"ملء الفراغ" أفكار وتأملات ثقافية في الذات البشرية

الجمعة 2016/11/04
ميرفت العريمي تبحث في سعادة الإنسان

مسقط - «التحديات التي تواجهنا عبارة عن فراغات لم تُملأ بالإجابات الصحيحة أو المناسبة، وقد نعاني جرّاءها» بهذه السطور تلخّص الباحثة العمانية ميرفت العريمي الرسالة التي تريد إيصالها في كتابها “ملء الفراغ” الصادر عن “دار دجلة” الأردنيّة، على امتداد 184 صفحة من القطع الكبير، وقد تضمّن حوالي خمسين مقالا، في التنمية البشريّة، والفكر، والحياة، وقد أولت التجربة الشخصيّة جانبا مهمّا.

وقد جاء العنوان الثانوي “أفكار ورؤى وتأمّلات في الحياة” ليلقي ضوءا كاشفا على موضوعات الكتاب فـ”الإنسان خلق ليفكر ويبدع، وينجح، ويتغلب على الصعاب، لو توقّف برهة، وحاول أن يفكر قبل أن يملأ الفراغ” كما تقول.

انقسم الكتاب إلى أبواب، وقد أدرجت عددا من المقالات بعنوان رئيس، وهذه الأبواب هي: الوجداني، والفكري، والكوني، والاستراتيجي، والثقافي.

في الباب الأوّل “الوجداني” ترى أنّ الإنسان كتلة من المشاعر والأحاسيس تمثل الدافع الأساسي إلى العطاء، والواصل إلى أسمى درجات الإنسانية يحتاج إلى أن يسمو بروحه حتى يسمو بفكره، ويؤدّي الرسالة بعزيمة ومثابرة. وبذلك يلامس هذا الباب المناطق الفارغة من الوجدان الإنساني، وكيف يمكن أن تؤثر في حياتنا وعطائنا… فكلّ منّا يحتاج إلى باقة متنوعة من القيم الأخلاقية السامية، ولعل العطاء من أسمى القيم الكونية، لأن كافة مخلوقات الكون معطاءة، وأخذها يكون من أجل عطاء أجود.

وفي باب “الفكري” ترى الكاتبة أنّ عقل الإنسان أشبه بالإناء الكبير الذي يمكن أن نملأه بما لذّ وطاب من الأفكار الخيرة النافعة، أو العكس وكل ما تقوم به من سلوك ناتج عن المحتوى الفكري للإناء، فالإنسان مشروع يحتاج إلى ثلاثة عناصر، الأول: لبناء نفسه، والثاني للتعامل مع غيره، والثالث ليحافظ على منجزاته، وتقع الأفكار في الثانية بحسب الكاتبة، لأنّها تساعدنا على فهم من حولنا، والتعاطي مع مختلف التحديات.

وفي باب “الكوني” ترى العريمي أنّ المتأمل للكون، ونواميسه يتوصل إلى حقيقة واحدة، هي أن كل ما في الكون له غاية، وهدف من وجوده، وكلّ ما فيه يعمل وفق نظام دقيق ومتوازن، إذا اختلّ فقد كلّ ما فيه توازنه حتى الإنسان.

وفي باب “استراتيجي” ترى الكاتبة أنّ العلماء في كافة الأزمنة اتفقوا على أن للنجاح عوامل عملية وللتفوق مبادئ علمية، تجتمع في بنية استراتيجية واحدة تحتوي على الآلاف من التفاصيل الصغيرة يحكمها عنصران: الزمن والقرار المناسبان.

وخصصت الكاتبة الباب الخامس للشأن الثقافي، لتعبر في هذا الباب بالقارئ إلى بعض من المحطات الثقافية، فالإنسان يكتسب عادات، وسلوكيات ومفاهيم نتيجة الاحتكاك بالمجتمع، بعضها صحيحة وأخرى غير ملائمة، وهي حصيلة ثقافة مجتمعية وتراكم خبرات الأهل والأصدقاء ينقلونها إلينا. بعض منا يقبل تلك الخبرات قبل أن يكتسبها والبعض يمارسها وهو معصوب العينين فيقع في الفراغ الثقافي، وهذا الأخير ينمو ويتسع، وذلك عندما نضع العادة أو السلوك في مكانه غير المناسب.

وتفاعلا مع القرّاء تركت لهم الكاتبة مساحة فارغة في الجزء الأخير لإكماله، يعبّرون فيها عن تجاربهم بملء الفراغات من خلال الفكر والوجدان والثقافة، ويضع الحلول لذاته وحوله، فبعنوان “أكمل الموضوع” تقول العريمي “في كل خطوة نخطوها في حياتنا تظهر المزيد والمزيد من الفراغات في كل يوم وفي أيّ لحظة ونستمر في البحث عن الإجابات المناسبة والقرارات الصائبة.

قد نخطئ أحيانا في اختيار الكلمات المناسبة أو في اتخاذ القرارات الصحيحة إلا أننا في كلا الموقفين اكتسبنا خبرة جديدة من خلال محاولتنا البحث عن حلول أخرى تتلاءم مع حجم الفراغ، وسوف تستمرّ الحياة، وتظل المحاولات تتابع ما دمنا على وجه هذه البسيطة”.

وقد راعت الكاتبة طرح الأفكار بأسلوب سهل، مستخدمة عبارات رشيقة، ولغة تلامس وجدان القارئ المتبحّر في عالم المعرفة والإنسان العادي على السواء، لإيصال أفكارها ورؤاها إلى أبعد مدى يمكن أن تصل إليه.

15