ملاحظات عن البعبع

البعبع، كان بوسعه أن يكون مخيفا لو أنه كان موجودا في الخارج بالفعل، أو لو بقيت فسحة تسمح بالخوف منه، فتتيح للمتظاهرين التراجع. إلا أن حكومة البشير لم تبق للناس ما تتراجع إليه.
الثلاثاء 2019/02/19
مواجهة بعبع البشير

لم يقل الرئيس السوداني عمر حسن البشير من هي القوى الأجنبية التي تحرض على التظاهرات ضد سلطته. وهو يقدم هذا الزعم، على أنه بعبع، لكي يُخيف به مواطنيه. ولكنه ليس بعبعه الوحيد، كما أنه ليس الأول الذي استخدم البعبع، فقد سبقه إليه طغاة آخرون.

المشكلة، لدى قراءة المسألة من وجهة نظر علم النفس، هي أن من يخترعون البعبع يمارسون خدعة ملتوية، ظاهرها أنهم يريدون إثارة الخوف لدى الآخرين، وباطنها أنهم، هم أنفسهم، خائفون.

وللسيد البشير الحق في أن يخاف من بعبعه. فقد ارتكب الكثير.

السودانيون، كسائر خلق الله، لم يطلبوا المعجزات من حكومتهم، سوى أنها فشلت في كل شيء. وبانت عوامل الفشل على كل مظهر من مظاهر الحياة حتى طالت رغيف الخبز.

ولا أعرف ماذا يريد البشير أكثر من ذلك لكي يعترف بأنه خذل شعبه، وأن سلطته التي لطالما تذرعت بـ”مؤامرات الخارج”، كانت هي بحد ذاتها مؤامرة ضد لقمة العيش.

اُنظر في معدلات التضخم الصاروخية، منذ بدأ البشير سلطته إلى اليوم، وسترى الكارثة بأم عينيك.

البعبع، كان بوسعه أن يكون مخيفا لو أنه كان موجودا في الخارج بالفعل، أو لو بقيت فسحة تسمح بالخوف منه، فتتيح للمتظاهرين التراجع. إلا أن حكومة عمر البشير لم تبق للناس ما تتراجع إليه.

كل متظاهر، إذا شاء أن يعود إلى منزله، فإنه قد لا يجد في المطبخ إلا ما يحثه على العودة إلى الشارع.

هذا شيء لا يفهمه البشير ولا حزبه الحاكم. ربما لأنهما، بما راكماه من غنى الفساد، لا يشعران بما يعانيه الملايين من ضيق.

ولقد صبر السودانيون طويلا؛ أطول من اللازم في الواقع. ولقد أتيحت للبشير، ولحكومته، الفرصة تلو الأخرى للاستدراك على حال الفشل. إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال، حتى ضاق الناس ذرعا بحال ما فتئ يمضي من سيء إلى أسوأ.

ولكن، من هو البعبع؟

الواقع يقول إن علاقات السودان الخارجية ليست فيها قائمة أعداء. هناك كارهون. ولكن ليس هناك أعداء. حتى الولايات المتحدة التي فرضت عقوبات طويلة على السودان، حصلت على ما تريد، وأعادت العلاقات مع حكومة البشير إلى مسارها.

الكارهون إنما يكرهون فشله، فالسودان مجال حيوي كبير لمصالح العديد من دول المنطقة، ونجاحه أو فشله يتركان أثرا ملموسا عليهم. وهناك استثمارات عربية ضخمة في مشاريع بات الكثير منها فاشلا بسبب سوء الإدارة الحكومية، وعدم الاستقرار.

ورغم الخلاف الخليجي المعروف، فقد تلقت حكومة البشير دعما من طرفي ذلك الخلاف. المملكة العربية السعودية أرسلت موفدين، وقطر قدمت وعودا بالدعم المالي.

وفي الحالتين، فإن أحدا لا يريد للسودان أن يسقط في الفوضى، ليس حرصا على سلطة الفشل، ولكن حرصا على استقرار بلد يحظى بأهمية إقليمية قصوى.

