفع بها الطلبة والباحثون في المكتبات العامة.
السبت 2018/07/28
المولعون بالكتاب لا ينتهون (تصوير محمد حسنين)

الكتاب الذي كان خير أنيس وأفضل جليس وثروة معرفية لا تنضب، تخصص له غرفة في المنزل ويفتخر به أصحابه زينة في قاعات الجلوس، يصبح اليوم حملا ثقيلا بعد أن يصبح “يتيما” بمجرد رحيل صاحبه، فيباع بسعر يعد مكسبا ماليا للوارث مهما غلا الثمن أو رخص طالما لم يدفع فيه جنيها واحدا. هكذا صار حال الكتاب في الوطن العربي، وفي مصر تعاني مكتبات الأدباء الكبار التي تحتوي الآلاف من الكتب من الإهمال بعد وفاة أصحابها، فلا يراها الورثة إلا مبلغا من المال يستعجلون اقتسامه لتنتهي الثروة التي قضى الأديب عمرا في جمعها إلى بسطات الرصيف، مشردة كأنها أطفال بلا أب ولا أمّ.

القاهرة - بموت المثقف تنتظر مكتبته أن يرثها مثقف آخر، ابن له أو تلميذ مقرب منه، محب للقراءة وعاشق للثقافة، أو تنتقل إلى مكتبة عامة ينتفع بها الباحثون، أو يبيعها الورثة والراغبون في إخلاء مكانها بالوزن لتجار الكتب وباعة الرصيف.

كان مآل أغلب مكتبات مشاهير الأدب والثقافة إلى سور السيدة زينب والأزبكية في وسط القاهرة، وهما من أشهر أماكن بيع الكتب القديمة في مصر.

عند مطلع شارع السد بحي السيدة زينب، وعلى بعد مئتي متر من محطة مترو الأنفاق تمتد أكشاك خشبية عديدة بهيئة خط متعامد على خط المترو يضم ألوانا شتى من الكتب القديمة، بعضها لأدباء، مصريين وعرب وأجانب، وبعضها لكتّاب لمعوا حينا ثم تواروا وطواهم النسيان.

جميع الكتب المعروضة قديمة، يغلب عليها اللون الأصفر، والأهم أنها وصلت إلى سور السيدة زينب من خلال ورثة مثقفين، سارعوا إلى عرضها للبيع فور وفاة مقتنيها.

الإهداءات ترفع سعر الكتب القديمة

 يجلس حسن ترسا، أحد التجار المعروفين في بيع الكتب واللوحات القديمة أمام كشكه يحتسي الشاي، واضعا بعض الكتب العادية على منضدة خشبية أمام الزبائن، بينما يُخزّن الكتب الهامة والنادرة في صناديق كرتونية داخل الكشك وفي مخازن خاصة لا تبعد كثيرا عن سوق الكتب.

يقول لـ”العرب” إن “المصدر الأول لكتب السور هو مكتبات الراحلين من مشاهير الأدب والثقافة. يذهب التجار إلى الورثة بعد أن يخبرهم بذلك سماسرة ليعرض عليهم مبلغا بسيطا من المال، مقابل أن يخلصهم من الكتب والأوراق القديمة”.

تكتسب كُتب  المشاهير بعدا آخر، لأن بعضها يتضمن إهداءات من مشاهير آخرين.

يؤكد حسن، أن مكتبات المشاهير أصبحت عملة نادرة، لأن هناك متخصصين في تسويقها خارج البلاد، قائلا، “خارج مصر يعرفون قيمة الكثير من المبدعين ويقدرونها، لذا بعد دخول مشترين عرب وأجانب ازدادت أسعار المكتبات القديمة”.

الكتب ثروة التاجر زغلول (تصوير محمد حسنين)
الكتب ثروة التاجر زغلول (تصوير محمد حسنين)

بعد أن يشتري التاجر المكتبة ويحوّلها إلى مخازنه ليتم فرزها بدقة، فتوضع الأوراق  الشخصية والصور الفوتوغرافية جانبا، وتستخرج الكتب النادرة بعيدا، ويتم عرض الكتب العادية المعروفة بأسعار منخفضة.

يوضح زين العابدين محمد، أحد تجار السوق لـ”العرب” أن آخر مكتبة قام بشرائها كانت تخص الكاتب الراحل عبدالعظيم مناف، وتضمنت كتبا عديدة لمختلف الأدباء العرب، وأعدادا من مجلة “الموقف العربي” التي توقفت عن الصدور قبل سنوات.

وأدّت صفقات شراء مكتبات المشاهير إلى ميلاد سوق جديدة رائجة للإهداءات الخاصة المكتوبة بأيدي كبار الكتاب والأدباء.

يكشف سعيد زغلول، المعروف بأبي هاجر، أحد تجار سور السيدة من المتخصصين في كتب الإهداءات، أن سعر الكتاب يرتفع إلى خمسة أضعاف ثمنه العادي، إذا حمل إهداء بخط يد المؤلف لشخصية معروفة.

