"مكتبة ملابس" تقف في وجه الموضة السريعة

مواطنة أسترالية تفتح مكتبة للملابس لاستعارة قطع مستعملة بدل شرائها رفضا للموضة السريعة والانعكاسات الكارثية للنزعة الاستهلاكية على البيئة.
الخميس 2018/08/23
الكرة في ملعب المستهلك

سيدني - في متجرها في وسط سيدني التجاري لا تبيع سارة فريمان الملابس الجديدة بل يمكن للزبائن استعارة قطع مستعملة رفضا “للموضة السريعة” والانعكاسات الكارثية للنزعة الاستهلاكية على البيئة.

فقد صدمت هذه المرأة الأسترالية بالسرعة التي يشتري بها مواطنوها الملابس ويرمونها من دون ارتدائها أحيانا مع أقمشة رديئة النوعية.

قررت سارة فريمان إرساء مفهوم الاستعارة لاستحداث ما سمته “كلوث لايبريري” أي “مكتبة الملابس”.

وتقول فريمان الشغوفة بالملابس القديمة في متجرها في بوتس بوينتس “اليوم الناس يرتدون ملابسهم مثل الواقي الذكري.. مرة واحدة ومن ثم ترمى”. وتتابع قائلة “على الورق ليس هذا هو الهدف من الملابس. لكن في الواقع فهي مصنوعة الآن لتصمد أمام ست عمليات غسل وهو أمر رهيب بالنسبة لي”.

بين العامين 2000 و2014، تضاعف الإنتاج العالمي من الملابس فيما زاد عدد الملابس التي يشتريها المستهلكون سنويا بنسبة 60 بالمئة على ما تفيد شركة “ماكينزي أند كومباني” الاستشارية.

ويعزى ذلك خصوصا إلى ما يعرف بـ”فاست فاشن” أي الموضة السريعة زهيدة الكلفة ومجموعات الملابس التي تجدد باستمرار.

وينطوي المفهوم الاستهلاكي هذا على توافر الملابس التي تقدم خلال عروض الأزياء سريعا في المتاجر بأسعار متدنية ويمكن الوصول إليها بسهولة كذلك من خلال المواقع الإلكترونية.

وقد حقق هذا المفهوم نجاحا هائلا لماركات عالمية مثل “إتش أند أم” السويدية و”زارا” الإسبانية ووجد في أستراليا حيزا نشطا. وقالت مصممة الأزياء البريطانية ستيلا مكارتني إن صناعة الأزياء والموضة التي تشهد ازدهارا مستمرا تستخدم أساليب تعود إلى العصور الوسطى وتحتاج إلى التحديث للحد من الأضرار التي تلحقها بالبيئة.

وأضافت مكارتني، المعروفة بتصميماتها القوية التي تمتاز بالبساطة وبرفضها لاستخدام الفراء أو الجلود في الأزياء، أن ما حدث من زيادة الطلب على الملابس والأحذية بسبب تنامي الطبقات المتوسطة حول العالم جاء في الوقت الذي ظلت فيه أساليب التصنيع جامدة. وقالت “لو فكرت في كم الموضة الموجودة سواء كانت فاخرة أو سريعة… إنها تغرق الكوكب”.

وجاءت تصريحات مكارتني، ابنة نجم البيتلز بول مكارتني، قبل إطلاق معرض في متحف “فيكتوريا آند آلبرت” في لندن في شهر أبريل الماضي تحت اسم “الموضة من الطبيعة”.

ويشرح المعرض تاريخ الموضة في نهب البيئة من أجل إنتاج السلع ومحاولات بعض المصممين التحديث وإعادة التدوير واستخدام طرق مختلفة للتخفيف من هذا العبء البيئي.

وقالت مكارتني إن المصممين بحاجة إلى تبني طرق أنظف بيئيا.

Thumbnail

وتفيد شركة “إيبيس وورلد” بأن قطاع “فاست فاشن” عرف نموا نسبته 19.5 بالمئة في السنوات الخمس الأخيرة في أستراليا. ويعتبر طلب الفرد على الألبسة في أستراليا من الأعلى في العالم.

