ملابس اللصوص نشرت على دار الجماهير للصحافة

الاثنين 2017/05/15

مررت سريعا على مبنى أهم دار للصحافة في العراق “دار الجماهير للصحافة “، هذه المؤسسة التي تقابل الأهرام في مصر، وإذا بي أراها قد تحولت إلى سكن عشوائي لناس اقتحموها لحظة سقوط بغداد، ونهبوا ممتلكاتها وأرشيفها ومطابعها وأوراق كتّابها وصورهم ومقالاتهم وأخبارهم، كل شيء تحول إلى أثر بعد عين لتطوى صفحة ثلاثة عقود من أكبر مدرسة عراقية للصحافيين.

أنفقت أجيال من الكتاب يعّدون بالمئات أعمارهم فيها، وأفنوا زهرة شبابهم بين أروقتها، وتعلموا وعّلموا، وكتبوا ونشروا وأحبوا وتزوجوا منها، واستضافوا طيفا لا يعد ولا يحصى من المثقفين والكتاب والأدباء والشعراء من الجواهري حتى عبدالرزاق الربيعي، ومن البياتي حتى عبدالمطلب محمود ومن حسن العلوي وناجي الحديثي ومحمد درويش ومحمد شاكر السبع حتى إياد البكري وكرم نعمة وندى شوكت ومن فرات الجواهري وسامي مهدي وحاتم حسن وأمل الشرقي وابتسام عبدالله وسعد البزاز وعباس الجنابي إلى آخر طالب أتى من قسم الإعلام بجامعة بغداد ليتدرب.

فقد كانت هذه المؤسسة معينا لا ينضب لتواجد المبدعين، الذين خرجوا من معطفها أكثر من كل معاطف غوغل، إنها تأريخ الصحافة العراقية المبدع، فيها إضافة إلى الجمهورية الصحافية الأولى في العراق تطبع 250 ألف نسخة يوميا، وبغداد أوبزرفر، ومجلة ألف باء الأسبوعية، وهاوكاري الكردية، ومطبوعات أخرى، عدا الملاحق الكبرى والنوعية عن الثقافة والفنون.

صاغت وعي وثقافة أجيال عراقية، وقدمت وساندت المئات من المبدعين الذين كانت وراء شهرتهم وبروز أسمائهم، كانت الناس تنظر إلى دار الجماهير كمنتدى للحوار، ومعقل للثقافة ومنار للفنون، وشعله للوعي المجتمعي والتنويري.

الغريب واللافت أن الناس هؤلاء الذين كانت تدافع عنهم وتطالب بحقوقهم وتحسين حياتهم من خلال أقلام العشرات من اليساريين الذين تعاقبوا عليها، هجموا على تلك المؤسسة وحوّلوها إلى سكن عشوائي وكبوا مجلداتها وأرشيفها في النفايات وأحرقوها.

إنها إحدى صور المأساة التي أصابت الذاكرة الصحافية العراقية بمقتل، ودللت على أن المجتمع بواد والمثقفين بواد آخر، الغريب أن المؤسسة الإعلامية والثقافية العراقية بعد الاحتلال لم ترث هذه الدار الصحافية واكتفت بالتفرج عليها، وكأنها مؤسسة ليست في العراق، أو هي مجرد عمارة سكنية، استولى عليها اللصوص، وهي في قلب العاصمة، واعتصموا فيها، دون أي وازع من ضمير وطني وأخلاقي واعتباري لقيمة تاريخ هذه المدرسة الصحافية العريقة التي لا شأن لها بتغير الأنظمة والعهود.

لم يفعلها أي شعب عربي آخر حتى في زمن الثورات بأن يستولي على تراث مؤسسة صحافية كما حدث مع العديد من المؤسسات العراقية، دون صراخ ومطالبات الصحافيين أنفسهم بمقارهم وذاكرة أجيال سبقتهم، لحفظ وجه حضاري لا بد أن يستمر تقديرا للمئات من رجال الكلمة والموقف، حتى وإن اختلف الحكم، وتغير المحتوى والجوهر.

كاتب عراقي

18