الباحث نبيل سيف: الكاتب قد ينفق ثروة لشراء الكتب، ثم يبيعها ورثته بأبخس الأثمان
الباحث نبيل سيف: الكاتب قد ينفق ثروة لشراء الكتب، ثم يبيعها ورثته بأبخس الأثمان

ويقول لـ”العرب”، “لو أن هناك كتابا للأديب خيري شلبي يباع بمئة جنيه، فإن سعره يرتفع إلى خمسمئة جنيه إذا حمل توقيعه”.

ويشير إلى أن أغلى الإهداءات هي التي تحمل توقيع مصطفى صادق الرافعي أو توفيق الحكيم أو عباس محمود العقاد أو الشيخ محمود شاكر، أو ختم طه حسين، موضحا أن سعر الكتاب يصل إلى ألفي جنيه (نحو 110 دولارات) على الأقل في تلك الحالة.

ويلفت إلى أن الإهداء يكتب بالقلم الجاف، إن كان وضع بعد عام 1960، وبالريشة والقلم الحبر أو الكوبيا، إذا كان قبل ذلك.

تبين نظرة سريعة في الكتب المعروضة بالسور أن بعضها يحمل إهداء من المؤلف إلى شخص ما، ونصادف كتابا بعنوان “الحب بين ضفتيه” للأديب فاروق منجونة مُهدى إلى أمين بسيوني رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق في مصر. ويقول نص الإهداء “إلى العميد الذي جعل الميكروفون ينبض ويتدفق بنبع الحياة.. إلى أمين بسيوني الأستاذ والصديق والإنسان”.

صادفت كتابا أهداه الكاتب السوري أكرم كينا إلى الكاتب والباحث أحمد سالم، وكتابا آخر إلى صديق له يدعى الدكتور أبويونس.

و يؤكد الباحث نبيل سيف، وهو مهتم بجمع التراث ومقتنيات المشاهير، الموجع في الأمر، أن المبدع أو الكاتب قد ينفق عشرات الآلاف من الجنيهات لشراء الكتب، ثم يبيعها ورثته لتجار الورق بالكيلو. وأضاف لـ”العرب”، حتى لو كانت المكتبة قيّمة وتحتوي على كتب نادرة يتم شراؤها بثمن بخس يقل عن 1 بالمئة من قيمتها الحقيقية، قائلا، “الورثة لا يعرفون قيمة الكتب ويرغبون في إخلاء أماكنها لرغبتهم في الانتفاع بالفضاء”.

ويوضح خيري حسن، عمل رئيسا لتحرير برنامج “عصير الكتب” وكان يهتم بمكتبات المبدعين، أنه لاحظ وجود كتب عديدة من مكتبات الأدباء والشعراء الذين زارهم تسربت إلى الأسواق بعد وفاتهم.

ويقول لـ”العرب”، إنه وجد مثلا كتابا نادرا للكاتب الراحل محمود عوض بعنوان “أرجوك لا تفهمني بسرعة” يُباع على أحد أرصفة ميدان الجيزة بجوار شقته بعد شهور قليلة من رحيله.

وسبق وسأل الكاتب الراحل عن ذلك الكتاب، فأخبره أن لديه نسختين فقط، ولا توجد نسخ من الكتاب في الأسواق. ويوضح حسن، أن مكتبة محمود عوض، وهي من أكبر مكتبات المثقفين بيعت إلى تجار الكتب بالوزن، لأن الكاتب الراحل لم يكن متزوجا ولم يرثه سوى أشقائه.

وارث مثقف خير من مؤسسة مهملة

إهداءات وإمضاءات تتحول لغير أصحابها (تصوير محمد حسنين)
إهداءات وإمضاءات تتحول لغير أصحابها (تصوير محمد حسنين)

في أحيان أخرى، لا تتأثر المكتبات برحيل أصحابها، عندما يكون أحد الورثة مثقفا أو مبدعا أو مهتما بالقراءة، فتنتقل إليه ويحافظ عليها ويهتم بها.

ذكر خيري حسن، أن هناك مكتبات زارها وتابعها بعد وفاة أصحابها وتأكد من الحفاظ عليها نظرا إلى اهتمام الورثة المثقفين بها، منها مكتبات الشاعر سيد حجاب، والشاعر عبدالرحمن الأبنودي، والمفكر محمود أمين العالم.

وجود وارث مهتم ومثقف تؤول إليه المكتبة عقب وفاة صاحبها يحافظ عليها وينظمها وينميها، مثلما جرى مع مكتبة صلاح جاهين، حيث ورثها ابنه الشاعر بهاء جاهين، ومكتبة الأبنودي التي حرصت زوجته الإعلامية نهال كمال، على الحفاظ على مقتنياتها.

و تسرُّب مكتبات المشاهير إلى الأسواق دفع بعض المبدعين إلى التبرع بها إلى المكتبات العامة، فتبرع الكاتب والصحافي محمد حسنين هيكل، قبل وفاته عام 2016 بمكتبته إلى مكتبة الإسكندرية. أما الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف الأسبق، أوصى بإهداء مكتبته البالغة أكثر من 10 آلاف كتاب إلى جامعة القاهرة. وقام الأديب الراحل يحيى حقي، قبيل وفاته سنة 1992 بإهداء مكتبته إلى جامعة المنيا (جنوب القاهرة) وفاء للمدينة التي ولد ونشأ فيها.

