مكرم محمد أحمد خزنة أسرار الحكام في مصر

السبت 2017/07/15
مكرم محمد أحمد "صحافي مكوكي" يحتل عرش صاحبة الجلالة طيلة نصف القرن الماضي

القاهرة- أن تكون صحافيّا لامعًا في مصر وعبر عهود متتالية فإن ذلك يقتضي منك أن تمتلك قدرات وملكات وسمات شخصية ومهنية تمكّنك من الحفاظ على قدر كبير من العافية الإعلامية والسياسية، وهذا ما يتمتع به مكرم محمد أحمد، الذي تميز بأنه مختلف إلى حد كبير عن أبناء جيله الذين دخلوا معه المجال الصحافي في الخمسينات من القرن الماضي.

مكرم، الملقب بـ”شيخ الصحافيين”، لديه مهارة التحليل الاستراتيجي العميق لأيّ حدث يتناوله، وتدعمه في ذلك قوة علاقاته بأجهزة الدولة بما يسمح له بأن يكون على مقربة من دوائر صنع القرار والحصول على المعلومات المهمة التي يبني عليها التحليلات والاستنتاجات في القضايا المختلفة، وهو من القلائل الذين مارسوا مهنة الصحافة لأكثر من نصف قرن لم يغب فيها عن أيّ حدث داخلي أو خارجي.

سطع نجمه في مهنته مبكرًا بعدما عمل مديراً لمكتب جريدة الأهرام الحكومية بالعاصمة السورية دمشق، ثم مراسلاً للجريدة في غزة، وبعدها مراسلا عسكرياً لتغطية حرب اليمن عام 1967، وأيضًا لتغطية حرب الجزائر والمغرب، ثم رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة دار الهلال، ورئيسا لتحرير مجلة المصوّر، قبل أن يترك ذلك كله ليتفرغ لكتابة المقالات والعمل النقابي لسنوات، وليصبح مؤخرا الرئيس الحالي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

الذين عرفوا الرجل عن قرب وتابعوه جيدًا يعرفون أنه أحد أضلاع كل نظام حاكم في مصر والأجهزة التي تعاقبت عليه، بفعل كتاباته وحواراته التي لا تخلو من معلومات مهمة تكون قد وصلت إليه من داخل مطبخ صناعة القرار، لذلك ستجد في كثير من كلامه رسائل سياسية وحكومية موجهة للرأي العام، ربما تكون عفوية عن غير قصد أو تكون مُتعمّدة، لكن في النهاية تحتمل الصحة أكثر من التخمين.

المفضل لدى الرؤساء

شغل منصب نقيب الصحافيين المصريين لثلاث مرات في مسيرته الإعلامية، وأدّت طريقة كتابته وتحليلاته وتناوله للأوضاع المحلية والدولية إلى أن يكون معروفًا لدى رؤساء مصر جميعًا. فهو الذي أشاد به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حينما كتب موضوعًا عن السدّ العالي في صحيفة الأهرام الحكومية، وقال له “أنت كتبت ما عجز غيرك عن تناوله بهذه الطريقة. لقد أبهرني ما كتبته”.

أما الرئيس السادات فقد بدأت علاقته بمكرم متوترة، فعندما حدثت الأزمة بين السادات وطلاب جامعة القاهرة وخروجهم في مظاهرات ضده في نهاية عقد الستينات من القرن العشرين، تصوَّر الرئيس أن مكرم طرف في مؤامرة مع الطلاب ضد النظام آنذاك، وبلغ الأمر حدّ اتهامه في خطاب شديد اللهجة ومجموعة من الصحافيين بأنهم “متآمرون”، وتم إبعاده ضمن 61 صحافيا آخرين عن الكتابة، ولم يعد إليها مجددًا إلا قبل قيام حرب 1973 بأيام.

