ملاحظات حول الحملة الانتخابية التشريعية بتونس

الأحد 2014/10/26

اليوم 26 أكتوبر 2014، وقد حلّ موعد الانتخابات التشريعية، وهو اليوم الذي ارتقبناه طويلا منذ قيام الثورة والذي سيحدد مصير الثورة التونسية وقد يحوّل تجربة الديمقراطية في تونس إلى نموذج معياري وعملي بالنسبة إلى الوطن العربي، رأينا أن نبدي بعض الملاحظات العامة التي تهم مسار العملية الانتخابية في حد ذاته والتثّبت في مستتبعاته المختلفة والمتنوعة ودراستها دراسة متأنية. وليس المجال هنا سامحا للقيام بدراسة اجتماعية وميدانية ضافية لهذا المسار ولكننا وددنا التعرض بإيجاز إلى ظواهر عديدة لا بد من النظر فيها برؤية استراتيجية لما لها من تأثير على مستقبل البلاد.

1 - ليس ثمة شك أن تونس تعيش الآن لحظة فارقة في تاريخها الطويل حيث تجذرت نظريات مختلفة وتجارب عديدة للممارسات السياسية، لأنه في حال نجاح العملية الانتخابية تكون تونس قد أبدعت حقا في الانتقال الديمقراطي ولم تته في الفتن والتقاتل رغم الإرهاب المدعوم داخليا وخارجيا من قبل من كانوا يدّعون أنهم يدافعون عن الدين الإسلامي ولكن لهم مصالح مادية وسياسية وإمبريالية بحتة، ذلك الإرهاب الذي تسبب في استشهاد عسكريين وشرطة ومدنيين قد تجاوز عددهم الستين شخصا واغتال غدرا زعيمين من أفضل زعماء اليسار التونسي.

هي لحظة فارقة لأننا نحن جيل النضال السياسي من أجل الحريات نشاهد اليوم على أرض الواقع ما كنا نحلم به ونناضل من أجله. كنا نريد أن تكون تونس في صف البلدان الديمقراطية مثلها مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها. فرغم ما تشهده الساحة السياسية الآن في الحملة الانتخابية من تجاذبات وعراك لفظي ومؤامرات وأكاذيب واتهامات وتوترات واختراقات لهياكل الهيئة العليا للانتخابات ودخول المال الفاسد والفاسدين في المعمعة فإن كلمة واحدة أفرحتنا وتفرحنا هي الحرية في التعبير وفي العمل والممارسة التي تتحقق يوما بعد يوم لتجعل من التجربة التونسية عنوانا لمن يريد تكريسها في وطنه.

غرافيتي للفنان بلال براني المعروف بـ"zoo project"

2 - هل كانت هذه الحرية مبالغا فيها؟ ربما لأن القوانين الضابطة لها والتي ستمكن من تطبيق الدستور مازالت ضعيفة نوعا ما. فهل يعقل مثلا أن يسمح القانون الانتخابي لمن كان وزيرا للعدل في عهد الدكتاتور بن علي وهو المسؤول أخلاقيا على الأقل عن سجن آلاف المناضلين من أجل الحرية وتعذيب البعض منهم وتشريد عائلاتهم ونفي الكثير منهم أن يترشح لرئاسة تونس؟ زد على ذلك تسرب الفاسدين والمافيويين في قوائم الأحزاب والمستقلين وما يتبع ذلك من دخول المال الفاسد معمعة المعارك السياسية ليدخل بلبلة في التوجه الديمقراطي ويعيد هيمنة البورجوازية الكمبرادورية التي عانينا منها الأمرّين في عهد الطاغية.

