مكتبة القرويين خزانة معرفة تفتح أبوابها في فاس

لا يزال المغرب يخطو خطوات مثيرة نحو التميز من خلال المحافظة على ذاكرة تاريخه الحضاري وإرثه الإبداعي وتجديده في زمن يتعرض الكثير من التراث الثقافي والإنساني في العديد من البلدان العربية إلى عمليات إبادة وتدمير.
الثلاثاء 2016/09/20
كنوز ثمينة من المخطوطات النادرة في خزانة القرويين

فاس (المغرب)- يستعد المغرب لإعادة فتح أقدم مكتبة في العالم تقع في حرم جامعة القرويين بمدينة فاس العتيقة، وذلك بعد سنوات من أعمال الترميم والتجديد لهذه المكتبة العريقة التي تضم مخطوطات نادرة.

وأمام “ساحة الصفارين” في مدينة فاس العتيقة يظهر باب حديدي تستعد وراءه مكتبة عريقة لإعادة فتحها أمام الجمهور العام للمرة الأولى منذ إنشائها بعد عمليات ترميم استمرت لسنوات. ويقول أحد حراس المكتبة لصحيفة “الغارديان” البريطانية في تقرير نشرته مطلع الأسبوع الحالي عن هذا الصرح العريق “كل الذين يعملون في المكتبة يحرسون محتوياتها بحرص شديد كما لو كانت ممتلكاتهم الخاصة”.

وتأتي الاستعدادات لإعادة فتح المكتبة في وقت تشهد فيه العديد من المواقع التاريخية والتراثية في عدد من البلدان العربية محاولات تدمير ونهب من قبل المتطرفين أدى بعضها إلى خسارة جزء مهم من ذاكرة وإرث إبداعي مهم من الحضارة الإسلامية. لكن المغرب يبدو بعيدا عن تلك الممارسات، حيث ساهمت عمليات الترميم بالمكتبة المعروفة بـ“خزانة القرويين” والتي يعود بناؤها إلى القرن الثاني عشر، في الحفاظ على مخطوطات إسلامية نادرة تعتبر من الكنوز التاريخية.

وتعد جامعة القرويين حيث توجد المكتبة أقدم جامعة في العالم، بحسب تصنيف المؤرخين الذي أكدته مؤخرا موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية. وقد خضعت المكتبة لعمليات ترميم منذ عام 2012 بإشراف المهندسة المعمارية المغربية عزيزة الشاوني، حيث من المقرر أن يفتتحها الملك محمد السادس قريبا. وتأمل الشاوني أن تكون المكتبة علامة فارقة على التغيير الأيديولوجي في المنطقة العربية والعالم.

وتأسست المكتبة أو الخزانة التي لعبت دورا رائدا في مجال نشر وتبادل المعرفة بين المسلمين والأوروبيين، في العام 859 على يد امرأة تدعى فاطمة بنت محمد الفهري جاءت من مدينة القيروان التونسية وهي صغيرة لتكمل مسيرتها الحياتية في مدينة فاس. ثم عزمت على بناء مسجد القرويين الشهير، ليصبح في ما بعد أول معهد ديني وأكبر كلية عربية في بلاد المغرب الأقصى.

وتضم المكتبة التي توجد داخل مسجد القرويين حوالي 4 آلاف مخطوطة مفهرسة بطريقة إلكترونية علمية، ومثلت منذ البداية مرجعا للدارسين والباحثين في مختلف التخصصات من جميع أنحاء العالم، ومن أشهرهم ابن خلدون وابن عربي. وتضم المكتبة قاعة للقراءة وقاعة كبيرة للندوات والمؤتمرات ومكاتب إدارية ومختبرا للمخطوطات ومقهى، فضلا عن تخصيص فضاء لتنظيم معارض مؤقتة للكتب.

كما تحتوي المكتبة التي يقترن اسمها بـ“جامع القرويين” على مخطوطات نادرة لمفكرين مشهورين في المنطقة، من بينها مصحف يعود إلى نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري مكتوب بماء الذهب على رق الغزال وبخط كوفي قديم، ونسخة من كتاب “العبر” لابن خلدون، بخط يده، أهداها إلى المكتبة حين كان يدرس في فاس، وقد اختارتها “منظمة “اليونسكو” ضمن قائمة التراث العالمي الإنساني.

ومن بين نفائس مكتبة القرويين كذلك إنجيل مكتوب باللغة العربية يعود إلى القرن الـ12 الميلادي، بالإضافة إلى مجموعة من المطبوعات الحجرية القيمة والنادرة والتي يقدر عددها بحوالي 600 مطبوعة حجرية. وكانت المكتبة العريقة مقصدا للطلبة والباحثين من جميع أنحاء العالم، حيث تأسست نواتها الأولى داخل مسجد القرويين عندما عمد السلطان أبو عنان المريني إلى إقامة هذه الخزانة بأحد أجنحة المسجد لمساندة ودعم مهمته في التدريس، وحتى تكون قريبة من الطلبة والعلماء.

كما وضع لها قانونا للقراءة والمطالعة والنسخ وزودها بكتب نفيسة في مختلف العلوم والفنون. وتغلب على مخطوطات “خزانة القرويين” المواضيع المرتبطة بالعلوم الشرعية، حيث تتوفر على العديد من المصاحف والتفاسير وكتب الفقه والحديث والأصول، إلى جانب مخطوطات تشمل عدة تخصصات منها الطب والرياضيات والجبر وعلوم الفلك والفلسفة والشعر والأدب والتاريخ والسير والرحلات وغيرها من الفنون. ومن بين العوامل التي ساهمت في إثراء فهرسة الخزانة إهداء شخصيات معروفة كتبا قيمة مثل المصحف الذي أهداه لها الأمير الأردني الحسن بن طلال، والنسخة النادرة من الإنجيل التي أهداها الملك الراحل الحسن الثاني إلى البابا.

24