ملتقى إماراتي أردني يبحث في عمان تاريخ الأدب العربي

يأتي “ملتقى مواجهة تاريخ الأدب” الذي تنظمه مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، بالتعاون مع مؤسسة عبدالحميد شومان تعزيزاً لأواصر التعاون العلمي والثقافي بين المؤسستين، وتنفيذاً لاتفاقية التعاون، التي تم توقيعها في دبي عام 2010، والتي نصت على تنفيذ مشروعات مشتركة وتبادل المعلومات والوثائق بصورة منتظمة، ويشتمل الملتقى على جلسات حوارية عدة.
الأربعاء 2016/09/28
محسن الموسوي ناقش التحولات في مفهوم التاريخ

عمّان- تختتم الأربعاء فعاليات “ملتقى مواجهة تاريخ الأدب” الذي تنظمه مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية ومؤسسة عبدالحميد شومان، يومي 27 و28 سبتمبر الجاري في مقر منتدى شومان الثقافي بالعاصمة الأردنية عمّان، ويهدف الملتقى إلى تقديم نقد موضوعي لوسائل ومحطات الثقافة العربية، وذلك بمشاركة خبراء عرب في تاريخ الأدب.

فوكو والتاريخ

تضمن اليوم الأول من الملتقى ثلاث جلسات، الأولى أدارها وزير الثقافة الأردني الأسبق صلاح جرار، اشتملت على بحثين، الأول قدمه الباحث محسن الموسوي، من العراق، بعنوان “تحولات في مفهوم التاريخ: التاريخانية الجديدة والتاريخ كسرد”، والثاني للباحث حسن مدن من البحرين بعنوان “التحقيب في الثقافة العربية”. وبين الموسوي اهتمام المفكرين المعاصرين، عرباً وأجانب، بالمستجدات المفاهيمية للتاريخ والسرد، لافتا إلى مقولات البعض منهم في هذا السياق، ومعرجا على ما يسميه “الدفعة الفعلية التي تولدت عن التاريخانية وحفريات المعرفة عند ميشيل فوكو، والتي جاءت في ثمانينات القرن الماضي عندما عرض ستيفن غرينبلات فكرة تعالق الإنتاج الأدبي والفكر بالسياق الثقافي”.

وعرّج على بحث ميشيل فوكو في ظاهرة الانفراط والانشقاق، إضافة إلى أثره في التاريخ الأدبي العربي، وكذلك على كتابات ستانلي فش وآخرين لمقارنة الاتجاهات والمفاهيم عند العرب في عالم متداخل. كما أكد الباحث على ضرورة التحقيب لدى دراسة التاريخ، بما فيه الأدبي، لتتبع مراحل التطور في الظاهرة أو المسألة موضوع البحث، لرؤية أوجه الصعود أو النكوص في مسارها. وإضافة إلى ذلك تطرق الباحث إلى “البعد الإجرائي”، باعتباره تصورا نظريا لمعالجة موضوع تاريخ الأدب والثقافة عامة، ووسيلة علمية تجريبية تقصي وقائع موضوع تاريخ الأدب، وتأطير الموضوع.

هناك علاقة للنظرية الغربية الحديثة بتحولات تاريخ ثقافة أوروبا، وتحولات التاريخ الأدبي، ولها انعكاس على البعض من الممارسات العربية

أما الجلسة الثانية فقد أدارها الأكاديمي غسان عبدالخالق، وتشتمل على ورقة بعنوان “تحقيب الأدب العربي لدى المستشرقين”، قدمتها غادة خليل من الأردن، وتتبعت فيها أربع تجارب للتحقيب الأدبي في تراث المستشرقين، اعتمدت الأولى منها التحقيب بحسب العصور السياسية وهي تجربة بروكلمان، واعتمدت الثانية تقسيما زمنياً قوامه الظاهرة الأدبية والفنية الغالبة، وزاوجت الثالثة بين الظاهرة الأدبية والوضع السياسي الحضاري العام والبيئة المكانية وهي تجربة هاملتون جيب، أما الرابعة فهي للمستشرق شارل بلّا، الذي يقسم الأدب العربي إلى أربع مراحل رئيسية تبعاً لحالة الأدب فيه.

أما الجلسة الثالثة فقد أدارها علي الشرع، وقدم فيها الباحث محمد الشحات من مصر ورقة بعنوان “كيف تتعامل النظريات الحديثة مع تاريخ ثقافة أوروبا؟”، فيما قدم الشاعر عبده وازن من لبنان ورقة بعنوان “ميشيل فوكو والتاريخ”.

وبيّن الشحات كيفية تعامل النظريات الحديثة مع تاريخ ثقافة أوروبا، من خلال مقاربة موضوع علاقة النظرية (الغربية) الحديثة بتحوّلات تاريخ ثقافة أوروبا، وتحولات التاريخ الأدبي، ومدى انعكاس هذه التحولات على البعض من الممارسات العربية. وفي سبيل ذلك تناول علاقة المصطلح النقدي بمرجعيته الثقافية التي تتشكل حدود المفهوم في ضوئها، والتي ينبني عليها، واستراتيجيات ممارسة المصطلح. وألقى الشحات الضوء على محاور رئيسية، مثل أثر المرجعيّة الثقافية الأوروبية في النظرية الأدبية الحديثة، وجدل النظرية والتاريخ الثقافي، وأزمة المصطلح النقدي بين فضاء النظرية واستراتيجيات الممارسة، وغيرها من المحاور.

