ملتقى الشعراء الطلبة العرب يدعو إلى تأسيس أيام قرطاج للشعر

الشعر مازال له وقعه وتأثيره بعيدا عن التقسيمات الجيلية التي أثبتت فشلها في تجزئة الإبداع زمنيا أو رؤيويا، بينما الشعر هو الأقدر على توحيد الناس حول قضايا الإنسان التي وإن اختلفت فهي واحدة، ولذا نظم المركز الثقافي للفنون الدرامية والأنشطة الثقافية الحسين بوزيان بتونس العاصمة الدورة الأولى من “ملتقى الشعراء الطلبة العرب” الذي ضم مختلف الأجيال والتجارب الشعرية.
الثلاثاء 2016/04/12
كسر الحدود بين الأجيال

اختتمت، مساء السبت الماضي، بالمركز الثقافي للفنون الدرامية والأنشطة الثقافية الحسين بوزيان بتونس العاصمة الدورة الأولى من ملتقى الشعراء الطلبة العرب، الذي نطمته وزارة التعليم العالي التونسية أيام 7 و8 و9 أبريل 2016.

وشمل الملتقى مسابقة للطلاب الشعراء، شاركت فيها جنسيات مختلفة منها تونس والسودان وفلسطين وسوريا، كما ضم الملتقى أمسيات شعرية وفنية توزعت على ثلاثة أيام من عمر الملتقى، الذي جاء تحت شعار “الشعر والمقاومة، مقاومة الجهل الظلم الفقر العنف”، وهذا إيمانا من المنظمين بأن الكلمة هي السلاح الأول ضد كل ما يمكن أن يصيب الإنسان وأن يشكل خطرا على كيانه.

إصغاء وتساؤل

الافتتاح كان يوم السابع من أبريل بأمسية شعرية مميزة للشعراء نوري الجراح من سوريا ومن تونس محمد علي اليوسفي وسفيان رجب، وقدم الشعراء قصائد حداثية تفاعل معها الجمهور بشكل لافت، حيث كسر ذلك المقولة الدارجة بأن الأماسي لا تنجح إلا مع الشعر المنبري، فقد كان الحضور متفاعلا مع ما قدم من قصائد النثر والتفعيلة، مصغيا إلى دقائق النصوص وتفاصيلها، فكأنما في حضرة الشعر سكنت النفوس واحتفلت بلذة الكلمات. وبعد قراءة الشعراء، قدمت فقرة مصورة إحياء لروح فقيد الشعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، الذي أهدى الشعراء إلى روحه قصائدهم التي قرأوها. وكان أولاد أحمد قد توفي قبل أيام قليلة من الملتقى الذي كان من المفترض أن يكون أحد ضيوفه.

لينتهي اليوم الأول بعزف مقطوعات للعود، وتكريم شعراء من قدماء المركز الثقافي الحسين بوزيان، مروا من ذلك الفضاء إلى فضاء الشعر الرحب، ووقع تكريم كل من الشعراء جمال الجلاصي، الذي قرأ بدوره قصائد جديدة، والشاعر عبدالفتاح بن حمودة، الذي قدم نصوصا من مجموعته الشعرية الأخيرة، كما وقع تكريم الشاعر فاتح بن عامر، الذي كان له دور فاعل في إنشاء ملتقى الطلبة في نسخته القديمة ولكن انقطع عن المركز منذ 25 عاما، ليعود إليه شاكرا هذه المبادرة سعيدا بها.

اليوم الثاني من الملتقى، شهد صباحا بداية أعمال ورشة الشعر للطلبة التي قدم فيها المشاركون بداية نصوصا مفتوحة، ثم قدم كل منهم قصيدته التي يشارك بها في المسابقة، وذلك بإشراف لجنة التحكيم التي تكونت من الشاعرين سفيان رجب ومحمد ناصر المولهي والمخرج المسرحي صالح الفالح. وقد قرأ الطلبة نصوصهم الشعرية متوسلين كل منهم بآراء اللجنة التي قدمت نصائحها للطلاب مركزة على النقاط المضيئة ومواطن الخلل لتداركها، جو الورشة الأولى كان حميميا امتاز فيه الجميع بالتفهم والإصغاء إلى بعضهم البعض والتساؤل، ما خلق نقاشات رصينة حول الشعر وقضاياه.

الملتقى احتفى بفقيد الشعر أولاد أحمد الذي توفي قبل أيام قليلة من الملتقى الذي كان أحد ضيوفه

بعد الورشة الصباحية، انتقل الجميع إلى فضاء مميز بمدينة سيدي بوسعيد (الضاحية الشمالية لتونس العاصمة) هو قصر النجمة الزهراء، الذي يعد من أبرز معالم التراث المعماري في تونس، وتجمع هندسته بين خصائص المعمار التونسي الأصيل، وعناصر معمارية وزخرفية تعود إلى الفن الأندلسي، في هذا الفضاء المطل على البحر، قدم الشعراء، الإيرانية مريم حيدري والتونسيان أمامة الزاير وصبري الرحموني، ثاني الأمسيات التي ينظمها ملتقى الشعراء الطلبة العرب بالتوازي مع المسابقة للطلاب، حيث قرأ الشعراء نصوصا امتازت بالجرأة في نفس جديد جعل الحضور يصغي إلى القصائد ويفكر فيها متسائلا عن الجماليات المقترحة ويناقشها بعد ذلك في ما بينه.

