ملاحظات حول النشر

الانفلات الذي عصف بثوابت العلاقة بين النصوص المنشورة ووسائل الاتصال هو الذي أدى بهذا الكم الكبير من النصوص المحسوبة على الإبداع، إلى الانحسار.
السبت 2018/04/07
النشر في المواقع الإلكترونية تحرر من جميع مقومات النشر

حدث ذات ليلة صيف، في بيتي ببغداد وقد جمعتنا سهرة ضمت عددا من الأدباء العرب، أن قال أحد الحاضرين -وهو شاعر معروف، توفاه الله منذ سنين- موجها قوله إلى د. سهيل إدريس، مؤسس دار الآداب ومجلة الآداب ورئيس تحريرها -وهي المجلة التي نشأنا في ظلال منجزها المعرفي، ومن ثم نشرنا فيها وعرفنا من خلالها- “لقد أصبت ثروة طائلة من النشر ومن مجلة الآداب”، فأجابه الدكتور سهيل إدريس بهدوء ورصانة “لو عملتُ في مجال آخر، غير مجال النشر، منذ أن أنهيت دراستي في باريس وعدت إلى لبنان، أما كان بإمكاني أن أكون أكثر ثراء؟ ثم ماذا تريد، أكان عليَّ أن أعيش وعائلتي في فقر وحاجة، كي ترضى، وأكون قد خدمت الثقافة العربية؟!”.

إن إجابة إدريس، على صديقنا الشاعر، وقد وصفتُ سؤاله في إحدى المناسبات بأنه موقف غير كريم، أقول إن إجابته ليست هي ما يؤشر حدود الثقافي والتجاري فقط، بل إن إنجازه في دار الآداب ومجلة الآداب خلال ما يقرب من نصف قرن، هو الذي يؤشر هذه الحدود. وعلى سبيل المثال كنت في العشرينات من عمري، حين نشر لي مجموعتي الشعرية “لغة الأبراج الطينية” ولم أكن معروفا، ومع ذلك فقد دفع لي مكافأة مالية، وكان شديد التدقيق في ما ينشر سواء في المجلة أم في الدار، لذا تركت منشوراته أثرا ثقافيا واضحا، كما توفر للكثير منها اهتمام نقدي طيب.

غير أن نظرة موضوعية إلى ما نشهده الآن من تحولات في معايير النشر أو في اختلالها، حيث يصبح الأعم الأغلب في ميدان النشر، مع استثناءات محدودة، تدفع بنا إلى القول بأن النشر بات محض عملية تجارية أو إعلامية، وفي الحالين يخسر الإبداع دوره وجدارته.

وإذ كان الناشر ناقدا، يعمل في ضوء معايير موضوعية، فيقدم للقراء كتابا متميزا ونافعا، يتوفر على جميع مقومات النشر، فإن الكثير مما يقع بين أيدينا من كتب منشورة في هذه المرحلة، دفع المؤلف ثمن نشرها وتعامل الناشر معها بروح التاجر وليس بوعي المثقف، نجدها لا تتوفر على الحد الأدنى من المقومات المعرفية ولا على الحد الأدنى من مقومات الكتابة الجادة.

إن الانفلات الذي عصف بثوابت العلاقة بين النصوص المنشورة ووسائل الاتصال، من دون أي نوع من أنواع التقويم، هو الذي أدى بهذا الكم الكبير من النصوص المحسوبة على الإبداع، بالنيات وليس بمقومات موضوعية، إلى الانحسار على صعيد التلقي وإلى الغياب عن المحيط الثقافي عموما، والمحيط النقدي والدرس الأكاديمي على وجه خاص، لذا نرى كثيرين من هؤلاء يشتكون من تقصير النقد وجفاء النقاد، ويذمون الزمان وأهله، لأنهما غير قادرين على اكتشاف خصوصيات نصوصهم، فيذهبون إلى ادعاء أنهم يكتبون للمستقبل.

ومما ينبغي أن نشير إليه في هذا المجال، هو تحول النشر من نشاط ثقافي إلى ما يمكن أن نصفه بأنه نشاط ربحي، وصار بإمكان أي شخص أن ينشر أي شيء يكتبه، ويعده هو، لا غيره، شعرا أو قصة قصيرة أو سوى هذا وهذه من أجناس الكتابة.

أما النشر في المواقع الإلكترونية، وبخاصة الشخصية منها، وهو بديل للنشر في الصحف والدوريات، فهو الآخر تحرر من جميع مقومات النشر التي كانت وما زالت معروفة وملتزما بها، إذ طالما كان المشرفون على النشر في الصحف والدوريات يتوفرون على مواصفات تؤهلهم لاختيار ما يصلح للنشر، فيتم نشره، أو مما لا يصلح للنشر، فيعتذر عن نشره.

وقد عرفنا من المشرفين على النشر من يبدي ملاحظاته على ما يصل إليه من نصوص للنشر، وقد يبذل جهدا  لتقويمها، بينما تصلنا جميعا الآن نصوص لا تحصى مما ينشر في المواقع الإلكترونية، والكثير منها ضعيف وسطحي ومرتبك، إذ لم يمر بأي فعل نقدي، يوجهه ويقوّمه.

14