ملتقى أبوظبي الاستراتيجي يكرس دور الإمارات منصة دولية لبحث أزمات المنطقة

بحثت أعمال الدورة الثانية لملتقى أبوظبي الاستراتيجي التحديات الراهنة والناشئة التي تهم دول مجلس التعاون الخليجي ودول المنطقة عموما، في سياق جهد فكري لمركز الإمارات للسياسات حاول أن يؤسس فيه نموذجا لفهم وتفسير التحولات التي طالت النظامين الدولي والإقليمي والتنبؤ بمساراتها، فالعالم يتغير بشكل سريع ونوعي غير منتظم وعلى شكل صدمات تبدو عصية على التفكيك والتحليل والفهم ما يزيد بالتالي صعوبة التنبؤ بالتغيرات والأحداث وتطوراتها، وقد ولدت التحولات والصدمات والفضاء المعلوماتي تحديا جديدا في فهم القوة وفي فهم عملية بنائها تاليا.
الثلاثاء 2015/11/03
ملتقى أبوظبي الاستراتيجي يقارب الموضوعات الإقليمية من زاوية التغيرات في سياسات القوى الدولية حيالها

أبوظبي - تفرض الأوضاع الراهنة على مختلف الدول في المنطقة، وخصوصا الدول التي تتخذ مسافة من الصراعات الدائرة وتتعامل مع مختلف ملفّاتها بموضوعية شرطها الوحيد عدم المساس بالأمن القومي الوطني والإقليمي، أن يتجاوز دورها المشاركة في جلسات الحوار الدولية أوالمساهمات العسكرية وتقديم المساعدات.

بل على هذه الدول أن تكون منصة تجمع الفاعلين الدوليين والإقليميين حول خريطة اتجاهات القوى الإقليمية والدولية، وكذلك تعزيز جهود صناعة السياسات بينهم للوصول إلى فهم مشترك. وقليلة هي دول المنطقة التي استوعبت هذه الضرورة وفتحت مراكز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية لتحقيق هذه المعادلة واستضافة مختلف الندوات والفاعليات التي تناقش قضايا المنطقة الملحة بموضوعية تفرضها الأسماء المشاركة والمساهمة في هذه الفعاليات التي هي جزء من الدبلوماسية السلمية المطلوبة.

ومن أحدث الملتقيات التي انتظمت لهذا الغرض ملتقى أبوظبي الاستراتيجي، الذي يحرص، كما جاء في كلمة ابتسام الكتبي رئيسة مركز الإمارات للسياسات، الجهة المنظّمة للملتقى، على ألا يكون “مجرد تظاهرة إعلامية أو حملة علاقات عامة”، مشيرة إلى أن استمرار عقده سنويا نابع من أن تكون أبوظبي إحدى عواصم الملتقيات الإقليمية والدولية ومصنع من مصانع الأفكار الاستراتيجية.

ولأن المركز ينطلق في فكرة الملتقى، الذي ينّظمه بالتعاون مع وزارة الخارجية الإماراتية ومجلس الأطلسي، من أن دول مجلس التعاون الخليجي وعمقها الاستراتيجي ليست محل تأثير القوى الإقليمية والدولية فقط، بل هي فاعل إقليمي ودولي مؤثّر، كان من الطبيعي أن يتناول الملتقى الاستراتيجي الثاني موقع الخليج العربي في العالم الجديد الذي يشهد تغيرات سريعة وفي منطقة تشهد تحولات عنيفة وفهم التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وكذلك الفرص التي تقدمها هذه التغيرات العالمية والإقليمية لدول الخليج واستشراف السيناريوهات المتوقعة للدور الخليجي في المشهد الإقليمي، خاصة بعد عملية عاصفة الحزم والتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.

محيط الخليج العربي يموج بالاضطرابات: حروب في سوريا وليبيا واليمن والعراق وتمدد داعش وتدخل إيران وروسيا

وتحدّث في هذه المواضيع، على مدى يومين، أكثر من 300 سياسي ودبلوماسي واقتصادي وأكاديمي من نحو 40 دولة، عملوا كما قالت الكتبي على “محاولة إيجاد بدائل وسياسات استراتيجية تسهم في جعل العالم والمنطقة أكثر استقرارا، بعد أن أصبح الأمن الجماعي الدولي مهددا بالإرهاب والصدمات الاستراتيجية وتهديدات الفضاء المعلوماتي وغيرها من التهديدات “.

