مكسيم خليل: نصنع الأحلام لتغيير وجه الدراما العربية

"صانع الأحلام" نوع من الخيال العلمي، خليط بين الغموض والتشويق والإثارة والرومانسية، وجد فيه الممثل السوري مكسيم خليل طريقة علمية لصناعة أحلام البشر.
السبت 2019/06/01
فنان سوري يتألق على شاشة أبوظبي في عمل استثنائي

يصنع نجاحاته بطريقة مختلفة غير مبنية على الصدفة. يختار ما يقدمه لجمهوره العربي الممتد من المحيط إلى الخليج بتأن شديد ودقة عالية مليئة بالحرص على تاريخه الدرامي المميز، مكسيم خليل الممثل السوري الذي دخل منذ سنوات دراما المحروسة “مصر” ولم يخرج منها حتى الآن، مختارا عدم إغلاق الباب المصري على نفسه، فبقي يقدم أدوارا في الدراما السورية والعربية المشتركة  والتي تسمى اليوم “بان آراب” التي كان هو بطلا من أبطال استحداثها في وطننا العربي. 

جمهور بذائقة جديدة

لا شروط محددة لدى خليل لانتقاء أدواره، فهو يبحث عن مقومات العمل جميعها من إنتاج وإخراج وممثلين، ويتأكد من جميع الظروف المناسبة التي تساهم في إظهاره في شكل جيد للجمهور، وبالتالي تدفعه خطوة إلى الأمام.ولم يره المشاهدون  ومنذ بدايته المهنية مشاركا في مسلسل فاشل أو دون المستوى الفني.

في الموسم الرمضاني الحالي يقدم لنا خليل دراما شيقة هي الأولى من نوعها عربيا، غريبة بالتأكيد على جمهور اعتاد على القصص المستهلكة نوعا ما، ولا يتوقع أي جديد من الشاشات العربية ككل. المسلسل بعنوان “صانع الأحلام” يمكن القول إنه من نوع الخيال العلمي، خليط بين الغموض والتشويق والإثارة والرومانسية. ببساطة وجد خليل في المسلسل طريقة علمية لصناعة أحلام البشر ومن هنا تتفرع خيوط الحكاية، هذه الفكرة الجريئة جدا على مجتمع مقيد بقيود كثيرة منها الديني والاجتماعي، هي جديدة على المتلقي العربي كما يقول لـ“العرب”، ولكن التجديد أصبح أمرا لا بد منه، خصوصا وأن المشاهد أصبح يتذوق مثل هذه الأعمال الدرامية على المنصات العالمية مثل “نتفليكس” و”أمازون”.

“صانع الأحلام” باعتقاد خليل لديه من مقومات المسلسل الناجح، ولكن ما ينقصه هو ذائقة الجمهور العربي ومدى تركيزه في المشاهدة، كل حلقة هي عبارة عن فيلم، ولهذا يتطلب من متابع العمل التركيز وكأنه ذاهب لحضور فيلم في السينما، عليه الإنصات والابتعاد عن كل ما يلهي مشاهدته للمسلسل، وهذا ليس موجودا في شهر رمضان المبارك، شهر اجتماع العائلة والأقارب والأصدقاء، ولكن هناك الكثير من محبي المسلسل استطاعوا تحقيق هذه المعادلة الصعبة.

على شاشة أبوظبي

يجسد خليل شخصية سامي عمران التي تسمى في عالم الفن “دور مركب”، تجمع بين الواقع والخيال، بين الجدية والجنون، تراه مصابا بمرض نفسي لكنه فائق الذكاء بكل تصرفاته، كثيرا ما يغرق في تخيلات تبعده عن الواقع، وبالوقت ذاته يجد من حوله ابتكاره بصنع الأحلام هدفا ثمينا لسرقته. والمسلسل من تأليف بشار عباس عن رواية “قصة حلم” لهاني نقشبندي وإخراج محمد عبدالعزيز.

