ملامح من محمد بن سلمان

الخميس 2015/10/01

} كثر الحديث مؤخرا عن شركة نسما للمقاولات بسبب المشاريع الجبارة التي تقتحمها وتنجزها، والملاحظ مؤخرا، هو ربط اسم الشركة بوليّ وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان، بهدف الإساءة إليه من جهة، وبهدف خدش مسيرة الشركة من جهة أخرى.

من الواضح أن طرح اسم وليّ وليّ العهد جاء في سياق حملة منظمة تستهدف صورته، وهنا من الواجب طرح حقائق لابد من التوقف أمامها وفق شهادة رجل أعمال محايد وفاعل، وليّ وليّ العهد حاضر في عالم الأعمال، بتوثب، منذ عشر سنوات، مركزا على الاستثمارات العامة، خصوصا في مجالي العقارات والأسهم، وليس له أي شركة أخذت مناقصة حكومية أو تعاطت مع مشاريع الدولة، لأنه، ببساطة، لا يملك أي شركة تشغيلية، حتى عقود التسليح في وزارة الدفاع ذهبت لشركات لها وكلاء محليون لا شراكة لهم مع الأمير، والعقود الأخرى في الوزارة هي الأخرى ذهبت لشركات ليس فيها اسم محمد بن سلمان.

ومن توسع اللغو، ربط اسم شركة نسما بولي ولي العهد، فمجموعة نسما القابضة يملكها الشيخ صالح بن علي التركي وابنه فيصل، وهي متخصصة في البنى التحتية والبناء والغاز والاتصالات والخدمات البحرية، وهي تمتلك مع أربعة شركاء آخرين، ليس من ضمنهم محمد بن سلمان مطلقا، شركة نسما للمقاولات الحاضرة في سوق العمل منذ عام 1980 (لم يكن الأمير قد ولد أصلا)، ومن أبرز المشاريع التي شاركت فيها نسما مؤخرا: جامعة كاوست، مشاريع تصريف مياه السيول والسدود في جدة، مشروع جبل عمر، وحاليا طريق الملك عبدالعزيز (الطريق الموازي) بمكة. والرصيد المهني الأهم والأكبر للشركة منذ تأسيسها، وإلى يومنا هذا، ارتبطها بأرامكو.

لم يشاهد صالح التركي الأمير محمد بن سلمان بشكل مباشر إلا عام 2012، وتم ذلك مصادفة خلال تسلمه جائزة سلمان لشباب الأعمال (فئة مبادرات رجال الأعمال لشباب الأعمال)، وخلال تلك المناسبة العامة لم يجر أي حديث بين الأمير وبين التركي، ولم يجر أي اتصال بعدها إلى تاريخه.

ولعل الربط بين الشركة وبين الأمير، يعود إلى حضور الشركة في المشروع المكي العملاق (جبل عمر)، الذي شهد صراعا محتدما على مقاعد مجلس الإدارة انتهى بخروج الأب الروحي للمشروع، رجل الأعمال المكي القدير عبدالرحمن فقيه (الذي يملك من المشروع بشكل شخصي ما نسبته 2 بالمئة إضافة إلى حضوره فيه بشكل غير مباشر عبر شركة مكة للتعمير بما نسبته 10 بالمئة)، ووصول تحالف يملك ما مجموعه 40 بالمئة من المشروع يقال إن أحدهم ولي ولي العهد بنسبة ضئيلة غير مباشرة، مع العلم بأن أهم المساهمين في التحالف الجديد الصناديق الحكومية المتخصصة وآل السبيعي والشيخان صالح كامل وصالح صيرفي.

كان المشروع مسلما كمقاولات إلى شركتي بن لادن وسعودي أوجيه، ولم يكن أداء الشركتين مرضيا بالمرة، فتمكنت نسما مع زميلاتها شركات المقاولات من السير بمشروع جبل عمر في الطريق الصحيح، كتنفيذ، إلى بر الأمان بعد دخوله بطريقة قانونية وشفافة. والحقيقة أن الشراكة الطويلة والعميقة بين نسما وأرامكو من مؤشرات نزاهتها وكفاءتها التي تستحق الدعم كعلامة سعودية ناجحة ومحترمة.