كذلك هل يعقل أن نحصي الخروقات في الحملة الانتخابية والتي تقع أمام أعيننا وقد بلغ عددها الخمسة آلاف دون أن نحرك ساكنا لأن قانون الانتخاب لا يتضمن إمكانية العقاب الفوري مما شجع الكثير على تركه جانبا لتحل بوادر الفوضى في هذه الحملة. رغم كل ذلك فإن الشعور السائد هو أن الثورة التونسية بدأت تحقق عزة النفس وكرامتها للمواطن التونسي. فالذي سيحاول تزوير الانتخابات مهما كان موضعه سيتحول إلى عدوّ للشعب ومناهض للثورة وسيرى فيه الشعب التونسي تابعا موضوعيا للنظام الدكتاتوري السابق

3 - شهدت الحملة الانتخابية ردّات فعل قوية ضد النهج الديمقراطي في الحكم. فمن المفارقات العجيبة أن يستعمل حزب التحرير، وهو حزب إسلامي متشدد، الديمقراطية للإطاحة بها والدعوة لقيام خلافة إسلامية ويستغل فترة الحملة الانتخابية، وهو الذي رفض المشاركة في الانتخابات، ليقوم بحملة دعائية ضد الديمقراطية. كذلك تعددت المحاولات الإرهابية من قبل الإسلاميين المتشددين ولولا يقظة الشرطة والجيش والمواطنين والمجتمع المدني لكانت هناك كوارث عديدة.

وفي واقع الأمر لا غرابة أن تتبلور مع تبلور إحداثيات الخطاب الديمقراطي تيارات فكرية جينية أساسا غير واقعية كالحركة الضوئية الصامتة التي نشأت في أوربا في أوائل القرن السادس عشر، عندما بدأت بوادر الحداثة تزحف في أوربا أو تيارات سياسية تراجعية كالتي وضعت سفونارول (34)وجها لوجه مع الكنيسة وسلطة فلورنسا في القرن الخامس عشر.

وليس بعيدا عنّا أحزاب الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا وأسبانيا التي تراجعت بالديمقراطية إلى درجة الصفر. هناك في واقع الأمر توتر بين نقط الاستهراب التي تميز الإحداثيات ونقط التجذر التي تشدّ القول والفعل إلى سمات الماضي والأصل في كل الأعمال السياسية الديمقراطية.

وقد لا تجد نقط التجذر التي تعتمد الذاكرة مساحة كبيرة داخل المجتمع وفي الممارسات السياسية فتتحول إلى “آلة حرب” حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي دولوز فتخرّب كل مظاهر الحداثة وتقتل البشر دون أيّ اعتبار أخلاقي وديني وكأنها تخوض حرب الكل ضد الكل.

ولعل التجربة التونسية الحالية في العمل الديمقراطي تحتّم ما سميناه بعقلنة السياسة المتمثلة في نقطتين أساسيتين:

أ- الانفصال عن إيطوبيا التفكير في تدبير شؤون الدولة. يعني أن الممارسة السياسية تتطلب واقعية قصوى ونجاعة كبيرة قبل بحثها عن النظريات الخيالية الجاهزة وعن الحقيقة.

ب- الانفصال عن الأيديولوجيا الدينية. يعني ذلك أن السلطة السياسية هي اجتماعية قبل كل شيء ولا يجب أن تستند إلى مشروعية خارجة عن المجتمع. يعني ذلك تأسيس تقنيات الممارسات السلطوية بعيدا عن الخيال وعن الاعتقاد الديني.

لقد أصبحت الجولة تمثيلا سياسيا تطالب به مجموعة من البشر تعيش في رقعة من الأرض ولا تعترف إلا بحكم ينبع منها وتعتبر نفسها مجموعة من المواطنين يخضعون للقوانين نفسها ولهم المصالح العليا نفسها وذلك بعد الثورة الإنكليزية (1690) والثورة الأميركية (1776) والثورة الفرنسية (1789). ولعل الثورة التونسية هي الآن، من خلال هذه الانتخابات، بصدد بناء هذه التمثيلية السياسية للدولة في الوطن العربي إن آجلا أو عاجلا رغم نقط التجذر التي نلحظها الآن والتي حوّلت هذا الوطن إلى حروب مستمرة.

4 - هل نستطيع الخروج باستنتاجات سريعة وأولية عن الحملة الانتخابية؟ في واقع الأمر ليست لنا المسافة الكافية من الحدث حتى يكون تفكيرنا رصينا وواضحا يتسم بالدقة المطلوبة. ولكننا من الآن يمكن أن نشير إلى بعض الملاحظات العابرة.