مكرم محمد أحمد ينظر إلى علاقته بالسلطة على أنها مطلوبة في العمل وحسب وجهة نظره، الصحافي الذي يكرس قلمه للكتابة لشخص واحد بغية استرضائه يفقد مصداقيته

من خلال رسائل كثيرة أوصلها للسادات في كتاباته بشكل إيجابي استطاع أن يزيل حالة الجفاء معه، خاصة وأن الرئيس آنذاك كان يتصوّر أن مكرم من أتباع الراحل محمد حسنين هيكل الذي كان السادات على خلاف شديد معه، وبعدها أصبح السادات ومكرم صديقين.

قال مكرم عن علاقته بالسادات “كنت أتّصل به، وكنت أوّل صحافي يقول إن السادات سيذهب إلى القدس، وسيتقدّم بمشروع سلام وإنه سيذهب إلى الكنيست، لأنه كان قد ألمح بذلك في إحدى خطبه وفهمت أنا ما بين السطور. وقتها اتصل بي وقال لي: برافو. أنت الوحيد الذي كتبت هذا الكلام وباقي الصحف أخفته بداخل الجريدة. وقال لي بعض التفاصيل الأخرى التي نشرتها بعد ذلك في الأهرام”.

غير أن التوتر سرعان ما عاد بين الصديقين، مكرم والسادات، إثر انفراد مكرم “الصحافي المكوكي” كما كان يطلق عليه، بنشر معاهدة السلام على العالم كله، وكان في واشنطن وقتها ضمن بعثة تصادَف وجودها مع وجود وفود المباحثات المصرية والإسرائيلية والأميركية، واستطاع الحصول على بيان معاهدة السلام ونشره، ما أغضب السادات بشدة فطلب من حسني مبارك وقتها التحقيق معه ومعاقبته.

خلال فترة حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك سطع نجم مكرم أكثر من أيّ وقت مضى، واحتفظ لنفسه بمكانة قوية عند أجهزة الحكم بعكس رؤساء تحرير الصحف الحكومية الأخرى في مصر. فهو لم يكن شخصية صحافية فقط، بقدر ما كان يتمتع بنفوذ كبير إثر تقربه الشديد من مبارك نفسه، وفوزه بمنصب نقيب الصحافيين لثلاث مرات، وإدارته للنقابة بطريقة ذكية لم تصطدم بالحكومة.

رسول مبارك إلى الإرهابيين

مكرم محمد أحمد ظل طوال 10 سنوات يكتب خطابات مبارك دون أن يعرف أحد ذلك

شدة متانة العلاقة بين مكرم ومبارك، يقول عنها مصطفى الفقي، وهو سياسي بارز كان أحد أضلع نظام مبارك، إن مكرم ظل طوال 10 سنوات يكتب خطابات مبارك دون أن يعرف أحد بذلك، بحكم إيمان النظام الحاكم بخبرته الصحافية وقدرته على الكتابة بطريقة سلسة وبسيطة وحكيمة، وكان مبارك معجبًا به بشدة.

وكان أحد رُسل نظام مبارك للجماعة الإسلامية، وجرى تكليفه بأن يكون الوسيط بين النظام وقادة الجماعة، وذلك بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في ميدان باب اللوق بالقرب من التحرير وسط القاهرة، نفذها من أطلقوا على أنفسهم آنذاك “الناجون من النار”.

عندما تم القبض عليهم سُمح له بمقابلتهم، فأبلغوه بأنهم فعلوا ذلك به لأنهم اعتقدوا أنه ضدّ الإسلام، وهنا وجد نظام مبارك فيه فرصة لأن يقوم بمراجعات مع الجماعة الإسلامية بشكل عام، وبالفعل التقى قادة الجماعة في سجن العقرب أكثر من مرة، وكانت محاوراته أحد أسباب تخلّي تلك الجماعات عن العنف وتوبتهم، بل وأصبح صديقًا لبعضهم إلى اليوم ويذهبون إليه في منزله.

