ملاك لطيف: أكتب عن نفسي وصوتي صوت الجميع

المشهد الثقافي الشبابي البحريني مفعم بالتجارب الشعرية العميقة التي قرأت التاريخ، وفككت إرث الأسلاف، ثم انطلقت في فضاءاتها الجديدة حاملة حقائبها الإبداعية الخاصة وفق رؤيتها الكونية التي رفضت أن تُحاصر بوصايا الماضي. “العرب” توقفت مع الشاعرة البحرينية الشابة ملاك لطيف للحديث عن تجربتها وحول الشعر وأجياله المختلفة في البحرين.
الأربعاء 2017/01/18
الجيل الجديد معزول عن المجتمع

حين أصدرت الشاعرة البحرينية ملاك لطيف مجموعتها الشعرية الأولى “عصافير النافذة الأخيرة” 2015، عن دار مسعى، لفتت الانتباه لتجربتها ذات الاشتغال الشعري المكثّف ضمن مناخ واحد، مستعينة بمفردات مشغولة بالوطن وبالغربة فيه، وبالشهادة، وبالسجن، وبالشعور بالانتهاك النفسي العميق.

تقول لطيف عن مجموعتها “نَظرا إلى الفترة الزّمنية التي كُتِبت فيها هذهِ النّصوص، فإنّ الحياة اليومية المشغولة بالخوفِ والحربِ أو بشكل محدد بروز ثورات متتالية في المنطقة، انعكست على الذّات ومن ثمّ على النّص. وبشكل عامّ، إنّ شحن القاموس بمفردات معيّنة هو نتيجة الانشغال الفكريّ والعمليّ للشاعر ضمن حالة معيّنة. ونتيجة لذلك فإنّ التدوين للنّقل والتوثيق هو عمل الشّاعر الخالِد ضمن سيرته وسيرة المكان”.

وتتابع شاعرتنا في ذات الشأن “كل كتابة هي تجربة، والتجربة في ‘عصافير النافذة الأخيرة’ مُتعمّدة أن تكونَ بعيدَة عن الحالة النّمطية التي تؤطّر ضمنها الشاعرات العربيات غالبا. إلّا أنّه تمكن ترجمة الهمّ العاطفي بلغات متعدّدة ضمن أي نّص. فالكتابة عن سجين أو شهيد أو مَيت يمكن أن تتعلّق بحالة عاطفيّة حميمة. ثم الكتابة ليست مساحة تكرار، إذ على كلّ شاعر أن يأخذ بلغتهِ إلى مناطقَ جديدة متنوّعة خاصّة به أو بمن حوله. وأن تكون هذه المساحة محاولته في النّبشِ ضمنَ ما يراه. أي محاولة الرّؤية”.

لم تستخدم ملاك لطيف ضميرا واحدا في نصوصها يشير إلى الأنا (الشاعرة/ المرأة/ الأنثى). فقد استمرت في الكتابة بذاكرة مذكّرة عامة تتماهى مع الأنا الجمعية. الأمر الذي قادنا لسؤالها عن سبب غياب قلق المرأة الخاص بها.

وتجيب ضيفتنا بقولها “حالة النّص هي من تفرِض ضمائرها، فالحالات التي تمّ الاشتغال عليها في نصوص المجموعة كانت بعيدة عن قلقِ المرأةِ على وجهِ الخصوص. بعيدة حدّ أن الضمير الذي اتّخذتُهُ في غالبيّة النصوص -داخل المجموعة وخارجها- لا يتّصل بكوني ‘شاعرة/ امرأة’، بل هوَ ضمير الأنا- الكائن/الإنسان. وهذا الضمير هو النظرة إلى أناي. والتّحدث عن هذهِ الأنا يعني التّحدث عن الجميعِ -لا فردا ذكرا أو أنثى-. إنّ الزّمن وقضاياه هما أيضا من يفرضانِ شكلَ النّص. الأنا الجمعية مازالت طافحة ويمكن إبرازها في القصيدة لتكون الشّكل العام، لتمثّل الناس لا الفردَ. حتّى مع الهواجسِ والخوف والرّغبة. هذهِ كلّها تنتمي للجميع، وهذا ما أتحدّث عنه. الكتابة عن تفصيلِ حالاتِ المرأة لها العديد من الأوجه، والوجه الذي كتبته هو المرأة الكائِن، المرأة التي تحيا قلقَ الجميع في الدّاخل، والتي هي ربّما صوت الجميع″.

عن قراءتها الخاصة لتحوّلات جيلها الشعري الشاب في البحرين تحدثنا لطيف قائلة “إن أبرز التّحولات التي تطرأ وتشكّل همّا يوميا لشاعر ينتمي إلى الجيل الجديد، هو عزلته أو ربّما عَزله. وذلك عن المجتمعِ أوّلا. ومن ثم عن شعراء الأجيال السابقة. إنّ الاتصال بالمجتمع يتمثل بالانتماء التّام إليه، وشعراء الجيل الجديد يأخذونَ منحى آخر. أسئلة الأنا والوجود والجدوى وفي ذلك ما يتعدى حياة مجتمع صغير مشغول بنفسه، بالتمزقات التي تطرأ ضمن التغيرات والحوادث التي لا بدّ منها.

أمّا الأجيال السابقة فتبدو لنا دائِما أنها أجيال البِدء والتي تركت الخطوة والعتبة. هذه الأجيال شكّلت مشهدها. أما الآن فمازال مشهدنا غير واضح، وحضورنا غير مكتمِل نتيجة المسافة المتروكة بيننا وبين الآخر (المجتمع والشعراء) ونتيجة تكدّس القصائد التي تجد صعوبة في تكوينها الأخير وصناعتها كعمل. إنّ نقص المشهد الشعري الجديد أدّى إلى نقص النقد بل عدمه”.

15