الملاحظة الأولى والهامة هي أن اليسار التونسي دخل معركة الانتخابات بآليات فاشلة. فعلاوة على تشرذمه وانقساماته وتعدد مصالحه بتعدد زعمائه فإن خطابه بقي ماضويا بالأساس يذكرنا بالجامعة في السبعينات من القرن الماضي مع إضافة بعض الأفكار حول حقوق الإنسان التي هي في جوهرها لا تختلف عن أفكار الأحزاب اليمينية وحتى الدينية.

فلن تجد في خطب زعمائهم وتدخلاتهم، وهم كثر، ما يميز النظرة الاستراتيجية عن الصبغة التكتيكية.

في واقع الأمر لن تجد حزبا واحدا من الأحزاب التي خاضت المعركة الانتخابية يقنعك ببرنامج اجتماعي ثقافي حركي متكامل.

قد تجد لوائح وشعارات رنانة دون مرجعيات فكرية وفلسفية. وهي ظاهرة كرسها النظام السابق الذي جعل من الثقافة مجموعة متقطعة من أعمال ونشاطات تصب أغلبها في تكريس النظام الدكتاتوري. تونس الآن بحاجة إلى عملية فكرية فلسفية لتأسيس مجتمع العيش سويا في كنف الكرامة والعدالة حتى نحقق شيئا مما حاولت الثورة بلوغه. فلست أدري لماذا تصب كل نقاشات الإعلام المكتوب والسمعي والبصري في المنظومة السياسية دون الاهتمام بالمنظومة الاجتماعية والثقافية إلا ما ندر.

الملاحظة الثانية تتمثل في العودة القوية لرموز النظام السابق الذين بدأوا يستعدون للعودة إلى النظام من باب الانفلات السياسي وفي غياب العدالة الانتقالية. زد على ذلك هذا العدد المهول من الأحزاب الذي يدخل في ظني ضمن لعبة إجهاض الديمقراطية من قبل تلك الرموز ومن بعض الإسلاميين داخليا ومن قوى الرجعية العربية ومن الامبريالية خارجيا. نعم لتنوع الأحزاب ولنضالاتها السياسية الشريفة ومشاركاتها الفعالة في تسيير البلاد. ولكن الذهاب إلى الأقصى يرمي أساسا إلى غاية في نفس يعقوب تتمثل في خلط الأوراق على التونسي وجعل الأمور أمامه شديدة الصعوبة.

الملاحظة الثالثة تتمثل في أن كل التوقعات تصب في بروز حزبين اثنين هما حزب النهضة الإسلامي وحزب نداء تونس الحداثي ونخشى ما نخشاه أن تبقى تونس سجينة هذين القطبين بعد أن كانت سجينة الحزب الواحد والفرق ليس شاسعا بين هذا وذاك إذ سيحكمنا دائما فكر واحد وأيديولوجية توحيدية فيتم القضاء على التنوع والاختلاف الحقيقيين. فعلى اليسار أن يوحد صفوفه وأن يتخلى عن الزعامة الستالينية وعن المركزية المطلقة وعن الدغمائية الفكرية ليقترب من تنوع طموحات الشعب التونسي ومشاربه إذا ما أراد أن يكون فاعلا في الساحة السياسية.

الملاحظة الرابعة والأخيرة هي الدور الفعال والناجع الذي لعبه المجتمع المدني بجميع مكوناته في تنظيم الحملة الانتخابية والتوجه بها نحو النجاح. فحكومة المهدي جمعة قامت بما يجب القيام به لتأمين المرحلة.

ذلك مما لا شك فيه ولكن حركية المجتمع المدني المتواصلة تدعونا للفخر وتطمئننا على مصيرنا لأن الذي سينجح في هذه الانتخابات لن يستطيع تغيير نمط حياتنا بسهولة ولن يقضي على طموحات الشعب في ثورته المتواصلة.

فلا الأحزاب الإسلامية ولا أحزاب النظام السابق تستطيع أن تقيم نظام الدكترة والطاعة والغطرسة لأن المجتمع المدني على استعداد للاستحواذ على الشارع من جديد إن لزم ذلك.

5