ما يميزه أنه صحافي صاحب مبدأ لا يتغير مهما كانت الضغوط والإملاءات والتهديدات حتى وإن كان ذلك سوف يتسبب له في ضرر كبير، فهو دائمًا يتمسك بما يؤمن به فقط ويكتبه في مقالاته ويذكره في حواراته غير عابئ بما قد يسببه ذلك من خسائر، ولهذا فإنه ظل لسنوات طويلة قدوة لأجيال من الصحافيين.

لذلك نجده حتى اليوم ثابتًا على موقفه من نظام مبارك، بالرغم من سقوطه ومحاكمة الرجل بتهمة الفساد المالي والسياسي وقتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير 2011، وعلى الرغم من تغيّر المرحلة وقواعد اللعبة السياسية، قال مكرم إن مبارك أهين بشدة، ويجب أن يردّ له اعتباره، ولا يصح أن يحاكم بهذه الصورة المهينة بعد سنوات من التضحية من أجل تحقيق استقرار البلد.

لأنه كان قريبًا منه بقوة ما زال يدافع عن مبارك في كل موقف يذكر فيه اسم الرئيس الأسبق، ويصف الثورة عليه بأنها كانت “خرابًا على مصر وقامت بها مجموعة من أتباع أميركا والدول المخرّبة”، نافيًا عنه تهمة الفساد، وهو يتهم الأميركان بأنهم هم من خططوا لإسقاطه، وقال “أنا شاهد على ذلك”.

الصحافي والسلطة

شيخ الصحافيين المصريين ينظر إلى علاقة الصحافي بالسلطة والحاكم على أنها علاقة مطلوبة في العمل، وأن الصحافي الذي يكرّس قلمه للكتابة لشخص واحد بغية استرضائه يفقد مصداقيته في الشارع. وبالتالي فإن المطلوب “الموازنة بين علاقتك بالحاكم الذي يريدك أن تكون بوقًا تروّج له ورغبتك في أن تكون لك مصداقية في الشارع”.

التوتر يغلب على علاقة مكرم بالسادات، رغم صداقة جمعتهما، غير أن التوتر سرعان ما عاد بينهما، إثر انفراد مكرم "الصحافي المكوكي" كما كان يطلق عليه، بنشر معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية على العالم كله، وكان في واشنطن وقتها ضمن بعثة تصادف وجودها مع وجود وفود المباحثات، فحصل على بيان المعاهدة ونشره، ما أغضب السادات

ولأنه اعتبر الإخوان إحدى أدوات سقوط نظام مبارك الذي يؤيده بتعصّب، فإنه عارضهم بقوة بعد وصولهم إلى حكم البلاد. وكان ينظر إلى محمد مرسي على أنه “شخصية فاشلة”، ما حوّله إلى عدوّ لهم أرادوا الانتقام منه بشراسة، لدرجة أن مرسي في أحد خطاباته سخر منه، وقال إنه “صحافي كبر في السن وبدأ يتحدث بما لا يدركه”، إلى أن أنقذه سقوط حكم الإخوان من مقصلة الإبعاد النهائي.

مكرم يعرف عنه أنه صحافي عصبي وينفعل بسرعة، ما يتسبّب في أن تخرج منه ألفاظ حادة لا تتناسب مع مهمته كشخصية تنويرية بحكم عمله كصحافي أو وظيفته الحالية كرئيس للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، رغم ذلك فهو الذي فرض غرامة مالية بقيمة 200 ألف جنيه (نحو عشرة آلاف دولار)على كل فضائية تذيع لفظًا نابيًا أو خارجًا عن الأعراف المجتمعية.

بين مكرم وهيكل

الصحافي العجوز اشتهر بعزّة النفس لدرجة أنه يكاد يصرخ في وجه أيّ أحد يحاول تجاهل دوره أو التقليل من تاريخه وإمكانياته، وكان مؤتمر الشباب بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي بحضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شاهد عيان على ذلك، بعدما صرخ في وجه الإعلامي أسامة كمال، الذي كان يدير الحوار، متصورًا أنه تجاهله، وقال له أمام الرئيس “أنت غير مهني لأنك تجاهلتني. تاريخي يحتّم عليك وعلى الجميع ألاّ يتمّ تجاهلي”.

