ملامح الثقافة في الواحات البحرية تسطع في الزواج وتقاليده

السبت 2015/01/24
طقوس خاصة من بين تنوع ثقافي واسع

القاهرة - الواحات المصرية كغيرها من الواحات التي تنتشر في الصحراء العربية، والتي يدعوها وضعها الجغرافي إلى طبيعة ثقافية خاصة، إذ ينتمي سكان تلك البقاع الخضراء في الصحراء إلى ثقافة الاستقرار التي تدعو إلى الزرع والبناء، وخلق علاقة مُتبادلة بين طبيعة النشاط الاقتصادي والبيت الذي يتم اختياره للمعيشة، حيث يُجهز ويُؤسس ويُبنى على ن حو يمكن به استمرار الحياة.

يتجاوز كتاب “عادات الزواج وتقاليده في الواحات البحرية”، للكاتبة إيمان صالح، عمليات الرصد الميداني لملامح الحياة الشعبية للمُجتمعات الإنسانية، من خلال التأمل الموضوعي للتغيرات التي تطرأ على العادات الشعبية، المرتبطة بالزواج في مُجتمع الواحات البحرية.

ووضعت هذه الدراسة عندما اختارت مُجتمع الواحات البحرية، للكشف عن موضوعها في الاعتبار، الدور الذي يلعبه المكان في دفع الإنسان لاختيار عناصر ثقافية، يستطيع بها التعايُش مع ذلك الظرف المؤثر، حيث إن احتكاك الجماعة – أية جماعة – بظروفها، يُعبّر عن مدى قُدرتها ومن واقع خبرتها وتجربتها على تأكيد حكمتها عند اختيار مُفردات وملامح ثقافتها.

ولا يستطيع باحثو واحات الصحراء، أن يتجاهلوا مدى تأثر زرَّاع الواحات ببدو الترحال المحيط، ذلك التأثر الذي يتراوَح بين العداء والقبول، خاصة في ظل تربُّص جماعات بدوية بخير الواحات والمحاولات المتكررة للسطو عليها، والاستحواذ على بعضها كلما تيسّر ذلك، يندفعون بمنطق القوة وحرية وسرعة الحركة في صحراء واسعة يعرفون دروبها جيداً، اعتادوا عليها ويستعينون بها في اختفائهم ثم ظهورهم المفاجئ نحو مقصدهم.

حرص أهل الواحات المصرية على التصدي لهذا الفعل العدائي من قِبَل البدو بأساليب ثقافية واجتماعية، تمكّنهم من استقرار وضعهم الاقتصادي، فاختاروا هضاباً عالية يبنون بها منازلهم، ويحيطونها بالأسوار العالية والبوابات الضخمة والحرَّاس الأشداء، من أجل دفع الضرر وصد الأذى.

لا يستطيع باحثو واحات الصحراء، أن يتجاهلوا مدى تأثر زرَّاع الواحات ببدو الترحال المحيط

ولا يمكن إيقاف العلاقة بين أهل الواحات والبدو على هذا النمط العدائي من أنماط العلاقات الإنسانية، بل يؤكد الواقع على أن الاحتياج المتبادل بينهما ينطلق في الأساس من انتمائهما إلى موقع الحياة الصحراوية، على الرغم من اختلاف نشاطهم بها، وأن المنفعة المتبادلة يدعوها إلى التلاقي والقبول، والتعامُل السلمي في تبادُل السلع والمنتجات، ولعل ذلك هو ما أسهم في تسرُّب بعض المفردات الثقافية بين الجانبين، يعود ذلك دوماً إلى قناعة المستقبلين بقُدرة تلك العناصر الثقافية على ملء الفراغات، وتلبية الاحتياجات اليومية التي تعزّز منطق التعايُش مع الحياة.