في سياق التركيز على الدور الخليجي حملت الجلسة الأولى عنوان “الخليج في العالم الجديد”، وتضمّنت تساؤلات واضحة حول جملة من القضايا الأمنية والاستراتيجية بالغة الحساسية التي تضغط الآن وأكثر من أي وقت مضى على صناع القرار الخليجيين وشعوب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للوصول إلى مقاربات تتجاوز توصيف الأزمات إلى رسم معالم لسياسات واستراتيجيات قادرة على حفظ الأمن والسلم الخليجيين وسط تحديات متجددة.

وفي هذه الجلسة قال جيمس جونز، المستشار السابق للرئيس الأميركي باراك أوباما لشؤون الأمن القومي، رئيس مجلس إدارة مركز برنت سكوكروفت للأمن الدولي في المجلس الأطلسي، إنه يجب على الولايات المتحدة الأميركية التوقف عن اتباع سياسة قائمة على رد الفعل واتخاذ قرارات متأخرة فيما يتعلق بشؤون الخليج والمنطقة.

ودعا جونز دول الخليج العربي إلى تشكيل حلف عسكري فيما بينها شبيه بحلف الأطلسي حيث يعتبر التهديد لأي عضو فيه هو تهديد لجميع دول التحالف، مشددا على أهمية أن تتخذ الولايات المتحدة الأميركية خطوات جدية في دعم حلفائها في هذا الحلف تعزيزا لمناخ الثقة الذي بات مهددا بين الجانبين، وحماية أيضا لمصالح الولايات المتحدة نفسها.

ولأن القراءة الموضوعية لما يجري تفرض إلماما تاما بكل المؤثرات والأسباب والتداعيات المحيطة بما يجري في المنطقة اليوم، كان من الطبيعي أن يركّز المتحدّثون في الجلسة الثانية للمتلقى على “التحولات الداخلية في بلدان الربيع العربي” ورصد تأثير هذه التغييرات في البلدان العربية التي تمر بمراحل انتقالية عسيرة على المنطقة وتحديدا على دول الخليج.

ابتسام الكتبي: المنطقة لم تتخط المرحلة الانتقالية بعد وستظل ساحة للنزاعات الدولية

تدخلات خارجية

كان صراع القوى الإقليمية المحموم من أجل توسيع النفوذ وفرض واقع جديد في المنطقة وفرص التعاون المحتملة، محور نقاشات جلسة الحوار الثالثة، في ندوة حملت عنوان “تجاذب وتنافر القوى الإقليمية (إيران، تركيا، الصراع العربي الإسرائيلي).

في سياق الموضوع، تحدث سلطان النعيمي عن الطموحات النووية الإيرانية، قائلا إن “دول الخليج والمنطقة العربية لا تعارض امتلاك إيران برنامجاً نووياً سلمياً، لكن الخلاف يتمحور حول عدم وجود ضمانات حقيقية وكافية، تكبح مطامع طهران النووية في امتلاك التكنولوجيا النووية واستخدامها لأغراض غير سلمية”.

واختتم اليوم الأول للملتقى بتحليل “الصدمات الاستراتيجية والاتجاهات المستقبلية” بهدف وضع اليد على التوجهات المستقبلية التي تتشكل في الوقت الراهن وأهم السيناريوهات التي ستواجهها البشرية بفعل التحولات العميقة الطارئة في منطقتنا العربية والعالم.

وقال سيرجي ألكساشنكو، النائب السابق لمحافظ المصرف المركزي الروسي، خلال هذه الجلسة إن “التغيير الطارئ على سياسات روسيا هو في الواقع تغيير في موقف بوتين الذي وصفه بالسياسي الانتهازي الذي اختزل روسيا في شخصه”.

