مكتبات بالأغلال

السبت 2016/04/09

قد يفاجأ الكثيرُ من زوار مكتبة هيرفورد البريطانية الشهيرة بوجود رصيد هام من المخطوطات المحكمة بسلاسل حديدية. وهو رصيدُ يتجاوز المئتي عنوان من المخطوطات، من بينها نسخة من الإنجيل تعود إلى القرن الرابع عشر. وذلك حال عدد من المكتبات الأوروبية التي استمرت في الاحتفاظ بهذا التقليد، ومنها مكتبة ويمبورن منستر بمقاطعة دورست البريطانية، والتي يعودُ تأسيسها إلى نهاية القرن السابع عشر، ومكتبة دير أدمون بالنمسا، التي تُعرف باحتفاظها على رصيد هام من أوائل الكتب المطبوعة، التي تعود إلى القرن الخامس عشر.

والحقيقة أن تقليد ربط الكتب بالأغلال يعود إلى القرون الوسطى. وكان ذلك معتمدا من طرف أغلب مكتبات أوروبا، التي كانت تحتفظ بمخطوطات نادرة، ومن بينها على سبيل المثال، مكتبة مارش بدبلن يإيرلندا، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى بداية القرن الثامن عشر.

ويعود هذا التقليد إلى كون الفترة كانت سابقة على ظهور الطباعة وإلى شيوع سرقة الكتب. الكُونت بلادس كان قد ذهب إلى أبعد من ذلك في يومياته المنشورة بلندن سنة 1892، حيث أرجع الأمر إلى كون جل الكتب المحفوظة كانت ذات طابع ديني، الشيء الذي كان “يثير سخط وعداء الشيطان، والذي حظي في مرات عديدة بالإذن بالدخول إلى المكتبات وسرقة أجود كتبها، تاركا وراءه آثار خطاه فوق أرضية المكتبة”!، وهو ما قد يفسر حرص عدد من المكتبات على رش الكتب بالماء المقدس. ابتداء من القرن الثامن عشر، ستعمل أغلبُ المكتبات على تحرير الكتب من أغلالها، ومن ذلك مكتبة كلية الطب بباريس، التي أزالت الأغلال عن كتبها بعد ثلاثة قرون عن استعمالها. وتساوق ذلك خصوصا مع ظهور الطباعة، مع ما منحه ذلك من إمكانيات تداول الكتب وانخفاض أسعارها، وأيضا مع انتشار موضة المكتبات المفتوحة الخاصة التي تعود إلى أشخاص أثرياء.

وفي جميع الأحوال، وبالرغم مما قد تحيط بها من غرابة، شكل ظهورُ المكتبات المغلولة مرحلة مهمة على مستوى إتاحة المعرفة وتداولها، إذ أنها منحت إمكانية الخروج من فترة كانت تُحفظ خلالها الكتب في صناديق مقفلة أو بين أيدي أشخاص محدودين، بعيدا عن القراء.

طُلب من تلاميذ مدرسة إعدادية فرنسية كتابة شهادات لتخيل حقيقة الكتب المغلولة. كتبتْ فتاة في العاشرة من عمرها، اسمها سلمى “في القديم، خلال الحرب، أرادت فتاة صغيرة تدوينَ حياتها في كتاب مذكراتها. أخذتْ قلما وبدأت في الكتابة. فور انتهائها، سقطت قنابل على بيتها. قبل أن تتوفى، أخذت سلسلة وربطت الكتاب حتى لا يطلع أحد على أسرارها”.

أما شيوخ الزاوية الناصرية، الكائنة قرب مدينة زاكورة، جنوب المغرب، فقد اختاروا، في بدايات القرن العشرين، إقبارَ مخطوطات مكتبة تمكروت وراء الحيطان. وتلك طريقة ربما أقل نبلا من تغليل الكتب، غير أنها كانت الأصوبَ لإبعاد المخطوطات عن أعين المستعمر الفرنسي.

كاتب من المغرب

17