ملتقى أبوظبي الاستراتيجي يستشرف نهايات الإسلام السياسي وما بعدها

العالم يتجه نحو الحسم السياسي والعسكري مع الجماعات الإسلامية بكل ألوانها المذهبية والطائفية. هذه القضايا وغيرها ناقشها باحثون ومتخصصون على مختلف مشاربهم في ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الذي أنهى أعماله منذ أيام قليلة وخرج بنتائج وخلاصات تتفق في جلها على أن الإسلام السياسي في طريقه إلى الاندثار، وعلى العالمين العربي والإسلامي أن يتهيآ لاستحقاقات المرحلة القادمة.
الجمعة 2017/11/17
من هنا كانت البداية

أبوظبي- لم تغب أطروحة راهن ومستقبل الإسلام السياسي عن أعمال ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الرابع الذي انعقد في 12 و13 من الشهر الجاري. وفيما انهمك مركز الإمارات للسياسات في تنظيم وترتيب الجلسات التي تتطرق إلى مسائل الشرق والغرب وما بينهما، بدا أن الضيوف الأجانب قبل أولئك العرب مهتمون بالنقاش الجاري حول طبيعة الإسلام السياسي في حاضر المنطقة، ومهتمون بتأمل المآلات التي قد وصل إليها أو التي قد يصل إليها في المديين المتوسط والطويل.

ويتم الجدل في هذه المسألة على قاعدة تراجع تيارات الإسلام السياسي في كافة بلدان المنطقة. تبدو بقاياها تجاهد من أجل البقاء وتلملم خيباتها في الميادين التي اخترقها ما أطلق عليه جزافا اسم “الربيع العربي”.

الدعوي والسياسي

فصل زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي ما هو دعوي عما هو سياسي، وتراجعت تشكلات الإسلاميين في ليبيا واختلط ما هو إرهاب بما هو أقل منه، وانهارت جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبات صوت الإسلاميين محرجا ومربكا في العراق وسوريا واليمن. ومع ذلك يبقى النقاش جاريا حول ما إذا كانت هذه التطورات تمثل نهاية للإسلاموية بنسخها المتعددة، أم هي مجرد لحظة خفوت تنتظر نضج ظروف لحظة أخرى للعودة إلى التسرّب من شقوق أي وهن دولي إقليمي حيال ظواهرها.

يسعى الدكتور مصطفى العاني، مستشار أول ومدير برنامج دراسات الأمن والإرهاب في مركز الخليج للأبحاث، إلى تقديم تفسير لظهور الإسلام السياسي في الأصل. يعتبر الرجل أن “الإسلام السياسي هو ابن الفراغ الذي ولده فشل الأيديولوجية الصارمة”. وفي ذلك ما يقترب من إجماع عام يرى أن عقائد الإسلاميين أتت ترث غياب العقائد الأخرى. فلا شك أن انهيار الأيديولوجيا في العالم، وبالتالي اندثار تلك اليسارية والقومية التي راجت بعد فترة الاستقلالات في المنطقة، حوّل الدين إلى ملاذ للمحبطين، ما روّج للمنتوج الديني بصفته خلاصا إلهيا يحل مكان خلاص وعدت به أفكار البشر.

غير أن الباحث والأكاديمي الموريتاني عبدالله ولد أباه الذي يقر بهذه الحقيقة، يرى أن “الإسلام السياسي وصل إلى مأزق وأنه يعيش انفصاما”. لم تقدم تياراته حلولا ناجعة وبدت غريبة عن نسيج المنطقة السياسي والمجتمعي، ليلاحظ أيضا أنه “لم يعد هناك استعداد لاحتضان دولي لجماعات الإرهاب”، بما يعني أن تلك التيارات التي حظيت برعاية وغض طرف دوليين خسرت حواضنها الداخلية وخسرت سقوفها الدولية.

ويؤكد الدكتور رضوان السيّد، أستاذ الدراسات الإسلامية الزائر في الجامعة الأميركية في بيروت، حقيقة راسخة: “ليس للإسلام السياسي أي مستقبل وسط القواعد الشعبية في المنطقة العربية”. لكنه في نفس الوقت يبدو متوجسا من تربص الإسلاموية بأي ارتباك أو ضعف يظهر في بلدان المنطقة. يقول السيد إنه “يجب الإيفاء بمتطلبات مكافحة الإرهاب في المنطقة بدلا من انتظار العالم مكتوفي الأيدي”.

