مكر الالتباس بين الحقوقي والسياسي

الثلاثاء 2017/03/07
نشاط لم يبرح الشعارات

في العام 2000 وثَّقت منظمة العفو الدولية، في تقرير أصدرته في غزة، مقتل ما لا يقل عن 350 مدنيا، معظمهم إسرائيليون في أكثر من 128 هجوما شنته جماعات مسلحة وأفراد فلسطينيون وذلك منذ بداية انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000. وقالت في التقرير “نحث السلطة الفلسطينية على القبض على أولئك الذين يصدرون الأوامر أو يخططون أو ينفذون هجمات على المدنيين وتقديمهم إلى العدالة”. وعلل التقرير “أيا كانت القضية التي يقاتل الناس من أجلها فإنه لا يمكن أبدا أن يكون هناك مبرر… وفقا للقانون الدولي… لشن هجمات مباشرة على المدنيين”.

التقرير المشار إليه مثل صدمة للرأي العام العربي بأسره، إذ ساوى بين الضحية والجلاد، واعتبر أن القضية لا تبرر اللجوء إلى “العنف”. صحيح أن المنظمة أصدرت العشرات من التقارير ذات التي أشارت إلى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، لكن هذا التقرير ظل يمثل إدانة كاملة الأوصاف للمنظمة، ودَفعَ إلى البحث في سجلها وتقاريرها لفحص مصداقيتها وموضوعيتها التي شددت عليها في وثائقها وأدبياتها وقانونها الأساسي.

مدخل ضروري للإشارة إلى المنظمات الدولية الحقوقية، لم تكن دائما وفية لنفسها ولم تلتزم بثوابتها الحقوقية الإنسانية. منظمات حقوقية كثيرة في العالم، لطالما مثلت ملجأ سياسيا وحقوقيا لقضايا الشعوب التي رفعت من سقف انتظاراتها من هذه المنظمات، لكنها سقطت في اختبارات المبدأ والرسالة.

السقوط في الاختبار وخيانة النص، لا يتجليان فقط في ما أشرنا إليه في ما يتصل بالقضية الفلسطينية، بل يتوسعان إلى قضايا عديدة احتاج فيها العالم والشعوب المتضررة في هذه الناحية أو تلك، إلى صوت يقدم صورة منصفة ويرفع الغبن السياسي والحقوقي. فكانت تلك المنظمات، في بعض القضايا، شيطانا أخرس لأنها سكتت عن الحق أو تغاضت عنه أو حلقت في مدارات محكومة بمقتضيات الحساب السياسي والمالي أحيانا.

المؤاخذات التي تسجل على المنظمات الحقوقية هي أنها انتقائية في القضايا موضوع التدخل، إذ تتدخل في قضايا محددة، وتغض النظر عن قضايا أخرى

أبرز المؤاخذات التي تسجل على المنظمات الحقوقية الدولية هي أنها انتقائية في القضايا موضوع التدخل، إذ تتدخل في قضايا محددة، وتغض النظر عن قضايا أخرى، أو تصدر بيانات خجولة لا هدف منها سوى تسجيل الحضور. الانتقائية لدى هذه المنظمات تحولت لاحقا إلى ازدواجية معايير واضحة، أثارت سيلا من الانتقادات، حتى لدى من يناصرون ويتبنون النضال الحقوقي، إذ يستغرب تركيز المنظمة على منطقة بعينها دون أخرى، ويستهجن تسليط الأضواء الكاشفة على الخروقات الحقوقية في بعض الأقطار العربية، حتى وإن كانت الخروقات صحيحة، بالتزامن مع صمت تجاه قضايا أخرى أشدّ وطأة وأكثر إلحاحا.

الأمثلة في هذا الصدد كثيرة، صمت آمنستي مثلا عن المذابح والانتهاكات التي تتعرض لها مكونات عراقية عديدة منذ سنوات. مثلما ظلت المظالم التي يتعرض لها المدنيون في اليمن على يد جماعة الحوثيين خارج أضواء المنظمة، فضلا عن الصمت المريب عما تعرضت له الشعوب غير الإيرانية (عرب الأحواز أو الأكراد في إيران) من تنكيل وحالات إعدام فردية وجماعية على يدي قوات النظام الإيراني.

الدور الذي تتخلى منظمة العفو الدولية عن القيام به، تتقدم لتسديده منظمات حقوقية محلية بلا إمكانيات ولا صيت ولا نفوذ، وفي هذا الصدد لم يسمع العالم باغتيال جهاز المخابرات الإيرانية، لرجل الدين السني في إقليم بلوشستان، عبدالعزيز يعقوب الكردي، إلا عبر منظمات عربية وأحوازية، أو من خلال إدانة المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة للاغتيال.

المأخذ الأكبر، الذي يحظى بإجماع عربي، هو صمت العفو الدولية وهيومن رايتس واتش، عما حصل في العراق، أثناء الحصار الدولي وما بعده، وما رافق ذلك من موت الأطفال بالآلاف. إدانة لن تسحب من سجل سقطات المنظمات.

الانتقائية وازدواجية المعايير لدى المنظمات الحقوقية الدولية سمحت للانتقادات الكثيرة الموجهة لها، بأن تذهب في النقد إلى حد القول بأن هذه المنظمات هي منصات وأدوات دولية جبارة لخدمة أجندات دولية واضحة، تغير تكتيكاتها، (أي هذه الأجندات) ورهاناتها، لذلك يتغير تركيز هذه المنظمات على القضايا حسب متطلبات هذه الأجندات. قول لا يخلو من وجاهة، ويعزز أيضا قراءات أخرى ذهبت إلى مدى أبعد في النقد بالقول إن المنظمات الحقوقية الدولية أصبحت أداة ماكرة من أدوات القوى الكبرى للتدخل في القضايا الداخلية لدول محددة.

12