وأشار استطلاع للرأي نشرت نتائجه قبل فترة قصيرة شركة “يوغوف” المتخصصة في الدراسات الإحصائية إلى أن ربع الأستراليين تقريبا رموا قطعة لباس ارتدوها مرة واحدة فقط. وتوضح أليسون غويلت الخبيرة في شؤون الموضة المستدامة في جامعة جنوب أستراليا “منذ البداية يكون التصور أن هذه الملابس لا قيمة لها ولا تستحق أن تبقى في خزانتنا”.

في مركز التوزيع التابع لجمعية مار منصور الخيرية في وسط سيدني التي تعيد تدوير الملابس خصوصا، يشير القيمون إلى أنهم لاحظوا في السنوات الأخيرة تراجعا في نوعية الأقمشة.

ويقول مدير المركز جورج بلايكلي “بعض الملابس لا تصمد بعد غسلتين أو ثلاث، إلا أن كميات الملابس التي نتلقاها تزيد لأن الناس يتخلصون من ملابسهم بسرعة أكبر”.

في السابق، كانت المجموعات تتوافر في المتاجر بعد ستة أشهر على عرضها، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تغيير الوضع، فبات الناس يكتشفون مجموعات الملابس في الوقت الحقيقي وما من سبب يدفع إلى الانتظار.

ومن هنا أتت فكرة “فاست فاشن” مع تجدد المجموعات بشكل متواصل.

وتؤدي الفورة الاستهلاكية الناجمة عنها إلى طرح أسئلة على صعيدي علم الاجتماع وعلم النفس حول دوافع مجتمع لا يشبع. فهي تشجع العمل في مشاغل خياطة بأجور متدنية مع ظروف سيئة في غالب الأحيان مخلفة أيضا كوارث بيئية بسبب كم النفايات الناجمة عنها. فمجاري المياه القريبة من المصانع تتعرض للتلوث بسبب تسرب المواد الكيميائية إليها. وتنتج أطنان من الملابس سنويا في الدول النامية ما يتطلب كميات هائلة من الطاقة والموارد.

Thumbnail

والأقمشة المستخدمة غالبا ما تكون اصطناعية وغير قابلة للتحلل، ما يعني أن حتى غسلها قد يشكل خطرا، إذ أن بعض الملابس تحرر أليافا بلاستيكية صغيرة تصل إلى قنوات مياه الصرف وإلى المحيطات في دول مثل أستراليا.

وفي الأشهر الأخيرة تصدر تأثير النفايات المدمر العناوين مع منع الصين أكبر سوق لتدوير النفايات الأسترالية دخول بعض النفايات من الخارج.

وقد أرغمت قيود بكين على النفايات “الملوثة” والتي تشمل القماش، الأستراليين على التفكير في كميات النفايات التي ينتجونها وحفزت الجهود لاعتماد نهج مستدام أكثر.

في جامعة ديكن في ملبورن حصل باحثون على مساعدات من متاجر “إتش أند أم” لتطوير قماش “الجينز الدائري”، حيث تستخدم سروايل جينز قديمة لتلوين الجديدة منها ما يخفض التلوث. ويستعين المنتجون أيضا بألياف طبيعية، إذ أن أستراليا منتج كبير للصوف والقطن من نوعية رفيعة على ما يؤكد ديفيد جيل-كاي المدير العام لمجلس الموضة الأسترالي الذي يروج لقطاع الموضة في البلاد.

لكنه يؤكد أن “الكرة في ملعب المستهلك، فطالما أن المستهلكين يطلبون منتجات بخسة الثمن سيتشجع المنتجون على الإنتاج غير المستدام”.

وسارة فريمان على ثقة أيضا بقدرة المستهلك على تغيير الوضع إذا وافق على استعارة الملابس جيدة النوعية في مقابل اشتراك شهري بخس.

20