وما يقوله الرجل يؤكد نزوع أنظمة المنطقة إلى التعامل مع علّة الأرهاب بصفته شأنا محليا وليس شأنا دوليا، وأن المهادنة والبراغماتية والماكيافيلية التي تعامل وقد يتعامل بها الغرب مع جماعات الإسلام السياسي، لن تكون ديدنا مقبولا لدى عواصم المنطقة، وأن الحزم، والحزم فقط، هو الكفيل باجتثات تلك الآفة من حاضر المنطقة ومستقبلها. غير أن العاني، وهو المختص في شؤون الأمن وهو زميل مشارك في معهد “روسي” للدراسات الدفاعية في المملكة المتحدة، يلمّح إلى أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون مقاربة أمنية فقط، ويرى أن “القضاء على الإرهابيين يقتضي تغيير بيئة الاضطهاد والقهر والفقر”. وفي هذا ينضم إلى الداعين إلى حرمان الإرهاب من بيئة تمكنت في سوريا والعراق، مثلا، وبسبب خلل بنيوي سياسي خطير، من توفير حاضنة تنصت لخطاب الإرهاب وحججه.

ويضيف العاني بعدا آخر لهذا الإرهاب يستند على طبيعة الدين الإسلامي نفسه والذي يتيح لجماعات الإرهاب أن تجد فيه ملاذات تبرر جرائمها. يذكّر العاني بأن “الإسلام لا يشبه أي ديانة أخرى، فهو ‘الدين الوحيد الذي يمتلك بعدا عسكريا\'”. وفي ما يدفع العاني من حجج دعوة إلى الدين لمعالجة شوائب المتدينين. يقول الرجل “لا يمكن محاربة الإرهاب إلا عبر الإسلام المعتدل”، وفي هذا التمرين جدل فقهي عميق عتيق حول ماهية ما يطلق عليه بـ”الإسلام الصحيح”.

مقارنة بلا منطق

غير أن ولد أباه، وهو أستاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة نواكشوط، يتجاوز النقاش حول فقه الدين ليلاحظ أن “أطروحة الإسلام السياسي غريبة لا وجود لها في الفكر الإسلامي الكلاسيكي”، ويرفض فكرة أن التيارات الإسلاموية في المنطقة تشبه تاريخيا تيارات المسيحية في الغرب، مؤكدا أن “المقارنة بين الإخوان المسلمين وغيرهم من جماعات الإسلام السياسي من جهة والأحزاب اليمينية المسيحية في أوروبا من جهة ثانية، تفتقر إلى المنطق”.

ويتهم السيد “الإخوان وملالي إيران بالتشارك للتلاعب بالدين وتطويعه خدمة لمصالحهم”. وحين تأتي هذه الاتهامات من رجل قضى عمره مدافعا عن الإسلام باحثا في متنه وهوامشه، فإن ذلك يعني أن الإسلام السياسي الذي طالما شكل تهديدا للنظم والمجتمعات في العالمين العربي والإسلامي، بات مهددا للدين وفكرة التدين.

يقول السيّد إنه “إذا أردنا أن يبقى الإسلام دينا يحترمه الناس لا يجب أن نقحمه في السياسة”. بمعنى آخر لم تعد مكافحة الإسلامويا حاجة أمنية سياسية اجتماعية، بل صارت مطلبا دينيا صونا للدين الحنيف. يرى السيد أن الإسلام السياسي في تراجع وأن “فشل النظام الإيراني المخرب أكبر دليل على سقوط الدولة الدينية”.

على أن النقاش يخرج بخلاصات تستشرف دخول المنطقة والعالم عصر ما بعد داعش والقاعدة والإخوان، لكن جل النقاشات الأخرى التي شهدتها أعمال “الملتقى” تشي أيضا بأن اندثار الإسلاموية ببعدها السني سينسحب آليا على ذلك الشيعي، وأن العالم متجه إلى التعامل مع إيران، ليس فقط بصفتها دولة راعية للإرهاب، بل بصفتها راعية للإسلام السياسي، السني والشيعي وحتى الجهادي الذي لم يشهد ازدهارا إلا منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

13