وقام سمير غريب الرئيس السابق لجهاز التنسيق الحضاري مؤخرا، بالتبرع بمكتبته إلى دار الكتب. وتسلمت الدار حوالي ألفي كتاب كدفعة أولى.

بعض الكتب التي تذهب إلى المكتبات العامة لا تجد العناية الكافية والاهتمام المطلوب، وتتعرّض إلى الإهمال وأحيانا إلى السرقة لتصل إلى تجار الكتب القديمة.

تقول الإعلامية أنس الوجود رضوان، حرم الأديب الراحل صبري موسى، من الضروري أن تتبنى وزارة الثقافة مبادرة لجمع مكتبات الأدباء والشعراء الراحلين للحفاظ عليها من التسرب والضياع.

وحكت لـ”العرب”، أن زوجها فكر قبيل رحيله، في يناير الماضي، في إهداء مكتبته إلى جهة رسمية تستفيد منها، وقامت الزوجة بإعلان ذلك في حضور حلمي النمنم وزير الثقافة السابق، ورحّب وأشاد بالفكرة، لكن أحدا لم يسأل بعد ذلك، ولم تعرف كيف يمكن عمل إجراءات نقل المكتبة الخاصة بالأديب؟ ومن يتحمل تكاليف النقل؟

زارت “العرب” مكتبة الأديب الراحل، الذي ولد 1932، وتخصص في أدب الرحلات والصحراء وفازت روايته “فساد الأمكنة” بجائزة بيجاسوس العالمية سنة 1978، وكتب مجموعات قصصية عديدة، ووضع سيناريوهات أفلام سينمائية أبرزها “البوسطجي” و”الشيماء”، وفاز بجائزة الدولة التقديرية عام 2003.

كتب نادرة تباع إلى التجار في السيدة زينب بالكيلو (تصوير محمد حسنين)
كتب نادرة تباع إلى التجار في السيدة زينب بالكيلو (تصوير محمد حسنين)

تضم مكتبة الأديب الراحل نحو ثلاثة آلاف كتاب باللغتين العربية والإنكليزية، منها كتب نادرة صدرت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وتحوي معظم أعمال الروائيين العرب، على رأسهم نجيب محفوظ، حنا مينا، عبدالرحمن منيف، الطاهر وطار، يحيى حقي، بهاء طاهر، وإبراهيم عبدالمجيد.

وتضم كتبا عديدة باللغة الإنكليزية حول حركة الأدب في أميركا خلال الستينات وتطور المجتمع الأميركي، والأساليب الحديثة في الرواية الإنكليزية، والسينما الحديثة، وروايات جورج أورويل، وإرنست هيمنغواي، وكون تيكي وغيرهم، فضلا عن الأرشيف الكامل لمجلة “صباح الخير” القاهرية منذ صدورها سنة 1956 وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي.

تحوي المكتبة قسما خاصا بالكروت الشخصية من دول مختلفة وخطابات كثير من القراء، وهي ترجمة صادقة لمشكلات المجتمع المصري في ذلك الوقت. وهناك مجموعة من شرائط الفيديو النادرة لحوارات تلفزيونية لأدباء ومثقفين من الأجيال القديمة، ولوحات فنية لرسامين، منهم صلاح طاهر وجمال كامل والبهجوري.

علاوة على العشرات من الروايات والمجموعات القصصية والمسرحيات مهداة إلى الأديب الراحل بخط يد أصحابها، منها رواية بعنوان “الخرز الملون” للكاتب محمد سلماوي وكتب بخطه في الصفحة الأولى “إلى  الصديق العزيز..  الروائي الكبير.. الأستاذ صبري موسى. مع المحبة”.

قرأت على الصفحة الأولى لمسرحية “ترابها زعفران” للكاتب إدوار الخراط العبارة التالية “إلى العزيز صبري موسى.. تحية وتقدير”. وكتاب للإعلامي إبراهيم عيسي أهداه سنة 1993 للأديب الراحل بعنوان “دم الحسين” كتب في إهدائه “إلى أستاذي الكبير”.

يتحدث مثقفون في مصر أيضا عن مكتبة الكاتب والناقد الراحل علاء الديب التي مازالت في بيته بحي المعادي، وولع الراحل باللوحات الفنية. وتضم سلسلة “ذخائر العرب”، ومنها ديوان المتنبي و”البيان والتبيين” للجاحظ، وقصة الحضارة لويل ديورانت، والمعجم الفلسفي لجميل صليب، وكتب طه حسين.

يدفع وجود مثل هذه المكتبات المجتمع الثقافي إلى المطالبة بضرورة تقديم مبادرات حكومية للحفاظ على تراث الروّاد وصيانته وتحويله إلى مكتبات ثابتة ومتنقلة في مختلف المحافظات، وإنشاء معارض  ومكتبات عامة تقوم فكرتها على إهداءات أصحاب المكتبات الكبرى، بدلا من بيعها على الأرصفة.

17