ملاحظات سعد الحريري حول إيران

الثلاثاء 2015/03/10

يحاول سعد الحريري أن يعكس منطق الاعتدال وصورته، وأن يوحي أن هذا الاعتدال يملك منطقا ولغة تجبره أن يسجل دوما اختلافه، وربما تناقضه مع كل نسخ السلوك السياسي والإسلامي القائمة.

هذا التفكير جرّ سعد الحريري إلى أن يكون صاحب لغة تبحث دائماً عن الآخر، حتى لو لم يكن موجودا، وبذلك لم يعد خطاب الاعتدال خطاب سياسة واقعيا، إنما بات أشبه بسلوك تصوفي ينصب جل جهده على تمكين إيمان داخلي عميق، وخاص، وغير قابل للتشارك.

في لقائه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خرج الحريري بتصريح قال فيه “لدينا ملاحظات في الموضوع الإيراني، ولكن هذا لا يعني أننا ضد إيران، ونريد أن تكون علاقتنا بإيران لمصلحة البلدين معا”.

لم يعكس هذا التصريح منطق الدبلوماسية الأنيقة والمهذبة في مواجهة وحشية نموذج داعش وأضرابها، بل عكس قراءة تؤمن بأن التفاهم مع إيران لازال ممكنا بأدوات الاعتدال التي لا يملك سواها.

تعتبر إيران هذا الخطاب وما يعادله من خطابات نوعا من الاعتراف بغلبتها النهائية. ومفردة ملاحظات تبدو صالحة لوصف أداء ديبلوماسي، قانونين دستوري، مؤسساتي. ربما تصلح في حالة مناقشة رسالة جامعية، فطبيعتها الأكاديمية المتحفظة تجعلها غير صالحة لوصف ما تقوم به إيران في المنطقة، فهي كلمة تُبرّد المجازر التي تقوم بها إيران وحشودها الشعبية الطائفية في المنطقة، وتجعلها خارج التداول، وتساهم بنية حسنة في رفع صفة “الاحتلال” التي تسم السلوك الإيراني في المنطقة.

كيف يمكن للحريري إبداء ملاحظات على مجزرة مفتوحة وتتمدد، كانت قد رسمت بدايات مشروعها باغتيال والده الرئيس الحريري؟ وهل يحاول الحريري اختراق الوجوم والذهول والصمت الذي تفرضه المجزرة واستئناف الكلام من مكان ما بغية العودة إلى زمان سياسة باتت مستحيلة؟ هل يحاول امتلاك الحق في الكلام الذي تهدف المجزرة إلى القضاء عليه؟ وهل يعي أن الكلام في حضرة المجزرة يحتاج أن يكون كلاماً مدفوعاً إلى أقصى ما يستطيعه الكلام، وإلا وقع في فخ السقوط في معجم الجلاد.

لا يستطيع سعد الحريري أن يوجه كلامه دوما للذات أو للتاريخ. ما دامت الاستجابة مستحيلة فإن اللغة المستعملة لا تكون فقط في غير محلها ولكنها تكون تعبيرا عن فراغ يترك للطرف الآخر مهمة إنتاج الكلام والمعاني.

تواجه إيران التي يطمئنها الحريري ويعلن أنها ليست عدوا، لغته هذه، بالمجزرة المفتوحة التي بات من النافل التذكير أنها نجحت في التهام اعتداله، وتحويله إلى خطاب رومانسي، لا مكان له في عالم الوقائع.

تعلن إيران بوضوح أنها عدوة شعوب المنطقة العربية. تفاخر في حديث بات مكررا بسيطرتها على أربع عواصم عربية وتستعد للسيطرة على عواصم جديدة، وفق آخر المعلومات، فلماذا ينزع عنها الحريري ثوب العداوة؟ وهل يستطيع موضوعيا ألا يكون عدوا لإيران؟ أساسا هل تسمح له إيران بذلك؟

يقول الحريري إنه يطمح أن تكون العلاقة مع إيران لمصلحة البلدين معا. وقد حددت إيران مصلحتها التي تقوم على تفكيك المنطقة العربية، وتدميرها، والسيطرة عليها، ووسيلتها لتحقيق ذلك هي عمليات التطهير الطائفي.

أين تكمن مصلحتنا إذن؟ وكيف يمكن تركيب علاقة مع إيران تنسجم مع الحد الأدنى من مصالح الطرفين. ما هي مصلحة المقتول مع قاتل يعلن أنه مستمر في القتل، وأنه لا يملك مشروعاً سواه؟

أثبت المنطق الإيراني أنه لا يوجد فيها طرف يمكن أن يتوجه إليه الخطاب، فإيران تكن عداء عاماً لكل ما هو عربي يرى في احتلال عواصم عربية مدعاة للفخر والاعتزاز. وليس هناك ما يمكن أن ينجز معها من منطق مصلحة مشتركة.

ربما يحاول الحريري إعلان الاستسلام كي يحمي الأحياء، ولكن آلة القتل الإيرانية تنتظر لحظة زيارة تاريخية لأوباما إلى إيران لإعلان تمكين الحلف الأميركي الإيراني على جثث أبناء المنطقة.

ولذلك يحتاج الاعتدال إلى أنياب، وإلا لن تناط به سوى مهمة حفر المزيد من القبور.

6