وإذا كانت مصر قوة مؤثرة ونافذة على السودان، فإن علاقاتها مع حكومة البشير ليس فيها “بعابيع”، كما أنه ليس فيها ما يشكل دافعا للتحريض على سلطته.

حاولتُ، كما يمكن أن يحاول أي أحد، أن أبحث للسودان عن عدو، فلم أجده. وإذا كان الإعلام كاشفا للنوايا، فلم أعثر على إعلام يجعل من إسقاط حكومة البشير هما يوميا من همومه.

ولكني وجدت بعبعا، يحمل عصا، ويلوح لمواطنيه بالتهديد. تارة يلبس لهم بزته العسكرية، وتارة يحرض عليهم قواته الأمنية ويشجعهم على إطلاق النار على المحتجين.

وعلى امتداد ثلاثين عاما، حكمهم بالنار والحديد، وأذاق معارضيه مر الانتهاكات، وابتدع “غرف أشباح”، خاصة بأعمال التعذيب، لكي يعرف ضحاياه، ممن يجب أن يخافوا. بل ويخاف منه وزراؤه، حتى أنه إذا سأل أحدا منهم “كم الساعة الآن”، قالوا له “كما تريد يا سيادة الرئيس”. (عذرا لغابرييل غارسيا ماركيز).

هذا هو البعبع. وقد ظل مخيفا لوقت طويل، حتى فاض بالناس الكيل. وهم كلما تأملوا أحوالهم، وجدوا الفقر والجوع مخيّمين عليها، فيهربون منها إلى الشوارع لكي يواجهوا بعبع البشير.

وكان البشير قال في بيانه الأول، عندما تسلم السلطة في العام 1989، ما نصه “لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية، وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية مما زاد حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، واستحال على المواطن الحصول على ضرورياتهم، إما لانعدامها أو ارتفاع أسعارها مما جعل الكثير من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة”.

وها هنا يكمن البعبع الذي يُخيف البشير. إنه القول الذي خرج من فمه هو.

فقد كان الدولار في العام 1989 يعادل 12 جنيها سودانيا. وبما أنه يألف استخدام “البعابيع”، فقد قال لمواطنيه يومها، محذرا ومفاخرا ونذيرا، بأنه لو لم يقم بثورته لأصبح سعر الدولار 20 جنيها. ويا للهول لما وقع بعد ذلك.

البعبع سرعان ما عاد ليسخر منه. ففي العام 1991 بلغ سعر الدولار 75 جنيها سودانيا، أو نحو أربعة أضعاف ما برر به انقلابه.

وفي ذلك العام بالذات قررت حكومته استبدال العملة بغرض امتصاص التضخم، حيث حل الدينار مقابل الجنيه، ليكون الدينار مساويا لـ10 جنيهات. وفي العام 2006 أصدرت حكومة البشير قرارا بعودة الجنيه إلى ما كان عليه قبل 1991، لكنه صار يساوي 100 دينار سوداني، أو1000 من قيمته السابقة.

اليوم يبلغ سعر صرف الدولار ما يتراوح بين 70 و80 جنيها سودانيا. ولو أنك أعدت الأرقام إلى سابق عهدها لتضيف الأصفار التي تم شطبها، فسوف ترى حجم الفقر الذي يجثم على صدور الناس، وضخامة البعبع الذي يثير الذعر في نفس البشير.

إنه بعبعه هو. وهو مخيف بحق، لو أنه تحول إلى محاكمة لعسكري خان قوله، وخان شعبه، ودأب عليهما.

وما كان ذلك من عمل أي أحد، سوى فشله هو. ولا كان من “سياسات رعناء” أكثر من سياساته هو. وما جاع “أبناء الوطن” أكثر مما أجاعهم هو.

وتعبيرا عن وقته الذي زاد عما أزف، فالسودانيون هم الذين يسألونه: كم الساعة الآن، يا سيادة الرئيس؟ بيد أنه لا يزال، من الوقاحة بمكان، قادرا على أن يُخيفهم من البعبع.

9