مكتبات باريس

قال لي صاحب هذه المكتبة بأن الهدف من كل هذا هو العمل على أن يظل الكتاب المصدر الأساسي للمعرفة، وللتقارب بين الشعوب والثقافات، ولمواجهة التطرف بجميع أشكاله.
الثلاثاء 2018/04/24
العزوف عن القراءة ظاهرة طارئة لن يكتب لها الدوام

في أوّل زيارة لي إلى باريس، فتنتني مكتباتها المتمركزة بالخصوص في الحي اللاتيني تماما مثلما فتنتني متاحفها ومعالمها البديعة! لذا ألفت التردد عليها يوميا تقريبا لأتصفح الكتب، أو أقرأ صفحات منها، أو أكتفي بالتعرف على ملخصاتها، وسيرة مؤلفيها على الغلاف الرابع. وبفضل جولاتي اليومية بين المكتبات، اكتشفت روائيين، وشعراء، وفلاسفة فتحوا أمامي آفاقا واسعة، وساعدوني على تجاوز المصاعب التي واجهتها في بداية مسيرتي الأدبية.

وخلال إقامتي الطويلة في ميونيخ، كنت أحب أن أزور باريس بين وقت وآخر لتكون الجولات بين مكتباتها إحدى متعي المفضلة.

لكن مع التطور السريع والهائل لوسائل الاتصال الجديدة، اختفت العديد من المكتبات في الحي اللاتيني لتتحول إلى محال تجارية لبيع الملابس، أو الوجبات السريعة. وهذا كان مصير مكتبة الـ”PUF” في ساحة جامعة “السربون” المتخصصة في بيع كتب الفلسفة والتاريخ وعلم الإجتماع، كما هو مصير مكتبة “الديوان” بساحة بونابرت، ومكتبة “لاهون” المحاذية لمقهى”الدوماغو” التي كان يرتادها المشاهير أمثال جان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار، وألبير كامو، وخورخي لويس بورخيس، وخورخي سامبرون، وبيكاسو، ولوي أراغون، وآخرين. وباختفاء مثل هذه المكتبات، فقد الحي اللاتيني الكثير من سحره القديم أيام كانت الكتب تثير الجدل الساخن، وتشعل المعارك الفكرية والفلسفية والأدبية في مقاهيه، ومطاعمه في الليل كما في النهار.

وهناك مكتبات لا تزال تقاوم الغزو التكنولوجي والعزوف عن الكتاب، أولاها مكتبة “جيلبير جون” التي عرفت شهرة هائلة بعد ثور 68 الطلابية. فقد تخصصت في عرض كتب زعماء الاشتراكية العالمية أمثال لينين، وتروتسكي، وماو تسي تونغ، وشي غيفارا، وستالين، وغيرهم. كما كانت تعرض كتبا منعت في بلدان مؤلفيها الأصلية. لذلك كان المثقفون والطلبة الراديكاليون يقبلون عليها بأعداد وفيرة. والبعض منهم كانوا يلجأون إلى سرقة الكتب التي تعجبهم عندما لا تسعفهم جيوبهم بشرائها. فإن أكملوا قراءتها، باعوها بأثمان بخسة ليشربوا بيرة أو أكثر في حانة يرتادها المشاهير من أهل الفكر أو الأدب أو الفن. ولا تزال المكتبة الفلسفية في ساحة جامعة السربون تجلب اهتمام البعض من عشاق كبار الفلاسفة القدماء والمحدثين لأنها توفر لهم الكتب التي فقدت ولم يعد طبعها ممكنا.

وفي شارع “المدارس” حيث يوجد “الكوليج دو فرانس”، والممتد من بولفار “سان ميشال” حتى “معهد العالم العربي”، اختفت كل المكتبات القديمة لتعوضها مكتبات متخصصة في بيع وترويج الكتب بأثمان بخسة. وفي هذه المكتبات تباع مؤلفات شهيرة قديمة وحديثة في مجالات متعددة بخمسة يوروات أو بأقل من ذلك. كما تباع الروايات البوليسية الكلاسيكية بيورو أو بنصف يورو، أو بعشرين سنتا. وفي أحياء بعيدة عن الحي اللاتيني، عرفت بعزوف سكانها، وأغلبهم من الأجانب، عن القراءة، مثل حي “بال فيل” الذي يتعايش فيه عرب ويهود وصينيون وفيتناميون فتحت مكتبة كبيرة أبوابها لتستقبل أحباء الكتاب حتى ساعة متأخرة من الليل. وأحيانا تحتفي هذه المكتبة الجميلة القريبة من ساحة “الروبيبليك”، رمز الثورة الفرنسية، بكتاب وشعراء، وتنظم سهرات معهم لجلب القراء. وقد قال لي صاحب هذه المكتبة بأن الهدف من كل هذا هو العمل على أن يظل الكتاب المصدر الأساسي للمعرفة، وللتقارب بين الشعوب والثقافات، ولمواجهة التطرف بجميع أشكاله. ومتفائلا أضاف صاحب هذه المكتبة قائلا إن العزوف عن القراءة ظاهرة طارئة لن يكتب لها الدوام، وأن باريس ستظل دائما مدينة الأنوار المعرفية بامتياز.

14