ملابس الإمبراطور الجديدة.. صرخة في وجه عري الفن المعاصر

الفن المعاصر بخدعه الجديدة، بات الكثير منه لغوا في الفراغ وتيها في اللامعنى واستهزاءً أو خدرا أمام الشقاء البشري.
الجمعة 2019/04/19
القلب يرى ما لا تراه العين، ولو خداعا

نشر خبر منذ بضع سنوات عن فنانة اسمها لانا نيوستروم تبلغ 27 عاما، قال عنها مدير أعمالها أنها “قد تكون أعظم فنانة معاصرة على قيد الحياة”، ويسرد الخبر أن الفنانة أقامت معرضا في مدينة نيويورك في غاليري “شولبيرغ” عرضت فيه مجموعة أعمال فنية معاصرة لا تجسّد أي شيء، أي أنها لوحات ذات إطارات بارزة لا تؤطر إلاّ الفراغ.

وقد وضعت الفنانة الأعمال “غير المرئية” بأسعار باهظة جدا لا تقلّ عن المليون دولار، واستطرد الخبر في وصفه لأثر تلك الأعمال الفنية المعاصرة على زوّار المعرض من محبّي الفن المعاصر، بقوله إن الأثر نال الكثير من الإعجاب والتقدير، وقد اقتنى بعض الزوّار أربع لوحات لها لا تقل عن مليون دولار.

وبرر مدير أعمالها سعر هذه اللوحات، أنها تستحق هذه المبالغ الطائلة فقط إن تمعّن الزائر المستنير فيها، فهي تعتمد على خيال وثقافة المُتلقي في تفسيرها و”تشكيلها” وإرساء المعنى الذي يراه فيها.

كما نصح مدير أعمالها بالاستماع إلى ما تقوله الفنانة عن أعمالها بانتباه، لاسيما عندما تصف ما ليس موجودا أمام الزائر.

وبدورها علّقت الفنانة الشابة عن هذه الأعمال أنها “ليس لأنك لا ترى شيئا في الأعمال، لا يعني ذلك البتة أنني لم أمض ساعات طويلة على تحقيقها، كما لا يعني ذلك أنه لا يوجد شيء لمشاهدته، بل على العكس.. إنها أعمال محفزة للخيال وللتأويل، تتطلب هذه اللوحات مشاركة فعلية من المشاهدين، مشاركة لا يمكن تصوّر نجاح أي عمل معاصر من دونها”.

ربما لأجل نجاح هكذا أعمال يجب المراهنة على وجود مشاهدين مشبعين بروح شعرية فائقة، وربما تصل إلى حد الهذيان “يتوقدون” أمامها مجسّدين باللحم الحي ما قاله يوما الكاتب الأميركي المعاصر ش. جاكسون براون بأن “القلب يرى ما لا تراه العين”، ممّا يعني بشكل خاص أن العين تؤمن بما تراه، أما المشاعر والرؤيا فتتخطى ذلك لترى ما ليس موجودا بشكل واقعي بل متخفيا خلف المظاهر أو حتى انعدامها.

وقد تتطلب هذه الأعمال جمهورا غير مهتم بشؤون الفن، ولكن كثير الاهتمام بأن يظهر أمام الآخرين كرائد حداثي ومنفتح في تلقي الأعمال الفنية “الثورية” التي يرفضها الكثيرون.

وقد شهد، ولا يزال، قسم من العالم الذي نعيش فيه وينعم بوفرة مالية تأثرا بهكذا أعمال حتى شرائها ومهما بلغ، سرا، عدم اقتناعه بها، إضافة إلى ذلك فإن كل الذين يعرفون دقائق حركة الأسواق الفنية العالمية، يعلمون جديا أن ثمة أشخاص “تُنتخب” من قبل غاليريات أو معارض دولية لتكون مهمتهم في الإعلام دفع الأموال الطائلة افتراضيا لاقتناء هكذا أعمال “ثورية”.

لا، بل أن بعض هذه الصالات الفنية العالمية تنظم مزادات علنية يتم فيها نشر الهذيان المُتصاعد أمام الرغبة في اقتناء أعمال ليست بفنية ولا تنتمي إلى عالم الفن لا من قريب ولا من بعيد، بل إلى عالم فهم نهب بعض الأغنياء من ثرواتهم.

في العودة، إلى الأعمال “غير المرئية” فنيا وحسيا على السواء، تبيّن بعد أكثر من شهر أن خبر بيع بعض أعمال الفنانة لانا نيوستروم، هو خدعة مُركبة صنعتها إحدى المحطات التلفزيونية التي أشفعت الخبر بصور تظهر ناسا يتجولون ويحدقون باللوحات الفارغة، ويختلف هذا النوع من الخدع عن الكذب كونها مُفبركة لسبب ما وغالبا ما تقف وراءها سخرية كبيرة.

لوحة ذات إطار بارز لا يؤطر إلا الفراغ
لوحة ذات إطار بارز لا يؤطر إلا الفراغ

هل كان الدافع هو الاستهزاء بالكثير ممّا يقدمه عالم الفن المعاصر؟ أذكر، من ناحيتي، أنني شاهدت في إحدى صالات العرض اللبنانية التي تقدم ذاتها أنها رائدة، قماشة بيضاء تتوسطها حفرة صغيرة جدا، إلى جانب العمل كتب صاحب العمل الفذ، وهو فنان لبناني، “من وحي فكر دريدا”.

ربما يذهب هذا الخبر المفبرك إلى غير ذلك، وليس “شريرا” إلى هذا الحد، بل يعكس عصره على أكمل وجه، فنحن نعيش في عالم يغرق في الأكاذيب إلى حد باتت فيه الحقيقة أمرا لا قيمة فعلية له، كما يعيش معظمنا في حالة بحث عن أي معنى في كل ما نعيشه ونراه، ونادرا ما نأخذ ما يحدث معنا بالبساطة التي اعتادها من جاؤوا قبلنا في زمن جرى على تسميته بزمن “موت الحقيقة”.

أما الفن المعاصر فالكثير منه هو لغو في الفراغ وتيه في اللامعنى واستهزاء أو خدر أمام الشقاء البشري.

إن كان خبر اللوحات غير المرئية مزحة معاصرة، فالفنانة موجودة ونابضة بالحياة وربما تشبه “بنبضها” هذا ما قرأناه ونحن صغار، في رواية “ملابس الإمبراطور الجديدة” للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، حيث ادعى خياطون أمام إمبراطور غبي بأنهم الأمهر لاستطاعتهم خياطة ثياب سحرية لا يراها الحمقى والأغبياء، فأخرجوا الإمبراطور عاريا/ لابسا هندامه المزعوم وسط حاشيته ورعيته، أمام دهشة الجميع الذين أخفوا صدمتهم خوفا من الإمبراطور من ناحية، وخشية من اعتبارهم حمقى من ناحية ثانية.

في الرواية استمر الإمبراطور يسير مختالا بين الناس حتى تجرّأ أحد الصبية على الصراخ بأن الإمبراطور عار، فهل من صارخ في وجه عري الفن عندما يكون في تمام معاصرته؟

أعمال محفزة للخيال وللتأويل.. ربما؟
أعمال محفزة للخيال وللتأويل.. ربما؟

 

17