الحملة على ولي ولي العهد معروفة ومشبوهة في محرضيها وأهدافها، وأبلغ رد عليها هو الإنجاز وحماية المال العام وتنميته وعدم الاحتكاك بمشاريع الدولة

يعود مسلسل استهداف صورة محمد بن سلمان إلى عام 2012، حيث نشرت مواقع مجهولة خبر “استيلاء” الأمير على منتزه الخرارة، واتضح أن ذلك غير صحيح، ونشرت وكالة يونايتد برس اعتذارا للأمير الذي لم يكن وزير دفاع أو وليّ وليّ عهد. وتروى قصة أخرى عن قيام الأمير بالهجوم المسلح على قاض في محكمة رغبة منه في “الاستيلاء” على أرض مواطن أو ملكية عامة، وهي قصة غير صحيحة، لكن أساسها يعود إلى جدل قضائي بين الأمير وبين رئيس هيئة البيعة الأمير مشعل بن عبدالعزيز حول قطعة أرض، وحين وصل الأمير إلى المحكمة لمقابلة القاضي لم يجده فبدا استياؤه لمن حوله، وآنذاك أيضا، لم يكن محمد بن سلمان وزيرا للدفاع أو وليا لولي العهد.

حين كان الأمير على رأس العمل في هيئة الخبراء، فوجئ بالملك عبدالله يصدر ترقية استثنائية للموظفين لا تشمله، مع أنها ضمت موظفين أحدث منه وتحت إدارته، فاتجه إلى الديوان الملكي شاكيا، وكان رد الديوان أن الملك قرر عدم منح أي موظف حكومي من الأسرة الملكية ترقية استثنائية، واقترح الديوان على الأمير نقل خدماته إلى إمارة الرياض، فيصبح أمر ترقيته أسهل لانتقالها إلى يد وزير الداخلية (الأمير نايف)، وهذا ما كان.

حين أصبح سلمان بن عبدالعزيز وليا للعهد، انتقل ابنه محمد من إمارة الرياض إلى ديوان ولي العهد مستشارا ومشرفا لا رئيسا للديوان، لأن الملك عبدالله كان أكثر ميلا حينها لاختيار الأمير فيصل بن سلمان لهذا المنصب بحكم معرفته به، بعدها تم وضع الأمير الشاب تحت مجهر الديوان الملكي وسجل له ضبط ديوان ولي العهد وإدارته بكفاءة، وهذا ما فعله أيضا ولاحقا في مكتب والده بوزارة الدفاع، عندها وافق الملك على تعيين محمد بن سلمان رئيسا لديوان ولي العهد ومستشارا خاصا لسموه.

وبعد أن أوتي الأمير رئاسة ديوان والده والإشراف على مكتبه في وزارة الدفاع، أصبح على احتكاك دائم وجياش مع الديوان الملكي ورئيسه الشيخ خالد التويجري، أسعده الله، إضافة إلى الملك عبدالله، بل أصبح الملك يصدر تكليفات للأمير الشاب الذي أصبح مثار إعجاب الديوان الملكي لإنجازه المهام السياسية والاقتصادية في أيام وأسابيع، مع أن غيره كان ينجز مثيلاتها في أشهر وسنوات.

توجه الديوان الملكي بعرض إلى الأمير الشاب كي يصبح أيضا مستشارا في ديوان الملك، لإضفاء الشرعية على المهام الخاصة التي توكل إليه خارج وزارة الدفاع وديوان ولي العهد، شاور الأمير الشاب والده، فكانت نصيحة الوالد هي الاعتذار، إذ ليس منطقيا أن يكون رئيسا في ديوان ومستشارا في آخر، فأبلغ الأمير الديوان الملكي بذلك نصا، ليصدر الملك عبدالله قراره بتعيين محمد بن سلمان وزير دولة وعضو مجلس الوزراء إضافة إلى مهامه الأخرى.