استطاع الكاتب والمخرج تقديم حبكة رئيسية جاذبة مع عدة حبكات فرعية، تشد المشاهد في كل حلقة بعيدا عن الملل والأحداث البطيئة التي تتسم بها غالبية أعمال الدراما العربية، واعتمد عباس في بناء السيناريو والحوار على عدة محطات مشوقة مع إعطاء المشاهد معلومات في إطار مثير عن الشخصية الرئيسية التي تدور حولها أحداث المسلسل، ومن ثم الشخصيات الأخرى المؤثرة.

هذا التجديد والفانتازيا التي تحملها شخصية “سامي عمران” استفزا خليل بشدة حسب قوله لـ“العرب”، ووجدها فرصة جيدة لتلبية أذواق عربية خاصة، وخصوصا الشباب العربي الذي تستهويه مثل هذه الأعمال المبنية على الخيال العلمي، ولا ينسى خليل الفرق الإنتاجي بين الغرب الذين يصنعون مسلسلا محدودا حلقاته قليلة العدد، وبين صناع مسلسله المضطرين أن تمتد حلقاته على طول الشهر، لكنه بالرغم من ذلك هو سعيد بالتجربة الفنية المختلفة، وبأنه قدم دورا جديدا عليه كليا فيه من الصعوبة ما يكفيه ليستمتع متحديا نفسه لإخراج طاقاته الفنية التي نراها نحن المشاهدين متجددة في كل عمل يقدمه لنا مكسيم. 

كثير من النقاد العرب أشادوا بمسلسل “صانع الأحلام” الذي يعرض حاليا على شاشة “أبوظبي”، ومنهم الكاتب السوري شادي كيوان الذي كتب قائلا “منذ الحلقة الأولى يبدو واضحا أنك أمام كاتب ومخرج يتقنان بحرفية عالية ما يقومان به، لا يوجد مشهد مجاني في العمل، بل وأستطيع القول لا يوجد مشهد عادي، فكل مشهد جاءَ في مكانه ليدفع بخط القصة إلى الأمام”.

نور ومهند

[ مكسيم خليل لا شروط محددة لديه لانتقاء أدواره، فهو يبحث عن مقومات العمل جميعها من إنتاج وإخراج وممثلين، ويتأكد من جميع الظروف المناسبة التي تساهم في إظهاره في شكل جيد للجمهور.
مكسيم خليل لا شروط محددة لديه لانتقاء أدواره، فهو يبحث عن مقومات العمل جميعها من إنتاج وإخراج وممثلين، ويتأكد من جميع الظروف المناسبة التي تساهم في إظهاره في شكل جيد للجمهور

في شبابه كان خليل متعدد المواهب يتجول بين الفن والرياضة، لياقته البدنية سمحت له بالاحتراف في لعبة كرة السلة. أنهى دراسته في رقص الباليه عام 1999 بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وقدم العديد من الأعمال الراقصة كان آخرها “كسارة البندق” لتشايكوفسكي. أما انطلاقته في عالم التمثيل فكانت من بوابة عمله كمساعد مخرج لمدة سنتين، وفي تلك المرحلة كان يقوم بأداء أدوار صغيرة تُسند إليه في نفس العمل مثل “الشوكة السوداء”، “البحر أيوب” و”الفوارس“، إلى أن تأكد من موهبته التمثيلية وتفرغ لها تماما منذ العام 2000، ومنذ ذلك الوقت قدم العديد من الأعمال المهمة منها التاريخي مثل “صقر قريش”، “ربيع قرطبة” و“طارق بن زياد“ وغيرها من المسلسلات التي حققت مشاهدة عالية وقدمته للجمهور العربي كونها ناطقة باللغة العربية الفصحى.

برع خليل في المسلسلات الاجتماعية كثيرا، وشارك في الكثير من الأعمال مع مخرجين مهمين مثل حاتم علي الذي كان يختاره في جميع مسلسلاته، مثل “عصي الدمع” و”التغريبة الفلسطينية“، كما ذهب إلى الكوميديا في عدة أدوار مختلفة أسندت إليه من سلسلتي “مرايا” و”بقعة ضوء”.