وأضاف ألكساشنكو أن “تدخل بوتين في سوريا جاء بطلب من الإيرانيين بهدف إنقاذ نظام الأسد”، معتبرا أن روسيا لا تعمل بالضرورة على الاستقرار في المنطقة، لكنه أنحى باللائمة كذلك على الغرب الذي لم تنتج تدخلاته العسكرية العديدة في العالم عن أي نموذج ناجح باستثناء البوسنة وكوسوفو.

من جانبه، قدم محمد بن هويدن رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات رؤية مختلفة عن طبيعة الفاعلين المؤثرين في صياغة النظام العالمي الجديد، عندما قال “إن كل الوقائع تشير إلى أن الشرق الأوسط سيكون مؤثرا وليس الصين أو أفريقيا أو الاتحاد الأوروبي؛ فتراجع الدور الأميركي والصعود الروسي مؤخرا وتحديات أزمة اللاجئين وتقلبات أسواق النفط كلها ظواهر مرتبطة بمنطقتنا وتؤكد جميعها أن ما يحدث عندنا ينتقل إلى بقية دول العالم ويؤثر فيها“.

وأضاف أن “دولة الإمارات مدركة لهذه التحولات لهذا حزمت أمرها وقررت مع شركائها في المنطقة تحمل مسؤولياتها لملء الفراغ الذي أرى أن الانكفاء الأميركي خلفه“.

تركيا وضعت العالم العربي في قلب مركز مشروعها واعتمدت القوة الناعمة والشراكات الاقتصادية لزيادة نفوذها

وتحدث فريديريك كيمب، الرئيس التنفيذي لمجلس الأطلسي، عن سيناريوهات المستقبل في ظل المخاطر والتحديات الناجمة عن بروز قوى جديدة وتراجع أخرى تقليدية في سيناريو يذكر بعالم 1949 و1990 في إشارة إلى الحرب الباردة. وقال إن الأزمة في سوريا تأخذ أبعادا عالمية وهي مرشحة إما لمزيد من التدهور أو لاستمرار الدولة لكن دون سيطرة حقيقية. وأضاف إنه يرى نقطة إيجابية في المنطقة يمثلها النموذج الإماراتي لكنه أعرب عن اعتقاده لحاجته إلى عمل دؤوب من أجل تعميمه.

القوة في عصر الثورة الرقمية

جلسات اليوم الثاني اتخذت أبعادا أخرى غير الصراعات في المنطقة على غرار موضوع الجلسة الأولى الذي تطرق إلى القوة في العصر الرقمي، وفيه تحدّث توماس رايت، الباحث ومدير مشروع النظام الدولي والاستراتيجية في معهد بروكنغز بالولايات المتحدة، قائلا “إننا جميعا مطالبون اليوم بالبحث في دور القوة بعالمنا المعاصر الذي رسمت الثورة الرقمية ملامحه إلى حد كبير خلال الـ20 عاما الأخيرة وأن نفكر في ما يجب علينا معرفته مسبقا ونحن نبحر بسرعة فائقة نحو مستقبل العالم الرقمي”.

وأضاف أن “العالم بدوله ومنظماته غير الحكومية وأفراده يجب أن يكون مستعدا منذ الآن للتغيرات الهائلة المتوقع أن يفرضها التقدم الرقمي بتعقيداته على شكل وأسلوب ومستقبل الحياة البشرية”.

أما عن علاقة الإرهاب بالثورة الرقمية، فتحدّث عنها باري بافل، نائب رئيس ومدير مركز برنت سكوكروفت للأمن الدولي التابع للمجلس الأطلسي، الذي قال إن “تطورات الأوضاع في مناطق الصراع لا سيما في الشرق الأوسط قد أنتجت شبكات إرهابية ذات بنى مركبة ومعقدة استطاعت أن تكون من أبرز المستفيدين من الطفرة الرقمية، فتنظيم داعش مثلا يستخدم الفضاء الإلكتروني للتجنيد والتمويل والتسويق ونشر الرسائل ذات المحتوى الدعائي بشكل لافت وسريع للوصول إلى جميع أنحاء العالم”.

