ملامح بيوتنا

الأربعاء 2014/11/05

كم تشـبهنا بيوتنا!..

مهما كنّا وأينما كنّا وأنى حللنا.. مهما استبدلنا من مساكن إذ تضطرنا ظروفنا أو تسنح لنا خياراتنا بالعيش كما نحب أو كما لا نحب.. فإننا في النهاية نسكن إلى المكان فيسكننا.. ويصبحُ جزءاً منا ونحن جزءا منه.. قصرا منيفا كان أو شقةً متواضعة أو غرفة صغيرة أو كوخاً أو حتى خيمة.

فالبيتُ هو النواة.. أو هو الخلية الأصغرُ لمفهوم الوطن.. حتى حينما تـُختصرُ ثنائيةُ الوطن والمنفى وتتخذ شكلَ خيمة.

وكثير منا ممن يجد نفسهُ ضعيفاً هشـاً أمام فكرة التغيير فيتعلّق بالأماكن.. يبقى مهما حلّ وارتحل وغيّر مسكنه يصحُّ فيه قول الشاعر: “كم منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى.. .. وحنينه يبقى لأولِ منزلِ”.. فالمنزلُ هو البيت.. وهو الوطن الذي مهما غادرناه بقينا نبكيه ونحنُّ إليه وننتمي إلى ترابه.

ومن العجيب أن غرفَ الفنادق أيضا التي تُصمّم بالشكل نفسه وبالمواصفات ذاتها.. نجدُ النزيلَ المؤقت في كل غرفة منها يضعُ لمساته الخاصة دون أن يعي.. ويصبح لكل غرفة شكل مختلف عن سواها:.. رائحة خاصة وفوضى وترتيب خاصان بالنزيل.. فالمكان بالمكين.. وإذا طالت مدة إقامته.. تصبح الغرفة شيئاً فشيئاً شبيهة بساكنها وببيته.. بل تبدو وكأنها وطنه الصغير..

إحدى صديقاتي التي كانت تبحث عن مكان تستأجره بعد أن وصلت تلك المدينة التي لا تعرفها.. كانت تقولُ العبارة التالية كلما دخلت شقة لم تعجبها: “لم أجد المكان يحاورني.. لم أسمع صوت الحيطان!”.. وكنت اُلحّ عليها أن تحرّك شيئاً من خيالها فترى ملامح المكان بعد أن تسكنه.. لكنها كانت عصيّة على الإقناع.. وكانت ترتعبُ من السكن في مكان لا تألفه من أول وهلة ولا تتحاور معه!..

الاُلفة والتآلفُ مع الأمكنة صفة بشرية.. يعزّزها التعوّدُ وسطوة الذكريات.. لكننا أيضاً نستطيع ترويضها وفقَ متطلباتنا واعتماداً على إصرارنا ورغبتنا في التعايش.. بل إننا نحن من نصنع أماكننا وبيوتنا بطريقة أو بأخرى.. حتى لو لم نكن نملك حق الاختيار أو إمكانية تحقيق ما نطمح إليه.. فنُلبسُ الأماكنَ ملامحنا بالتدريج بقصد أو دون قصد.. نختار ألواننا وقطع أثاثنا وأشياءنا الصغيرة.. ونغدقُ عليها من عاداتنا اليومية وطريقة حياتنا واحتياجاتنا وذوقنا الشخصي.. فتبدو في النهاية وكأنها نحن..

ومثلما قد نكرهُ بيوتنا حين يعكّرها الألم وتصبغ جدرانها الذكريات المقيتة.. فإننا قد تضيق أرواحنا وتكفر بمعنى الوطن حين تجتاحه الحروب والموت ويعرّش فيه الفقرُ والألم والفواجع.. وإذ ننأى عن أوطاننا وتستبدّ بنا الغربة في الوطن الغريب.. فقد تستبدُ بنا الوحشة أيضاً إذ نستبدلُ بيتاً لنا كانت زواياهُ معطّرة بالمحبة وحلو الذكريات.. فمن البديهي أن تكون أكثر المنازل جمالاً وأناقة هي الأتعس ما لم يسكنها الحب والوئام.. مثلها مثل الأوطان..

بقي أن نقول إن ثمة بيوتاً مضيئة دافئة بدفء أهلها وبيوتاً تزدهر وتشرق بإشراقتهم.. ثمة بيوتٌ تمرض بسبب مرض أصحابها.. وأخرى تشيخُ حين يشيخ ساكنيها.. وأتذكر هنا مقطعاً من قصيدة أبدعها الشاعر محمود درويش وجعل منها عنواناً لإحدى دواوينه حين كتب:.. “لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟.. .. لكي يؤنسَ البيتَ يا ولدي.. .. فالبيوتُ تموتُ إذا غابَ سكانها”..

صباحكم بيوتٌ دافئة وأهلٌ طيبونَ وأوطانٌ آمنة..

21