تلقى الفنان الشاب الذي كان يصعد بهدوء عرضا بدبلجة مسلسل “نور“ التركي الشهير إلى اللهجة السورية، فأدى صوت البطل كيفانج تايلونج بدور “مهند”، وحقق العمل نجاحا كبيرا وشكل انطلاقة للاعمال التركية في البلاد العربية، محطما الحاجز المعروف بملل الجمهور من الدراما الطويلة. ومع هذا النجاح بدأ الجمهور يبحث عن النجم صاحب صوت البطل، وهو ما منح خليل شهرة إضافية، لكنه لم يعد الكرة وقرر الذهاب لأدوار بعيدة عن التعبير بالصوت فقط.

 خليل الطموح الذي يبحث عن كل جديد ولا يتوقف عند حد معين من النجاح، كان محبا لخوض المغامرات الفنية، ومنها تجربة “بان آراب”، مع المنتج الراحل أديب خير صاحب التجديد في الدراما. فشارك خليل ببطولة مسلسل طويل بعنوان “روبي” مع النجمة اللبنانية سيرين عبدالنور والفنان المصري أمير كرارة، وإخراج المبدع رامي حنا، وأجاد تقديمه لدوره، حتى أنه نال عنه جائزة الموريكس دور كأفضل ممثل عربي.

اتجه خليل بعد ذلك نحو مصر، مقدما بطولة في أحد أكثر الأعمال التلفزيونية مشاهدة خلال السنوات الماضية، وهو “الشك” مع النجمة مي عزالدين، وجاء أداؤه وإتقانه للهجة مثيرا لإعجاب الكثير من النقاد المصريين، ما جعل خليل ضمن نجوم الصف الأول في مصر.

مسلسل عالمي في رمضان

[ الفانتازيا التي تحملها شخصية “سامي عمران” استفزت خليل بشدة كما يقول لـ“العرب”، ووجدها فرصة جيدة لتلبية أذواق عربية خاصة، وخصوصا الشباب العربي الذي تستهويه مثل هذه الأعمال المبنية على الخيال العلمي.
الفانتازيا التي تحملها شخصية "سامي عمران" استفزت خليل بشدة كما يقول لـ“العرب”، ووجدها فرصة جيدة لتلبية أذواق عربية خاصة، وخصوصا الشباب العربي الذي تستهويه مثل هذه الأعمال المبنية على الخيال العلمي

في الوقت الذي يعرض فيه “صانع الأحلام” في رمضان الجاري، ابتدأ بث حلقات مسلسله الفرنسي الألماني “إيدين” الذي تم تصويره منذ فترة، والذي يعد أول أعمال خليل العالمية، وهو من إخراج دومينيك مول، وبطولة خليل وزوجته الممثلة سوسن أرشيد وغيرهما من الممثلين العرب والأجانب.

يتحدث المسلسل عن أوضاع اللاجئين في العالم، لا أوضاع السوريين وحدهم، ويسلط الضوء على الثمن الذي دفعه هؤلاء حتى وصلوا إلى أوروبا، كما يسعى إلى محاكمة أشخاص متنفّذين، وعملوا على تغيير ملامح المجتمع، ويقدم مكسيم دور طبيب يساعد اللاجئين.

قبل السباق الرمضاني قدم خليل مسلسلين مختلفين، الأول مسلسل سوري عنوانه “كوما” وشكل تحديا بالنسبة له، حيث قام بدور توأمين هما “آدم” و”آرام”، مختلفين كليا وجزئيا في الطباع والتفاصيل والخطوط الدرامية والآراء وطريقة التفكير والتصرفات وردود الفعل، وهما يقدمان رسالتين أن ليس هناك خيرا مطلقا أو شرا مطلقا.