أما وازن فقدم في بحثه استقصاء لفكرة التاريخ لدى المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، لافتاً إلى أنها فكرة “معقّدة ومركّبة في المعنى المعرفي”. وهو يبين أن مقولة التاريخ لدى فوكو تدور حول محاور ثلاثة يرتكز عليها الخطاب المتعدد الحقول؛ الأول نقد التاريخ كمفهوم أفقي ومتواصل، ونقد الخطاب الذي حوّله المؤرخون إلى تاريخ نصّي هائل. والثاني يقوم على ما يسميه فوكو “فكرة الحدث”، والثالث هو العمل التوثيقي أو الأرشيفي، وفيه يشارك فوكو مؤرخين اعتمدوا هذا المنهج التاريخي.

أدب النهضة

يشتمل الأربعاء وهو اليوم الأخير من الملتقى على ثلاث جلسات، الأولى يديرها محمد أحمد المجالي، ويقدم فيها الباحث أحمد بوحسن من المغرب ورقة بعنوان “مراجعات نقدية لفكرة عصر الانحطاط”، كما يقدم الناقد جابر عصفور من مصر ورقة حول “النهضة وعصر التنوير”. ويبحث بوحسن في القضايا الأساسية التي أثارها كتاب “الجمهورية الإسلامية للآداب في العصر الوسيط: تشييد المعرفة العربية” لمحسن جاسم الموسوي، لافتاً إلى أنه من أهم الدراسات النقدية المعاصرة الجادة التي حاولت أن تعيد النظر في مفهوم عصر الانحطاط المتداول في تحقيب تاريخ الأدب العربي منذ عصر النهضة العربية الحديثة.

عبده وازن يناقش تاريخ الأدب
ويبين أن الكتاب اعتمد على مرجعية نظرية ذات بعد إبستمولوجي، وتكويني، ومقارن، وكذلك اتبع منهجية قائمة على تعدد التخصصات، ومعتمدة على التفكيك والتركيب. أما عصفور فيتتبع البناء الفكري عند طه حسين، والذي يرى أنه يقوم على خمسة محاور أساسية، المحور الأول يتصل بالحرية بكل معانيها، والثاني العدالة، أي العدالة المعرفية التي تتيح العلم للجميع وتجعل الثقافة كالماء والهواء. أما الثالث، فهو الإنسانية التي تجعل الوعي الفردي يجاوز الوعي الوطني مع إيمانه به، إلى الوعي القومي ومنه إلى الوعي الإنساني.

والمحور الرابع بحسب عصفور هو الإيمان بالتطور، ما دفع طه حسين إلى ألّا يقيد نفسه بآراء السابقين في البحث الأدبي أو التأريخ للأدب. أما المحور الخامس فيرتبط بالنظرة المستقبلية، فقد كان طه حسين يرى أنه لا بد دائماً من استشراف المستقبل وتغيير أوضاع الحاضر بما يقتضيه التفكير في هذا المستقبل. وفي الجلسة الثانية التي يديرها الباحث عبدالباسط الزيود، تقدم الباحثة امتنان الصمادي من الأردن ورقة بعنوان “هل أخفقت النهضة؟”، فيما يقدم شكري المبخوت من تونس بحثاً حول “أثر مفاهيم التاريخ الأدبي في كتابة أدباء النهضة”.

وتحاول الصمادي في ورقتها الإجابة عن سؤال: هل أخفقت النهضة؟ لافتة إلى مدى الحاجة لمواجهة المنجز الفكري والثقافي والأدبي والنقدي العربي منذ التأريخ للنهضة العربية بالحملة الفرنسية على مصر إلى يومنا هذا. أما المبخوت، فيحاول في ورقته استجلاء المفاهيم التي نُسجت بها قصّة الأدب العربي في عهد النهضة لدى مؤرّخي الأدب العربيّ، لافتاً إلى أن استخراج مكوّنات قصّة أدب النهضة عند مؤرّخي الأدب والرؤية الأيديولوجيّة التي تشدّها يمثّل منطلقَ البحث في المسألة.

ويختتم الملتقى فعالياته بالجلسة الثالثة التي يديرها الأكاديمي شكري عزيز ماضي، وتقدم فيها الباحثة هالة فؤاد من مصر بحثاً بعنوان “الفلسفة في المواجهة: تساؤلات وإشكاليات”، فيما يقدم الناقد فيصل دراج من الأردن ورقة حول “أبرز مشاريع التجديد في التاريخ”. وتحاول فؤاد في ورقتها التوطئة لسؤالها “ما جدوى الفلسفة؟”، التأكيد بالتالي على “أنها من أعظم ما أبدعه العقل البشري في مسيرته الحضارية الطويلة”.

ويتتبع دراج علاقة الأدب بالتاريخ من خلال كتب يرى أنها تتيح تأملاً خصيباً لبدايات الأدب العربي. ويبين أن الأدب والتاريخ يتميزان بتبادلية العلاقة، فالأول واقعة اجتماعية تضيء معنى التاريخ، والثاني، في مستوياته المتعددة، مرجع تكوّن الإنتاج الأدبي، في أشكاله المختلفة. ويشير دراج إلى أن كتاب طه حسين “في الأدب الجاهلي” يحتل أهمية خاصة في تأمل علاقة الأدب بالتاريخ.

15