ملامح السياسة الخارجية التونسية

الثلاثاء 2015/04/14

مرّت السياسة الخارجية التونسية بمراحل صعود ونزول منذ الحركة الوطنية ما قبل الاستقلال إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي يوم 14 يناير 2011. ففي محطات كثيرة خاضها زعماء الحركة الوطنية من سياسيين ونقابيين، نجحت تونس في إعلاء صوتها في المحافل الدولية لاسيما في قضايا التحرر الوطني وفي مواجهة الاستعمار. كانت السياسة الخارجية التونسية قائمة، على خدمة المصالح التونسية أوّلا، وعلى الشجاعة في إبداء الرأي من المسائل والقضايا العربية والدولية الكبرى ثانيا، وعلى تجنب الدخول في المحاور الإقليمية والدولية لضمان استقلال القرار الوطني ثالثا.

لا يمكن أن ينسى العرب مرور الزعيم الحبيب بورقيبة بمصر قبل حرب 1967، وخطابه التاريخي في أريحا في 3 مارس 1965. كما لم يخل عهد بورقيبة من منازلات شرف مشهودة مثل رسالته إلى القمة العربية لسنة 1982 المطالبة بسحب السفراء العرب من واشنطن احتجاجا على العدوان الصهيوني على بيروت، وكذلك رد فعله القوي على حادثة الاعتداء الصهيوني على مدينة حمام الشط التي كانت تحتضن القيادة الفلسطينية بتونس يوم 1 أكتوبر 1985. حينها استدعى بورقيبة السفير الأميركي بتونس وحذر من مغبّة استعمال حق الفيتو لمنع قرار أممي يدين إسرائيل، مهدّدا بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة إذا لم تندّد بالعدوان الصهيوني على تونس. وإلى حدود السنوات الأخيرة من حكم بورقيبة، كانت تونس مهمومة بالقضايا العربية الكبرى مثل المطامع الأجنبية والمشاكل الحدودية والخلافات الإقليمية والعوائق التنموية وغيرها.

منذ 1987 مع النظام النوفمبري، اتخذت السياسة الخارجية التونسية شكلا آخر حيث غادرت الهموم العربية الكبرى الدبلوماسية التونسية، فاتجهت نحو منهج جديد قوامه السمسرة والمقايضة مع الجهات الغربية قصد إغرائها بالسوق التونسية، مقابل تنازلات لا تنتهي تمس السيادة الوطنية وكرامة التونسيين. واختزلت مهام البعثات الدبلوماسية التونسية في الخارج في مراقبة المعارضين والوشاية بهم.

ومنذ سقوط نظام حكم بن علي في 14 يناير 2011، تغيرت الخارطة الجيوسياسية المحيطة بتونس، وتغير الواقع السياسي والاجتماعي التونسي بشكل جذري حيث تغير موقع تونس ودورها باعتبار ريادتها في ما يسمى الربيع العربي. وتغير الحلفاء وتغيرت مواقفهم تجاه القضايا الإقليمية، أو تباينت مع الموقف التونسي أو تقاطعت معه، والأجدر بالملاحظة هو تسارع التغيرات حتى لا يكاد العقل الدبلوماسي الخامل يدركها.

وفي السنوات الأربع ونيف التي تلت الثورة التونسية، عاشت تونس أحداثا كثيرة لم تشهدها طيلة ما يقرب من 70 سنة من تاريخها الحديث، فغابت عنها الرؤية الدبلوماسية الشاملة الخادمة لمصالحها الوطنية والقومية. عرفت تونس منذ 14 يناير 2011 إلى اليوم 7 حكومات وثلاثة رؤساء جمهورية ومحطتين انتخابيتين كبيرتين؛ الأولى تأسيسية سنة 2011، والثانية تشريعية ورئاسية سنة 2014.

