ملاحظات حول السلطة في الإسلام

الثلاثاء 2014/07/22

نصبت داعش نظام الخليفة على الأراضي العراقية والسورية التي أصبحت تحت سيطرتها وقام القرضاوي الذي يترأس جماعة الإخوان المسلمين العالمية بنقد هذه الخلافة وتقويض مرجعياتها الإسلامية، ولكنه في الآن نفسه أعلن أن هدف الإخوان في كل أنحاء العالم الإسلامي هو العودة إلى نظام الخليفة الإسلامية في الحكم. ونذكر هنا أن حركة النهضة في تونس عندما نجحت في الانتخابات الأخيرة بشّرت عن طريق أمينها العام- الذي سيصبح رئيس الحكومة- بقيام الخلافة السادسة. ذلك يعني بما لا يدعو مجالا للشك أن الإسلام السياسي يصبو في نهاية الأمر إلى إرساء حكم ديني تيولوجي بعيد كل البعد عن نمط الحكم الحداثي الديمقراطي، الذي يرتكز على الكرامة والحرية للفرد وللمجتمع.

ووددت في هذا المقال توضيح دلالات مفهوم الحكم حتى يتسنى لنا في أبحاث أخرى تناول قضية الدولة الإسلامية تكوينا وعملا. ففي داخل لفظ “حكم” توجد مركّبات لمختلف معاني السلطة والقوة والنفوذ والاستنطاق والعقاب والمنع والقرار والتدبير. فالإنسان العربي يدرك السلطة، بهذا المعنى، على أنها فعل نفوذ دائم الحضور، يمنع، ويستنطق ويقضي، ويعاقِب، ويحكم. ويفيد هذا أن الحكومة ينظر إليها بطريقة سلبية، إذ لا توجد في الحقيقة سلطة واقعية وإيجابية، إلا السلطة الإلهية كما جاء في الآية الكريمة من سورة الرعد 41 «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ».

من خلال هذه المعاني يظهر لنا أن كل السلطات متداخلة في الإسلام، فمن الضروري إذن توخي الحذر أثناء تعريف السلطة التشريعية مثلا: ذلك أن نمط اشتغال هذه السلطة يختلف عما نعرفه عنها في الغرب الحديث، فهدفه حسب بعض علماء الإسلام لا يتمثل في التّنصيص على الشرائع. الله فقط هو المشرع الأسمى. ويصبح النّبي الوسيط الذي ينقل الشريعة الكلية إلى النّاس. فتكون الشريعة منزلة، وبما أنّها كذلك، فإنّها توجيه إلهيّ. لقد كتب أحد المختصين في العلوم الإسلامية قائلا: “السّلطة التشريعية، بالمعنى الخالص، تعود إلى القرآن وحده، وكل شريعة، أو بالأحرى، كل تقعيد مخصوص، ليس بإمكانه أن يسعى إلا أن يكون تفسيرا للتّشريعات القرآنية” (لوي غارداي، المدينة الإسلامية). ولا تزال هذه الفكرة موضوع مناقشة بين المفكرين العرب المعاصرين. فهناك، إجمالا، توجهان أساسيان يغذيان حوارا صعبا وشائكا حول هذا الموضوع: السلفيون وبعض المثقفين الذين يجاورونهم، يؤكدون على أن القرآن قدم للمجتمع الإسلاميّ تشريعاته التامة. إنهم يتشبثون بالنّص في ظاهره، ويترجمون نمط وجود هذه القوّة التشريعية، والعقلانيون والحداثيون يدافعون عن فكرة التمييز بين التشريع المنزل الذي يبقى بصفة رئيسة دينيا، وبين التشريعات السياسية التي ينبغي أن يشرعها المجتمع. وفي كل الأحوال، وفقا لنصوص الإسلام الرسمية، فإن السلطة التشريعية المعترف للمجتمع بها، تتجسم أساسا من خلال تأويل الشريعة، وتعليلها تبعا للقياس. فالاجتهاد هو التطبيق المنصف لهذه الشريعة المنزلة.

يجب أن نضيف إلى هذا اللفظ لفظين آخرين يستعملهما العرب والمسلمون لترجمة “السلطة” و”النّفوذ” هما “السلطة” و”السلطان”. فقد استُعمِل لفظ السّلطان غالبا في القرون الأولى للإسلام بمعنى السلطة الحاكمة. وتعني كلمة “سلطان”، في القرآن في العديد من الآيات، السّلطةَ الروحيةَ والسلطة الأخلاقية وأحيانا ممارسة السلطة السياسية، كما في الآية التالية: سورة إبراهيم 22 «وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ». أما في ما يخص كلمة السلطة، فإن استعمالها جديد وهي مشتقة من فعل “سلط” الذي يفيد في الأصل خبيث اللسانِ والكلام، وهو خبث يجعل من سليط اللسان والكلام شريرا.

وهكذا يوجد في اللغة العربيّة ثلاثة ألفاظ تترجم معنى السلطة هي “حكم” و”سلطان” و”سلطة”. وتؤكد الألفاظ الثلاثة كلها معنى النفوذ؛ غير أن اللفظ الأول يحيل بالخصوص إلى المحاكمة والعقاب، أما الثاني فيحيل إلى السلطة الغيبية أو الروحية، في حين أن اللفظ الثالث يحيل إلى الهيمنة المادية والأيديولوجية (الدور الذي كان للخطابة والجدل في الهيمنة). واللفظ الأول ذو طابع قضائي، فهو يرسم خطا فاصلا بين الذوات، ويجعل الممنوع أداة نظام، والعقوبة وسيلة ردع. وقد أوضح ابن خلدون أنّ “الإنسان يحتاج في اجتماعه إلى وازع وحكم لمنع الصراعات” فالإنسان، وفق استعداداته الحيوانية شرير بطبعه فهو دائما في صراع وفي حالة حرب مع أمثاله. وهو ما ينتج عنه في الاجتماع ضرورة وجود من لديه القدرة أو قوة ما باستطاعته أن يضع حدا لهذا الصراع الطبيعي.

وإذا كان تحليلنا الدلالي صحيحا، فسوف نجد، إذن، في الآن نفسه المعنى المحتمل لإقامة الحكم والقيام بالقضاء والعقوبة والمنع، والخليفة هو الذي يجسم كل هذه المعاني ويوحدها فيستمد شرعيته بصفة داخلية من المعاني سابقة الذكر للحكم والسلطان والسلطة، وبصفة خارجية من الولاء والبيعة لمن تصطفيه الأمّة. ثمة بالفعل عنصران أساسيان في الفكر السياسي العربي يجعلان السلطة (المطلقة) بيد الملك هما التفويض، أي توكيل كل السلطات دون تمييز للحاكم، والطاعة التي هي حق للسيادة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفلسفة السياسية العربية قد أخذت في الاعتبار هذين العنصرين الأساسيين، فسعت باستمرار إلى التفكير في أخلاقيات ترسم واجبات الأمير والخليفة. وفعلا، بما أنه لا وجود في أعمال الحكم لأيّة مراجعة إزاء ما يقوم به أمير ظالم مستبدّ لا مفرّ من طاعته، فإنّ الفلسفة السياسية قد انبنت عند العرب على أخلاق في الحكم يحيل نموذجه الأول إلى العمل السياسي في عهد الرسول والخلفاء الراشدين الأربعة. فهل يعني ذلك أنه “لا وجود لفكرة الدولة في الإسلام، لأن بعض وظائف الدولة تعود بالنظر إلى الإله، وتم سحبها تماما من أيدي المؤمنين في الأرض”؟


كاتب ومفكر تونسي

9