يرمز اسم “كوما” إلى وضع اجتماعي وإنساني يعيشه المواطن السوري، والمسلسل تعرض للتهميش من الصحافة السورية بسبب اسم مكسيم خليل الموجود بأول قائمة الممثلين، وهناك

صحافيون فضلوا عدم إشهار إعجابهم به علنا، بسبب موقف خليل السياسي لما يجري في سوريا، لكن المسلسل بشكل عام حقق مشاهدة جيدة، ومن المنتظر عرضه مجددا على قنوات عربية قريبا.

المسلسل الثاني الذي عُرض لخليل قبل رمضان كان مصريا بامتياز، بعنوان “ليلة” مع الفنانة رانيا يوسف، وتعرض العمل لبعض النقد، واتهم بالبطء وكثرة عدد الحلقات حيث امتد حتى 45 حلقة. قصة المسلسل تدور حول معاناة بعض الشخصيات من ظروف لاإرادية، أما دور خليل فكان دور ممثل مغمور، ما سمح له في بعض الأحيان بتقمص شخصيته الحقيقية في أداء بعض المشاهد كممثل وليس بشخصيته في العمل، حيث كان مطلوبا منه تجسيد بعض المشاهد التمثيلية لممثل يحاول إثبات نفسه، حسب قوله.

خليل عمل مع مخرجين كثر سوريين وعرب أيضا، وهو لا يفضل فكرة الارتباط دائما بمخرج معين، لأنه يسعى للتنوع حسب قوله بين رؤى مختلفة في الإخراج، وهو في الوقت ذاته لا ينتقص من الممثل المرتبط دوما بمخرج ما، لكنه متأكد حسب خبرته الطويلة بالتعامل مع مبدعين كثر في الإخراج، أن المخرج المتمكن باستطاعته إظهار شيء جديد لدى الممثل. 

منبر مكسيم الحر

 رمضان الجاري يشهد عرض مسلسل مكسيم خليل الفرنسي الألماني "إيدين" الذي يعد أول أعماله العالمية، وهو من إخراج دومينيك مول، وبطولة خليل وزوجته الممثلة سوسن أرشيد وغيرهما من الممثلين العرب والأجانب
 رمضان الجاري يشهد عرض مسلسل مكسيم خليل الفرنسي الألماني "إيدين" الذي يعد أول أعماله العالمية

لأنه من الأشخاص الوسطيين في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، فإن لديه عددا كبيرا من المتابعين وخصوصا على “الإنستغرام”، وصفحته الشخصية على “الفيسبوك” يعدها منبرا لآرائه ومواقفه من القضايا الحياتية وأهمها الإنسانية، دائما نراه يتضامن مع أي فاجعة إنسانية في وطنه سوريا، كما أن صورته الشخصية على “الفيسبوك” التي لم يغيرها منذ عام 2015 تحمل رسالة إنسانية ووطنية هامة، حيث ارتدى فيها خليل كنزة سوداء كتب عليها باللون الأحمر “أوقفوا القتل في سوريا”، مع تعبير وجه حزين صادق محب لبلده وأبنائه.

كثيرا ما يكون خليل جريئا في كتاباته ويحدث زوبعة في الصحافة، حتى أنه لا يفوت فرصة إلا ويصدح بصوته مستغلا أي منبر مهما كانت أهميته الفنية للجانب الوطني “الحقيقي” وليس الشخصي، وهنا نعود بالذاكرة إلى حادثة فارقة في حياة خليل وأيضا السوريين عندما فاز بجائزة “الموريكس دور” التي تعد الأولى عربيا، كأفضل ممثل عربي عام 2013، حيث أهداها للمعتقلين في السجون السورية، وذكر بالتحديد أسماء فنية منها من خرج والآخر مازال معتقلا ولا توجد أي معلومات عنه. هذا الموقف الجريء والواضح قد يكون حرمه من جوائز لاحقة كان يستحقها، حيث كان مفاجئا للكثير من الأشخاص ومنهم الحضور في الصالة من الفنانين الذين يفضل الكثير منهم التمثيل على الناس لا تمثيلهم.

12