"ملائكة سوريا" أحلام صبيانية وئدت قبل أن تبدأ

الأربعاء 2014/11/19
مساحة اللوحة 451 مترا مربعا

إسطنبول - لم يترك السوريون بكافة انتماءاتهم وخلفياتهم الثقافية والفكرية طريقة لإيصال صوتهم إلى المجتمع الدولي، لكن الأصوات بحت والمجتمع الدولي يبدو أنه أصيب بالصمم أو تظاهر به على مدى ثلاث سنوات ونصف.

في سبيل المراهنة على أن المجتمع الدولي الذي فقد البصيرة مازالت عيونه فيها بعض من البصر، تأتي لوحة “ملائكة سوريا” بعد ومع كل الفنون التي جسدت واقع الإنسان السوري في القتل والتهجير والاعتقال، تأتي كأكبر لوحة من نوعها في العالم.

وبالرغم من أن مجموعة “غنيس” للأرقام القياسية ردت على تواصل القائمين على هذا المشروع بأن ليس لديها مجالا يتضمن هذا النوع من العمل، لم يكن همّ الفنانين السوريين الأربعة الذين أنجزوا هذه اللوحة دخول موسوعة “غنيس” بقدر ما كان همّهم التوثيق الفني لأسماء اثني عشر ألفا وأربعمئة وتسعين طفلا سوريا قتلتهم الحرب الدائرة في سوريا.

لتقول هذه اللوحة أن تلك الأسماء ليست مجرّد أسماء، بل هي اثنا عشر ألفا وأربعمئة وتسعون حكاية وضحكة وحياة ومستقبل وعائلة، اثنا عشر ألفا وأربعمئة وتسعون حلما وُئد قبل أن يبدأ.

لوحة “ملائكة سوريا” فكرة الرسام حسام السعدي، تنفيذ السعدي وحسام علوم بمساعدة الفنان عبدالجليل الشققي والخطاط أحمد الضللي، مساحتها 451 مترا مربعا، تكلفتها بحسب القائمين عليها أربعون ألف دولار أميركي، أتت من الكتلة الديمقراطية في الائتلاف السوري، وبمساهمة من رئيس الائتلاف السابق أحمد الجربا.

كان من المتوقع أن تحتاج إلى ثلاثة أشهر حتى يتمّ إنجازها، لكن العمل تمّ فقط خلال أربعين يوما، لأن الفنانين السوريين الأربعة والموجودين في مدينة إسطنبول عملوا كفريق ووصلوا الليل بالنهار لإنجاز هذا العمل، منطلقين من إحساسهم بالمسؤولية، ومن مبدإ أن لكل إنسان له طريقة تعبير الخاصة، يوصل بها نداء لوقف القتل في سوريا الذي يحصد يوميا عشرات، وربما مئات الأرواح التي لا ذنب لها إلاّ أنها أرواح سورية، حكمها نظام قاتل قرابة الخمسين عاما، ولن يتوانى عن زهق المزيد والمزيد من الأرواح من أجل أن يبقى على كرسيه اللعين.

الزمن السوري من دم وفيه يبحث الطفل عن الأمان بين ألغام الأرض هربا من براميل السماء

عبارة “أنقذوا أطفال سوريا” باللغة الأنكليزية تتصدر اللوحة التي أصبحت جاهزة، في الوقت الذي حصّل فريق عملها الموافقة على عرضها في العشرين من الشهر الجاري بمناسبة يوم الطفل العالمي، على حائط مبنى الأمم المتحدة في مدينة بروكسل العاصمة البلجيكية، والتي تعد العاصمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي.

وهي عبارة عن طفلة سورية في يدها ساعة حمراء اللون للدلالة على أن الزمن في سوريا من دم، وللطفلة أجنحة مقيدة بقفل رُسمت عليه خريطة العالم، دُوّنت على ملامحها المجنحة الممنوعة من الطيران أسماء شهداء سوريا الموثقين لغاية الخامس أكتوبر 2014.

ولكن للأسف فإن في اللوحة مساحات بيضاء خصصت لتتسع لأسماء أخرى، في رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن استمرار صمتكم سوف يؤدّي إلى المزيد من القتل السوري، وعلى وجه الخصوص الأطفال الذين هم الحلقة الأضعف في هذه الحرب.

عبر لوحة “ملائكة سوريا” تحدّث الفنانون عن الأطفال السوريين الشهداء، ولكن من وكيف ومتى سنتحدّث عن حوالي مئتي ألف طفل معاق، ومئات آلاف الأطفال الأيتام، وملايين الأطفال الذين خسروا مستقبلهم بترك الدراسة والنزول إلى سوق العمل بكل ما فيه من خطورة جسدية ونفسية على أطفال بعمر الورود، ناهيك عن العلل النفسية التي تركتها الأحداث في تكوينهم.

الأطفال الذين أطلقت عليهم منظمة “اليونيسكو” تسمية “الجيل الضائع”، نعم أطفال سوريا هم جيل القرن الواحد والعشرين الضائع في المكان الفاقد لكل براءة، الباحث عن الأمان بين ألغام الأرض هربا من براميل السماء.

16