فبعد ارتباك الدبلوماسية التونسية زمن الثورة خاصة أمام الملف الليبي في حكومة الباجي قايد السبسي، شهد زمن الترويكا، الذي امتدّ على ثلاث سنوات من مطلع 2012 إلى نهاية 2014، عجلة دبلوماسية في تنفيذ مخطط إلحاق تونس بمشروع الأخونة المتستر برداء القيادة الثورية بعبارة الرئيس الترويكي منصف المرزوقي، وبتوجيه وزير الخارجية النهضوي رفيق بوشلاكة.

كانت رغبة الترويكا عاتية في استغلال الريادة الثورية من أجل قيادة الشعوب العربية المحتجة الثائرة إلى الأخونة، فالأسلفة أملا في التمكين الاستخلافي، بدل قيادتها نحو التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي كانت شعارات الثورة التونسية. وقد تضرر الشعب التونسي كثيرا من سياسات الترويكا الخارجية لاسيما في العلاقات العربية مع دول المغرب والمشرق. ووجد الشعب التونسي نفسه يدفع ثمن انضوائه رغما عن إرادته ضمن محور الإخوان الذي خطط له التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ودعمته دولتا قطر وتركيا ومولتاه بشكل صريح.

بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية التي انتظمت في تونس سنة 2014، تركزت سلطات الحكم الجديد في تونس، التي يعني تركزها نجاح الشعب التونسي في قطع الطريق على استبداد الترويكا على رغبتها في إلحاق تونس بمحور الإخوان، بعد أن دفع ثمنا غاليا من دماء شهدائه السياسيين والأمنيين والعسكريين وحتى المواطنين.

ونظرا لحساسية حقيبة الخارجية، وقع اختيار الرئيسين السبسي والصيد على الطيب البكوش الأمين العام السابق لحركة نداء تونس ووزير السبسي السابق في الحكومة المؤقتة التي أشرفت على الانتخابات التأسيسية سنة 2011 ليتولى هذه الحقيبة. وباعتبار أنّ الدستور التونسي الجديد الصادر في يناير 2014 ينص على كون السياسة الخارجية من صلاحيات رئيس الجمهورية، إضافة إلى السياستين الأمنية والعسكرية، فإنّ ذلك دفع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي إلى نشاطات خارجية كثيرة في ظرف وجيز حملته إلى خمس دول عربية وأفريقية وغربية إلى حدّ الآن، هي السعودية وأثيوبيا والجزائر ومصر وفرنسا.

ولكن رغم اختيار البكوش ليشرف على تنفيذ السياسة الخارجية لتونس وكان الرجل الثاني في حزب نداء تونس، فإن ذلك لم يضمن إلى اليوم عقيدة دبلوماسية تونسية جديدة بل لم يحقق الانسجام المطلوب في حقيبة بهذا الثقل. وقد ظهر التباين والتجاذب بين الرئيس السبسي ووزير خارجيته وذراعه الحزبية اليمنى في أكثر من ملف خاصة منها الملفان الليبي والسوري. كما لم تحقق تونس خطوات تذكر في مسائل تؤرق الشارع التونسي على رأسها مسألة تجنيد التونسيين للقتال في الخارج، ومسألة الصحفيين التونسيين المختطفين في ليبيا (سفيان الشورابي ونذير القطاري).

وتبقى الدبلوماسية الاقتصادية شعارا طموحا لم توضع له خطط تنفيذ فعالة لاسيما في ظل انحدار الوضع الاقتصاد التونسي وتعقد أزمة التنمية والبطالة. فلم تنجح الدبلوماسية التونسية في فتح آفاق تعاون جديدة مع جهات دولية غير التي استنزفت سوق الإنتاج والعمالة التونسية دون موارد في حجمها.

أما الدبلوماسية الثقافية فلا حديث عنها مطلقا في الخطاب الدبلوماسي التونسي، رغم انحدار وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش من قطاع الفكر والثقافة. ربما تحتاج تونس إلى إعادة التفكير في علاقات التعاون جنوب – جنوب لتنشيطها وأخذ الريادة فيها من أجل تحرير السوق التونسية من الارتهان إلى الجهات التقليدية التي أدمنت استغلالها واستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9