ملامح يقظة القوة الناعمة في مصر

الاثنين 2016/04/04

من الصعوبة أن تعيش على اجترار الذكريات وقتا طويلا، ومن المستحيل إقناع الناس بقيمة بلدك التاريخية والحضارية، بعد أن سقطت منها الكثير من الأوراق والمعالم والحصون اللازمة للتفوق.

هكذا بدت مصر بالنسبة إلى قطاع كبير من أهلها ومحبيها وألد أعدائها، حيث فقدت جزءا مهما من عافيتها الثقافية والفكرية، وخسرت جانبا معتبرا من قوتها الناعمة، وتصور البعض أنها إذا كانت قد كسبت التاريخ، فإنها لن تكسب المستقبل.

ربما تكون فترة الركود التي عاشتها لنحو أربعة عقود لعبت دورا في هذه الانتكاسة، وربما لأن قياداتها السابقين أهملوا السبيكة الكبيرة التي تتمتع بها في مجالات مختلفة، بمعنى هناك مجموعة من العوامل، الداخلية والخارجية، تكاتفت لتغير وجهها الحضاري، وتعيده إلى الوراء سنوات طويلة، وتجعل البعض يتصور أنها هزمت للأبد، بحكم التطورات المعقدة التي مرت بها والتي كادت تلحقها بركب الدول المتفسخة.

من يرى مصر من الخارج، يضعها في هذا الخندق بسهولة، أو يتمنى أن تظل قابعة في قاعه، أملا في ألا تقوم لها قائمة أبدا، ومن يتابع التخبط الذي أفضى إلى تزاحم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يعتقد أنها سوف تلحق بعداد الدول الفاشلة، لكن من يراها بحياد من الداخل، يتأكد أن هناك حركة واسعة تتجه بها نحو المزيد من الأمن والاستقرار، وأن ثمة إرادة قوية للاستنهاض على مستويات مختلفة.

إذا تركنا الحديث عن الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث بدأت تتجاوز الكثير من المرارات التي لازمت النظام الحالي لفترة من الوقت، وجرى التركيز على البعد الثقافي نجد أن ثمة جهدا دؤوبا في هذا الفضاء، شمل رواجا في المؤتمرات والمعارض واللقاءات والإنتاج الفكري برمته، فقد تزايدت المظاهر الفنية، من سينما ومسرح وغناء ومعارض، وما إلى ذلك من فنون تضفي رونقا جديدا، كان قد توارى وسط زحمة الضوضاء السياسية وغياب الرؤية الثقافية.

حتى الدراما لم يعد إبداعها حكرا على شهر رمضان فقط، فالأعمال التي أنتجت خلال الأشهر الماضية مثلت طفرة كبيرة، تشي بأن هناك عزيمة مصرية لاستثمار الفراغ الثقافي الذي تسبب فيه خروج بعض العواصم العربية من حلبة الإنتاج التقليدية، وهي علامة أخرى تزيد من رقعة الانتشار والتأثير.

في ظل الأوضاع التي تعيشها دول مثل العراق وسوريا، والارتباك الذي يعاني منه لبنان، تبدو هناك فرصة أمام مصر للعودة إلى ممارسة دورها الثقافي، عبر قوتها الناعمة، التي تآكل جزء كبير منها بفعل التخبط خلال العقود الماضية. وهناك محاولات جادة لإعادة الاعتبار إلى مكانتها السابقة، خاصة أن دولا مثل المغرب وتونس والسعودية والإمارات، نجحت في توظيف الفراغ الذي تركه ابتعاد هذه الدول عن المنافسة، وحفروا لهم مكانة تضاهي، أو تزيد، ما كان عليه حال العراق وسوريا ولبنان ومصر، وأنهوا خرافة تفوق دول المركز على الأطراف.

الاستفادة المصرية الراهنة، تنبع من جملة من المقومات الرئيسية، أهمها استقطاب عدد من الرموز والمواهب في الدول التي تأثرت بالهزات السياسية والأمنية وضربت دولها الأصلية في مقتل، ففي القاهرة تمكث نخب سورية وعراقية ولبنانية مبدعة، منحت مصر ثراء جديدا وبعدا عربيا مطلوبا، أعادها إلى الأضواء، عندما كانت مركز جذب لعدد كبير من المواهب من أقطار عربية متعددة.

كما أن المقومات البشرية والبنية الأساسية التي تتمتع بها وفرت لها فرصة لتوظيفها برؤية عصرية، تتماشى مع التطلعات التي تحلم بها قيادتها السياسية، والتي تدرك أن الوقت قد حان لضخ الدماء في عروق القوة الناعمة التي كانت تملكها من قبل، وساعدتها على مد بصرها إلى أماكن بدت بعيدة، سهلت من المهام التي تتطلع لها.

ولأن التداخل أصبح جليا بين السياسي والثقافي، تسير القاهرة في طريق عنوانه الاستنهاض التلقائي، الذي ينبع من شعور الأفراد والجماعات الحية في المجتمع بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، والرغبة العارمة في استثمار هذه اللحظة التاريخية، التي يمكن أن تمنح مصر تفوقا نادرا، يعيد إليها البريق الذي تلاشى عنها السنوات الماضية، تفوقا ينبع من إدراك خفي بأن الوقت حان لسد الثغرات والفجوات التي حشرتها في زاوية ضيقة كادت تخنقها.

الواضح أن نقاط الضوء التي سطعت وبدأت تظهر في مجالات كثيرة، لم تخرج كلها من رحم رؤية استراتيجية واحدة، أو أجندة يسير عليها الجميع وفقا لخطوط متوازية، جرى رسمها بعناية بهدف نشر الإبداع، وتعظيم دور القوة الناعمة، لكنها جاءت بالأساس من شعور عام بأن الدولة تتبنى مشروعات كبرى للمستقبل.

ولا بد أن تترافق مع ذلك مشروعات ثقافية تتواءم مع الأمنيات التي تراهن عليها، والسعي نحو تهيئة التربة لتوسيع الاهتمام بالهامش الفكري، الذي كاد أن يختفي خلال السنوات الماضية بسبب عدم الالتفات إليه وتجاهله، سواء جراء فقدان الشعور بأهمية الدور الذي تقوم به القوة الناعمة، أو بسبب التركيز على نواح أخرى، منحت أولوية على حساب الزاد الفكري والثقافي. في حين أن جميع الدول التي لديها طموحات للقيام بدور على الساحتيْن الإقليمية أو الدولية، تملك من الرؤى ما يمكنها من الوصول إلى أهدافها، الأمر الذي بدأت تنتبه إليه النخبة المصرية، مستفيدة من الرغبة التي تراود القيادة السياسية الحالية، في منحها مساحة للحركة من دون مضايقات بيروقراطية، من هنا جاء الانتعاش الذي ظهرت ملامحه في فضاءات ثقافية كثيرة، ويمكن أن يتطور إذا وجد رعاية رسمية لديها رؤية حقيقية.

إذا كانت استعادة مصر لقوتها الناعمة قد تضايق البعض، انطلاقا من صورة نمطية زائفة حول “شوفينية” عدد محدود من نخبها، فإن الأغلبية الكاسحة ترى في هذه العودة دليل عافية، تبعث على الاطمئنان، لأن الأمم تتساقط عندما تفقد جميع مراكزها، مناعتها الفكرية وخصوصيتها الثقافية.

كاتب مصري

9