وتلى هذه الأمسية حفل موسيقي أدته فرقة “الحمائم البيض” التي يتميز أداؤها بالمزج بين المسرحي والعزف والشعر والغناء، والجميع يعرف هذه الفرقة التي مازالت تناضل بالموسيقى والكلمة والتي تأسست منذ الثمانينات وظلت مقربة من الفضاء الطلابي، وقدمت الفرقة مجموعة من أعمالها وقصائد للشاعر التونسي آدم فتحي. لينتهي ثاني أيام الملتقى الذي انفتح على فضاءات أخرى اكتشف فيها الضيوف مدينة سيدي بوسعيد التي تعد من أجمل المدن التونسية والعالمية الشهيرة.

انتصار الكلمة

ثالث أيام الملتقى وآخرها، شهد عرضا مسرحيا “دين .. دين” أو “ناقص أنا ومنقوص أنت” إنتاج المركز الثقافي الجامعي بتونس، وقدم فيه الطلاب على الركح عرضا شعريا ممسرحا اعتمد بالأساس على أشعار محمد الماغوط ومحمد الصغير أولاد أحمد وأحمد مطر ومنور صمادح، تفاعل معه المتفرجون، إذ قدم لهم الشعر يحكي عن الإنسان، قادرا على نقل حكايته للجميع، فاضحا الممارسات اللاإنسانية للأنظمة الدكتاتورية، مركزا على ضرورة الحفاظ على الذوات العربية.

بعد العرض المسرحي عادت ورشة المسابقة الشعرية تحت إشراف لجنة التحكيم وبحضور المشاركين، وقرأ بقية المشاركين في المسابقة والذين بلغ عددهم الثلاثين مشاركا ممن حضروا نصوصهم، وقد مثل الجزء الثاني من الورشة فرصة لاكتشاف أصوات شابة تكتب شعرا حداثيا يدافع عن الإنسان وينتصر للقضايا العربية والإنسانية، فحضرت في قصائد المشاركين فلسطين والوطن العربي، كما حضرت شخوص من التاريخ كابن خلدون والمتنبي وغيرهما، إضافة إلى نزعة وجدانية لم تغب عنها محاولة التفكير في العالم والإحساس به بالشعر.

هيئة تنظيم الملتقى قدمت بيانا طالبت فيه الشعراء ووزارة الثقافة التونسية بتأسيس أيام قرطاج الشعرية
لتختتم الورشة وتصوغ لجنة التحكيم تقريرها، حيث جاء فيه إعجابها بمستوى بعض المشاركين الذين كتبوا نصوصا شعرية مائزة، كما شكرت اللجنة تنظيم مثل هذه التظاهرات، ناصحة الطلبة بالاطلاع أكثر على تجارب أدبية عربية وعالمية.

الأمسية الشعرية الأخيرة للملتقى أثثها الشعراء، شاكر لعيبي من العراق ومن تونس كل من محمد العربي وفضيلة الشابي. والمفارقة التي حضرت بشكل لفت انتباه الجميع هو رابع شعراء هذه الأمسية الحاضر بالغياب وهو محمد الصغير أولاد أحمد، حيث أن اسمه موجود في البرنامج الذي أعد قبل وفاته وكان من المفترض أن يحضر، لكن الموت كان أسبق، ورغم هذا الحدث الثقيل على القلوب، فقد حضر الشاعر بالغياب فكان مكانه شاغرا في الأمسية لكنه شغل الجميع بمقطع فيديو ثان قدم مقتطفا عن حياته وشعره.

بداية الأمسية الثالثة كانت مع الراحل الحاضر أولاد أحمد، لتقدم في ما بعد الشاعرة التونسية فضيلة الشابي، التي تعد من أهم التجارب الشعرية التونسية، قصائدها، تلاها الشاعر العراقي شاكر لعيبي الذي لم يخف تأثره برحيل الشاعر الحاضر، لتختتم الأمسية مع الشاعر محمد العربي، الذي قرأ نصوصا جديدة من كتابه الصادر أخيرا “القتلة مازالوا هنا”. وقد أهدى الشعراء الثلاثة قصائدهم إلى روح أولاد أحمد.

وإيمانا منها بأهمية الكلمة والشعر في زمن الرصاص، تقدمت هيئة تنظيم الملتقى ببيان طالبت فيه الشعراء ووزارة الثقافة التونسية والسلط المعنية بتأسيس أيام قرطاج الشعرية على منوال أيام قرطاج للمسرح، والموسيقى، والسينما.

عقب الأمسية، قدمت فرقة “بيت العود العربي” بقيادة الأستاذ شهاب الدين حفلا ختاميا، ليلي ذلك قراءة لتقرير لجنة التحكيم والإعلان عن الجوائز، حيث كانت الجائزة الثالثة من نصيب السوداني مصطفى إسماعيل، فيما الجائزة الثانية من نصيب التونسي ناظم بن إبراهيم، أما الجائزة الأولى فكانت من نصيب الفلسطيني سعد محفوظ. كما نوهت اللجنة بنصوص كل من آلاء بوعفيف وسوار الغابري ومحمد علي التونسي.

الملتقى سعى إلى خلق مزيج بين الأجيال الشعرية التي أثثت هذه الدورة، وكان الحضور الشبابي مميزا، إضافة إلى أسماء شعرية كبيرة لها عقود من التجربة، هذا المزيج الذي كان ملؤه الحب والالتفاف حول الكلمة والشعر، لا شيء غيرهما، فالشعر هو الأقدر على توحيد شتات هذه الشعوب، وهو الأقدر على قول الحقيقة والدفاع عن الإنسان.

15