"مكتبة القهوة" تتطلع إلى تغيير الواقع الثقافي في جنوب مصر

كما توجد طقوس للكتابة عند المبدع توجد كذلك طقوس أخرى للقراءة لدى المتلقي، لكن يبقى أكثرها انتشارا المزج بين متعة احتساء القهوة وجمالية متعة قراءة كتاب في آن واحد، وهذا ما تفطن له أصحاب البعض من المقاهي المصرية مؤخرا، حيث أنشأوا بالاشتراك مع معهد جوتة الألماني فضاءات جديدة وغير نمطية للمكتبات تسمى “مكتبة القهوة”.
الجمعة 2016/03/11
المشروع يمثل طاقة أمل للكثيرين من أبناء الصعيد

تعدّ مكتبة القهوة مشروعا طموحا تم إطلاقه في مصر بالتعاون مع معهد جوتة الألماني وعدد من المقاهي بهدف استحداث فضاءات جديدة وغير نمطية للمكتبات العامة، وقد تم إطلاق المشروع في بداية العام الماضي في محافظة المنيا الواقعة في جنوب القاهرة، لكن الفكرة وجدت طريقها أخيرا للتحقق في مدن أخرى، بعد تدشين عدد من المكتبات داخل مقاه في محافظات الجنوب، كان آخرها في مدينة الفيوم بحضور الكاتب المصري مكاوي سعيد ومدير معهد جوتة وعدد من المثقفين.

تتيح المقاهي المشاركة في مشروع مكتبة القهوة لروادها الاطلاع على أحدث الإصدارات الأدبية والثقافية في المكتبات المصرية عن طريق ركن المكتبة، والذي يجتذب شريحة كبيرة من مرتادي المقاهي المتعطشين للقراءة.

ويرى محمد، وهو من رواد أحد هذه المقاهي في مدينة المنيا، أن المشروع يمثل طاقة أمل للكثيرين من أبناء الصعيد، وأنه قد أتاح له شخصيا فرصة الاقتناء والاطلاع على أحدث عناوين الإصدارات لدور النشر المصرية، بعد أن كان يطالعها عن طريق الإنترنت، أو حين ينتهز فرصة وجوده في القاهرة لشراء بعض الكتب التي سمع عنها أو رشحها له بعض الأصدقاء، الآن يستطيع محمد وكثيرون غيره الحصول على هذه الإصدارات بسهولة من خلال المكتبات التي تم تدشينها بهذه الطريقة، وخاصة بعد تعاون العديد من دور النشر في إنجاز المشروع.

وترى سعاد غالي، وهي من رواد المقهى أيضا أن الأمر لا يكلف المقهى شيئا، هو يحتاج فقط إلى مساحة في أحد الأركان لا تشغل حيزا كبيرا، فالمكتبة الملحقة بالمقهى تجتذب روادا جددا إلى المكان وتضيف إليه بعدا ثقافيا. وتواصل غالي قائلة “المقهى مكان ذو طابع شعبي، يرتاده الكثير من الشرائح المجتمعية، ووجود الكتب على هذا النحو في فضاء متاح وقريب من التناول، هو أمر إيجابي وله مردوده بلا شك”.

ويمثل المشروع على هذا النحو محاولة للتغلب على نمط المركزية الذي يكرس معظم النشاطات الثقافية داخل القاهرة والمدن الرئيسية، ففي الكثير من مدن الجنوب المصري والمناطق الريفية لا تمثل المكتبات جزءا من الحياة العامة، إذ تفتقر تلك المناطق إلى المكتبات، عدا بعض المناطق الثقافية المتفرقة، وكذلك إلى الدوافع لشراء الكتـب أو قراءتها. وتغيير هذا الواقع هو الهدف من المشروع، والذي يتمحور حول إقامة محطات متنقلة لبيع الكتب في الأماكن العامة كالمقاهي أو المراكز الثقافية، والمقاهي على وجه الخصوص توفر أجواء مريحة ولطيفة، وذلـك باعتبارهـا نقـاط التقـاء اجتماعية، يمكن للمرء مـن خلالها الاستمتاع بالقراءة على نحو فردي أو جماعي، وتبادل الرؤى والأفكار.

أما بخصوص الكتب التي يتم تقديمها في مكتبات المقاهي فيمكن الوصول إليها بسهولة وهي معروضة بأسعار مناسبة، وهذا ما يجعلها في متناول أوسع نطاق من شرائح المجتمع.

ويستند المشروع إلى برنامج مصاحب مع كتاب مصريين معروفين، ومغمورين لإقامة فعاليات مستمرة في تلك الأماكن لإثارة الاهتمام والفضول وتعزيز النقاش، وتتنوع تلك الفعاليات ما بين نوادي الكتب والمبارزات الشعرية والقراءات وعروض الكتب و”توصيات قراءة” شهرية إلى جانب ذلك، يوسع المشاركون معارفهم حول الأدب والموضوعات التي يتناولها، وهو ما يمثل جزءا من المشاركة الاجتماعية الفعالة.

في هذا المشروع يتولى معهد جوتة عملية التمويل، بينما تقوم مؤسسة صفصافة للثقافة والنشر بدور استشاري فيه، كما يخطط معهد جوتة لتفعيل هذه الفكرة في عدد من المحافظات الأخرى، في حين تعمل لجنة استشارية متطوعة على اختيار عدد من العناوين لتكون باكورة الكتب التي ستعرض في مكتبات المشروع، وضمت هذه اللجنة نخبة من الأدباء والصحافيين والناشطين السياسيين والباحثين، وتنوعت العناوين المختارة بين الكتب الفكرية والأدبية، كما ضمت روايات تاريخية وكتبا من قوائم الأكثر مبيعا في مصر وروايات وقصصا، وكتبا مترجمة من الألمانية ومن لغات أخرى.

15