وأكّد نفس الخطر أندريه كورتونوف، مدير عام مجلس الشؤون الدولية في روسيا ومؤسسة أوراسيا الجديدة في موسكو، الذي يرى أن “مفهوم القوة قد اختلف جذريا خلال السنوات الـ50 الأخيرة إذ أصبح بإمكان الدول وحتى بعض المنظمات الأمنية والميليشيات الإرهابية أن تعبر الحدود بسلاسة وأن تخوض حروبا إلكترونية ضارية من بعيد وتنتصر فيها في عالم الواقع على قوى تقليدية لطالما عرفت بالصلابة“.

واعترف كورتونوف أن “من المنظمات والأفراد الذين يقودون الثورة الرقمية في العالم اليوم وحتى أولئك الذين هم عملاؤها في السوق الرقمية قد تفوقوا على القطاعات الرقمية التابعة للدول المركزية لأنهم أرقى علما وأكثر تعليما وخبرة من غيرهم”.

المشروع الجيوسياسي الإيراني أصبح ينتهج سياسة طائفية واضحة في المنطقة العربية

وأجابت الجلسة الثانية من أعمال اليوم الثاني لملتقى أبوظبي الاستراتيجي على أسئلة ضاغطة يطرحها التطور التكنولوجي من قبيل تأثير تطور المقدرات المعلوماتية للدول وللفاعلين ما دون الدولة على مفاصل السلطة والعلاقات الدولية وعلى مفهوم الدولة الوطنية. حيث وصف ناصيف حتى، مندوب جامعة الدول العربية في الأمم المتحدة، الإنترنت بأنه أداة “حررت العالم ولكن جعلته أكثر فوضى. فبقدر ما ساعدت على دمقرطة انتشار المعلومات وتدفقها بقدر ما أن هناك أطرافا تعمل من خارج أطر الدولة”.

وأضاف أن عولمة الفضاء المعلوماتي تسببت في “بلقنة” خريطة الأمن المعلوماتي وتسببت في حرب باردة جديدة تجري في الفضاء الرقمي، مؤكدا على ضرورة الموازنة بين ضرورات الأمن والحفاظ على المصالح وبين حماية الحريات الفردية.

ومن جهته ركز فيتالي ناومكن، مدير معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، على استعمال الفضاء المعلوماتي كأداة جديدة في الحروب متوقعا أن يزيد اللجوء إليه في الحروب المستقبلية التي تقوم على ثلاثة أضلع هي القوات الخاصة والطائرات بدون طيار والسلاح المعلوماتي.

وقدم الملتقى في يومه الثاني قراءة في عمليات التحول التي تشهدها بعض الاقتصادات المؤثرة في العالم ضمن جلسة حملت عنوان “إعادة هيكلة النظام الاقتصادي”، إلى جانب تأثير الفضاء المعلوماتي في القوة والدولة”.

وبين الخبراء المشاركون في هذه المناقشات المتعلقة بهيكلة النظام الاقتصادي رؤاهم الخاصة بالمخاضات الصعبة للاقتصاديات التي تشهد عمليات انتقال وتحول تؤثر على مناخ الأعمال الوطني والدولي والتوجهات والمسارات المستقبلية لهذه الاقتصادات وفي مقدمتها الاقتصاد الصيني.

التطرف والإرهاب

ولا يمكن فصل ما تم الحديث عنه في الجلسات السابقة، عن موضوع الإرهاب، الذي قالت عنه ابتسام الكتبي إنه بات ظاهرة معولمة والتعامل معه يقتضي استهداف فكر التطرف وجماعاته والإقرار بوجود مسوغات للتطرف في جذورنا الثقافية.

وأضافت في ختام الجلسة التي كان عنوانها “التطرف والإرهاب: الخارطة العالمية الأنماط والاستراتيجيات” قائلة إن “هناك تناسبا عكسيا بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وبين الإرهاب، وتجربة المملكة المغربية دليل على ذلك؛ لتختتم الملتقى وقد فتحت الباب لموعد ثالث من ملتقى أبوظبي الاستراتيجي العام القادم.

7