جمع الأمير الشاب في عهد الملك عبدالله ثلاثة مناصب: رئيس ديوان ولي العهد ومستشاره، المشرف على مكتب وزير الدفاع، الوزارة. وفي بداية عهد الملك سلمان جمع بين منصبي رئاسة الديوان الملكي ووزارة الدفاع، ولاحقا جمع مع الوزارة رئاسة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية ورئاسة أرامكو وولاية ولاية العهد. وهذه زاوية جديرة بالتأمل.

ورغم هذه السيرة غير العادية، لاحظنا أسماء محسوبة على الداخل والخارج تستهين من سن الأمير الشابة وتنتقدها، والحقيقة أن هذه الإستهانة هي التي تستحق النقد والتفنيد، فالشباب موقعهم الطبيعي هو القيادة، وتجاهلهم في مجتمعنا وتوصيفهم بالقصّر وعديمي الخبرة خلال عقود خلت هو الذي طبع البلاد بالركود، وأدى إلى تفاقم المشكلات بسبب برودة التعامل معها وبطء اتخاذ القرار والانعزال عن الواقع، وقيادة الشباب هي مظهر تحضر ومن علامات رقي الدول وصحتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا وزير خارجية النمسا عمره 27 سنة، وتلك وزيرة الإسكان الفرنسية في منتصف عقدها الثالث.

وهنا يستحق الملك سلمان كل عرفان نظير رد اعتباره للشريحة الحيوية التي فقدت الأمل لوهلة في وصولها إلى المواقع التي تستحقها في مفاصل الحكم ومؤسسات صنع القرار، بعد أن كانت خلال عقود لا تصل المنصب إلا في أرذل العمر كمكافأة نهاية خدمة يغلب عليها الوجاهة لا العمل. إن نجاح الوزراء الثلاثينيين واجب لأنه يعني نهضة دولة قبل إنصاف جيل، لذا على الجميع دعمهم وتشجيعهم حتى لو بدا أداء بعضهم مثيرا للإحباط.

إذن، نحن أمام حملة واضحة، تستهدف الأمير في نشاطه التجاري وسنه، ومؤخرا علاقاته، فهذا يزعم خلافا مع تلك الدولة، وذاك يزعم امتعاضا من تلك الشخصية، وزاد على ذلك مؤخرا التلسين بخلاف بين ولي العهد وولي ولي العهد، مع أن الأمير محمد بن سلمان ينظر للأمير محمد بن نايف كقدوة تدلل على أن ما يبقى للمسؤول هو عمله الصالح للوطن وللمواطنين.

إن الحملة على الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، معروفة ومشبوهة في محرضيها وأهدافها، وأبلغ رد عليها هو الإنجاز وحماية المال العام وتنميته كمسؤول، وعدم الاحتكاك بمشاريع الدولة، أو التعدي على حقوق الغير كرجل أعمال، وفوق هذا لا بأس ببعض الكلام، إذ لا يعقل أن يجهل العامة صوت وزير دفاعهم، وليس منطقيا أن يبقى طموح ولي ولي العهد بتحقيق المواطنة، وبأن تكون المملكة متفردة في قيادة الشرق الأوسط أسير الصوالين المغلقة وخاصة الخاصة.

استهداف ولي ولي العهد من جهة، وتشويه علاقته بولي العهد من جهة أخرى، إحدى صور التخطيط الممنهج للنيل من المستقبل السعودي في رمزيته، وكما فشلت المحاولات السابقة تاريخيا فإن المستقبل السعودي استقرارا وازدهارا محصن وآمن بإذن الله، والعاقبة للمتقين.

كاتب سعودي

9