ودائما ما يجده المصريون حاضرًا في أيّ مشهد أو مناسبة، يدلي برأيه ويفسّر ويتحدث عن كواليس وأسرار كثيرًا ما تكون مثيرة للجدل، وحتى إن اختفى لفترة فإنه يعود أقوى، حيث ما زال يكتب مقالاته بشكل دوري، متحدثًا ومحللا لكل شيء يمكن أن تتخيله ولا تتخيله، وهذه ليست مشكلة، إنما المشكلة أن يتصور أحد، أيّ أحد، أنه يعرف حقيقة كل شيء.

مثال ذلك، أنه في ذروة الغضب في الشارع على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وتنازل القاهرة عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، خرج مكرم وصرّح بأن الملك سلمان بن عبدالعزيز رفض أن يهبط بطائرته أثناء زيارته الأخيرة في مايو 2016 قبل أن تبدي مصر موافقة مسبقة على تسليم الجزيرتين ما ضاعف من غضب المعارضين للاتفاقية الذين فهموا من كلامه أن مصر سلمت الجزيرتين إرضاء لملك السعودية.

مكرم محمد أحمد لديه مهارة التحليل الاستراتيجي العميق لأيّ حدث يتناوله

وهناك من يفسر مواقفه بأنه يريد أن يكون “محمد حسنين هيكل الثاني”، وهناك من يراه كذلك بالفعل، فمثل ما كان هيكل يفعل، هو يفعل، ومثلما ظلّ هيكل داعمًا لنظام عبدالناصر حتى اللحظة الأخيرة، ظل مكرم هو الآخر داعمًا لنظام مبارك حتى الآن.

أوجه التشابه بين الصحافيين الكبيرين كثيرة، فإذا كان هيكل اتخذ من الكتابة والتحليل العميق وبُعد النظر والخبرة ومنطقية التفسير والتلويح بامتلاك المعلومات المهمة والخطيرة، طريقًا لممارسة العمل الصحافي، فإن مكرم فعل الأمر ذاته، لكن الفارق أن هيكل على المستوى الشخصي كان هادئًا ويفكر مرارًا قبل نطق الكلمات، أما هيكل الثاني فهو مشتعل دائمًا وعصبي ما يوقعه أحيانًا في حرج كبير.

مسيرة مكرم حفلت بتناقضات لافتة، فرغم أنه هو الذي يعيب على الصحافيين أن يفصحوا عن حبهم وشغفهم بالمسؤولين ويقول إن هذا لا يجب أن يؤثّر ذلك على كتاباتهم ومواقفهم ومهنيتهم، إلا أنه أول من كسر هذه القاعدة عندما وقف ضد رغبة الشارع المصري في التغيير لمجرّد أنه يحب مبارك ويرى فيه “الرئيس القدوة”.

الأستاذ مكرم، كما يدعوه تلاميذه دائمًا، يأخذ عليه البعض أنه تحوّل مع الوقت إلى مدافع باستماتة عن الحكومة، حيث اتهم المعارضين لاتفاقية تيران وصنافير بأنهم مأجورون، وأن الرئيس لا يجب عليه أن “يُدلّع” (أي يدلل) الشعب أكثر من ذلك، والأكثر من ذلك أنه دعا الرئيس إلى خفض سن الوزراء إلى 30 عامًا فقط، كي تكون هناك مساحة للشباب للمشاركة في التغيير والتطوير بينما وافق هو على أن يتولّى منصب مهمة إصلاح المشهد الإعلامي في هذه السن المتقدمة، وقال عن نفسه “نعم.. أنا الأحق بالمنصب رغم تقدّمي في العمر”.

مع ذلك، سوف يبقى واحدًا من القليلين الذين أثروا العمل الصحافي عبر تاريخه، وأضاؤوا الطريق لأجيال عديدة أتت بعده، كما أنه رغم كل ما يقال عن عصبيته وسرعة غضبه، إلا أنه علم لن تنساه أجيال الصحافيين المصريين.

13