وعلى الرغم من أن، الواحات البحرية تنتمي إلى طبيعة الحالة الثقافية للواحات المصرية على وجه العموم، إلا أنها تحتفظ لنفسها بخصوصية ترتبط بالموقع الجغرافي، الذي جعلها في وضع أقرب للعادات المصرية لعاصمة البلاد، وهو أمر أسهم فيه سهولة المواصلات، ويسر الاتصال بثقافة المدن الكبرى، وسرعة تبني مُفردات ثقافية تنتمي إلى هذا النمط من أنماط الحياة الشعبية، قياساً على الواحات المصرية الأخرى التي تتسم ببطء التنازُل عن مُحددات الثقافة، الأمر الذي يدعو الباحثين في مجال الدراسات الشعبية إلى تأمل قُدرة المؤثرات الثقافية لمجتمعات الحضر، على التأثير المباشر وغير المباشر على الثقافات المحلية، ومدى توافر الشروط التي تدعو المجتمعات المحلية إلى سرعة أو بطء التغيُّر، إنها الحاجة الملحة لقراءة النص الشعبي، بوصفه مُعبّراً إلى فهم الناس وحركة فكرهم ومشاعرهم.

عندما تتم قراءة هذا الكتاب، كأننا نقرأ صفحة من صفحات الحياة الشعبية عند جماعة مصرية، تمثل قطعة غالية من فسيفساء ثقافة الوطن، الذي هو في أشد الحاجة الآن إلى تأمل معنى التمايُز بين المجتمعات المصرية، ومغزى خصوصية الشعب المصري في كيان واحد ارتبط دوماً بظروف ومؤثرات مُشتركة، بحيث تشكّل هذا الجسد المصري الذي يتحرّك بمكونات قد تبدو مُختلفة، لكنها تتكامَل فيما بينها ليؤدي هذا الجسد الثقافي المترابط، دوراً في الكشف عن الملامح الخاصة لهذه الأمة، ولأننا اليوم أمام قضية قد يتخيّل البعض أنها قضية ثانوية، ليس من المهم أن تكون في أولويات الانشغال الرسمي والمجتمعي، إلا أن الظرف التاريخي الذي يمر به هذا المجتمع، يحتاج دون تردد إلى تعميق العلاقة بين المصريين وذاتهم الحضارية، والتي تنطلق من جذر ثقافي تشعّب في عمق التاريخ، واستوعب الثقافات المؤثرة فانتقى منها وتزوّد، وأخضعها لمفاهيمه الخاصة ورؤيته الثاقبة.

الواحات البحرية تحتفظ بخصوصية ترتبط بالموقع الجغرافي، الذي جعلها في وضع أقرب لعادات عاصمة البلاد

سبق لهذه السلسلة أن، عرضت لكتاب عادات الزواج في بلاد النوبة، تأليف الباحث مصطفى محمد عبد القادر، وفي هذا العدد تعرّض لنفس الموضوع ولكن في الواحات البحرية، وسوف تعرض السلسلة في عدد قادم قريب، لعادات الزواج عند إحدى قبائل بدو الواحات.

ويأتي حرص أسرة السلسلة على هذا النشر المتعاقب لموضوع واحد في مُجتمعات مصرية مُتمايزة إلى رغبتنا في فتح شهية البحث العلمي، لتأمل الدور الذي يلعبه المكان في صياغة مُفردات ثقافة الإنسان، من خلال مُقارنات ومُقاربات ورؤى علمية، تستند إلى منهج مُنضبط يمكن بها فهم طبيعة السلوك الإنساني، ومؤثراته ومُحدداته ومؤشراته وضوابطه.

العادات الشعبية التي يتبعها أهل الواحات البحرية، عندما يؤسسون لأسرة نووية جديدة من خلال قواعد سلوكية مُتفق عليها، وصيغ احتفالية مرضى عنها، تحتوي على أشكال إبداعية مُتعددة تؤدي في النهاية إلى استمتاع المحتفلين وسعادة المحتفل بهم، كل ذلك يعرض له الكتاب ويكشف أثناء العرض عما كان وما هو كائن الآن، من أشكال الاحتفال وملامحه وقُدرة بعض مُفرداته على البقاء والاستمرار، وتخلي البعض الآخر منها عن مكانتها بين الناس وتنازُلها لمفردات ثقافية جديدة لتحل محلها، وهذا الحراك الثقافي الطبيعي الذي تتسم به كافة العناصر الشعبية، عندما يؤثر الزمان فيها ويخضعها لطبيعته المتجددة، إذ إن شفاهية البث والتناقُل والقبول لتلك العناصر يحرّرها من جمود الثبات، ويدفع بها نحو منطق الاحتياج، وهو ما يبرهن على حكمة الجماعة الشعبية في الاختيار والتبني.

21