ملامح نهاية الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة

الخميس 2016/11/17

لم يستوعب المسيحيون في لبنان دروس سوريا والعراق والتي تعلن، بوضوح، أن درب الإبادات بات سالكا. لا تتعلق المسألة بتغيير خارطة وجود أو ملامح نفوذ، بل ينذر المناخ السائد بنهاية الوجود المسيحي في المنطقة.

مهد المسيحيون لهذه النهايات حين ألحقوا أنفسهم بركب الأقليات، معتقدين أنهم جزء من وديعة دولية وأوروبية في المنطقة، وأن العالم الغربي لن يسمح بأن تتضرر هذه الوديعة أو أن تتعرض للخطر، وأنه سيبادر إلى استخدام ثقله من أجل حمايتها أو تعزيز دورها. الغرب الذي يعول عليه مسيحيو المنطقة لم يمارس معهم سياسة التجاهل وحسب، بل تعامل معهم على أنهم استثمار غير ناجح على الإطلاق، ولا يمكن أن يشكل مدخلا لنفوذ أو لدور ما في المنطقة، بل مجرد إهدار للطاقات والموارد والجهود.

يعود التجاهل الغربي عموما والأميركي خصوصا لمصير مسيحيي المنطقة إلى أسباب أهمها أن مسيحيي المنطقة ليسوا كتلة متجانسة، بل مجموعة من التيارات والمذاهب. تاليا إن أي تعامل معهم يتطلب جهدا شاقا ومتعدد المسارات، وهو ما يتناقض مع التسارع الكبير في بنية الأحداث في المنطقة، والذي يفرض على أي جهة ألا تتعامل سوى مع طرف موحد الكلمة، وقادر على التحرك السريع والتدخل المباشر، وفرض إعادة إنتاج لموازين القوى ولو في إطار محدد.

يضاف إلى ذلك أن المسيحيين هم أقلية غير محاربة، بل متطلبة للحماية والرعاية، كما أن العمليات الإرهابية التي طالت عددا من العواصم الأوروبية أنتجت وعيا قوميا يرفض الآخرين، ويدعو إلى أن تنطوي الأوطان على نفسها وتقفل أبوابها في وجه كل الآخرين دون تمييز. ولعله من الضروري الإشارة إلى أن المسيحيين ينظرون إلى أنفسهم في لبنان والمنطقة بوصفهم تحفا ثمينة ونادرة، ويطالبون بأن يتم التعامل معهم انطلاقا من هذه الصورة، ويفترضون أن المحافظة على التحف تشكل جزءا أساسيا من سياسة العالم في هذه اللحظة.

ربما يكون مفيدا عرض مقارنة بين التصور المسيحي عن الذات، وبين مصير أعرق القطع الأثرية في العالم، والموجودة في المنطقة والتي دمرها تنظيم داعش تحت أنظار العالم دون أن يرف له جفن. كان الخطاب الدولي يكرر أن الآثار هي جزء من التراث الإنساني، وأن تدميرها لا يصيب الشعوب أو الحضارات التي ترتبط بها مباشرة، بل يصيب البشرية كلها بأذى لا يمكن ردمه.

دمر تنظيم داعش أقدم وأهم آثار العالم ولم يصب العالم بأذى، بل بدا أن ما كانت تخبر عنه هذه الآثار لم يعد يمثل سياقا من سياقات تاريخ الإنسانية والذي يربط المنطقة بالتاريخ العالمي، بل بات جزءا من سيرة خاصة لا يمكن أن تكتب إلا بهذه الطريقة.

مات مفهوم التراث الإنساني وحلت مكانه الخصوصيات القاتلة. المصير الذي أصاب الآثار استبدل التاريخ الذي كانت تخبر عنه وحل مكانه، وأنتج لحظة تأسيسية جديدة في عمر المنطقة، وهي لحظة تقوم على القابلية التامة للإهدار المجاني. التحف لم تعد تخبر عن تاريخ المنطقة وهي ليست قابلة للاستعمال إطلاقا. لعل ما قامت به المنظمات الدولية المعنية بالآثار من إعادة تصميم كل تفاصيل المعالم الأثرية المدمرة بطريقة الأبعاد الثلاثة، تخبر أن التوثيق وَضَعها في مكانها الطبيعي والمألوف في نظر العالم الذي امتلكها عبر توثيقها، وتاليا لم يعد لها أصحاب ولا معنى خارج هذه العملية.

مسيحيو المنطقة مؤرشفون وموثقون جيدا وغير قابلين للاستعمال، وهنا تقف حدود علاقة العالم معهم، وتاليا فإن لا مشكلة أبدا في أن يصيبهم مصير المعالم التي دمرها تنظيم داعش. تكمن المفارقة في أن الحل الوحيد الذي يمكن أن ينجيهم من مثل هذا المصير، هو الانتقال من لحظة التحف إلى لحظة القتل، وهو ما ليست لديهم قدرة عليه.

دخل مسيحيو المنطقة عموما، ولبنان خصوصا، في حلف الأقليات دون أن تكون لديهم القدرة على الانسجام مع متطلباته الشاقة، التي لا يتم فيها الاعتراف بأي أقلية ما لم تكن قادرة على انتزاع دور لها من خلال ارتكاب المجازر. من هنا كان الاستثمار في الأكراد استثمارا آمنا وواضح المعالم، وكذلك كان الأمر مع الشيعة الذين نجحوا ليس في إقصاء الأقليات الأخرى في المنطقة وانتزاع دور أساسي لهم، بل استطاعوا عبر التحالف مع أميركا والغرب أن يهزموا الأكثرية السنية في سوريا والعراق.

ولعل النموذج الذي يقدمه مسيحيو لبنان بالغ الدلالة على مآل المسيحيين في المنطقة، فقد أنتج التحالف الثنائي بين القطبين المسيحيين الأكثر حضورا على الساحة أي ميشال عون وسمير جعجع تحت عنوان حقوق المسيحيين صيغا تسعى إلى تكريس خصوصية المسيحيين. سعى هذا التحالف إلى المطالبة بمنح المسيحيين الحق في انتخاب نوابهم عبر الأصوات المسيحية وحسب، عبر إقرار قوانين انتخابية طائفية من قبيل القانون الأرثوذوكسي.

يدل هذا الخطاب على أن المسيحيين في البلد باتوا أشبه بجمعية من مجتمعات المجتمع المدني تقدم مطالبها إلى السلطة.

لا شك في أن السلطة التي يتوجه إليها المسيحيون هي حزب الله. تم تكريس الحزب كضامن لحقوق المسيحيين منذ لحظة فرض ترشيح ميشال عون إلى سدة الرئاسة كمرشح لا بديل عنه سوى الفراغ، وصولا إلى النجاح في إيصاله إلى هذا المنصب بعد رضوخ الطرف السني. اتخذت رئاسة عون، الذي لا يزال حزب الله يصفه بأنه رئيس صنع في طهران، صيغة وصول مطلب حقوق المسيحيين إلى خواتيمه السعيدة. هكذا باتت حقوق المسيحيين جزءا من النفوذ الإيراني في المنطقة.

فقد المسيحيون دورهم الذي كان مرتبطا بفكرة الدولة دون أن يربحوا السلطة، ودون أن ينجحوا في أن ينتزعوا لأنفسهم، في ظل انعدام جدواهم العسكرية توصيف الطائفة.

كاتب لبناني

9