ملتقى القاهرة الدولي للرواية يكشف خبايا مطبخ الكتابة السري

نقاد وكتاب عرب يناقشون قضايا الرواية المعاصرة ويفتحون آفاق كتابة جديدة.
السبت 2019/05/11
التطور التكنولوجي تؤطره شبكة عنكبوتية غدت اليوم تؤثر بشكل كبير على إدراك الإنسان للعالم وعلى الثقافة والأدب (لوحة: محمد عبدالرسول)

شهد ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي حضور أكثر من 261 كاتبا وناقدا مصريا وعربيا، ناقشوا على مدار أربعة أيام عددا من الإشكاليات والقضايا المتعلقة بفن الرواية العربية في مجالاته المختلفة؛ الثقافي والاجتماعي والمعلوماتي وغيرها، حيث اعتبرت القضايا المطروحة من أبرز الأسئلة المعاصرة والمؤرقة التي تفتح مجالات جديدة أمام الكتابة الروائية.

ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي الذي جاء بعنوان “الرواية في عصر المعلومات”، أقيمت ندوة حول أثر المعلومات في النص الروائي العربي، ترأسها الروائي اللبناني رشيد الضعيف، وشارك فيها كل من الدكتور شوكت المصري والروائي التونسي كمال الرياحي وعبدالرحيم العلام والدكتور عبدالرحيم الكردي وفاطمة الصعيدي.

الانفجار التكنولوجي

يرى الدكتور شوكت المصري أن المداخل النظرية والمنهجيات النقدية التي استهدفت الوقوف على فنيات النص الروائي وبنياته تعددت تعددا حمل بين طياته وعيا ثنائي الوجهة، فمن جهة كان الزخم الهائل الذي حققه النوع الروائي منذ ظهوره غربيا ثم عربيا، ومن وجهة أخرى كان ما حققه الدرس النقدي الحديث من تطورات وقفزات هائلة بدءا من الشكلانية الروسية ووصولا إلى التحليل الثقافي؛ هذا الأخير الذي حاول إجمال عدد من إجراءات المناهج النقدية السابقة عليه داخل مقولاته.

وأوضح المصري أن دراسته تحاول تحقيق مدخل نظري لمنهجية مقترحة في ما يتعلق بقراءة النص الروائي قراءة ثقافية في ظل المعلوماتية ومفرداتها ومقولاتها وتأثيراتها المختلفة، محاولة الكشف عن أثر هذه المعلوماتية في النص الروائي العربي المعاصر على مستويين أحدهما خارجي، والآخر داخلي.

وأشار المصري إلى أن دراسته “القراءة الثقافية ومعلوماتية النص الروائي.. مدخل نظري لمنهجية مقترحة” تتعامل مع بعض الأعمال الروائية الصادرة في السنوات الخمس الأخيرة بوصفها نموذجا قابلا للتطبيق الإجرائي.

وعن “الرواية ووسائل التواصل الاجتماعي.. كيف ننتج العمق في السطح؟”، قال الروائي التونسي كمال الرياحي إن مطبخ الكتابة ظل المكان السري الساحر المتكتِّم على ذاته عبر تاريخ الأدب الذي يحرص الكاتب على جعله بعيدا عن الأنظار، حتى أن عددا من الكتاب كان يحرق مسوداته ولا يرميها في سلال القمامة خوفا من وقوعها في أيدي الغرباء، وبخاصة بعد أن ظهر بعض الفضوليين الذين يتجسسون على حاويات القمامة لكبار الكتاب في العالم بحثا عن نفاياتهم وأوراقهم المهملة، فكانوا يحرصون على التكتُّم عن عنوان مطبخهم ويخفون نصوصهم الجنينية كما يخفون يومياتهم الحميمية في جيوب سرية.

ويوضح الرياحي أن كوسموس الكاتب هذا انفجر مع الانفجار التكنولوجي وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي، فخرجت الكتابة عن نشاطها السري لتصبح نشاطا يمارس في الفضاءات المفتوحة.

ويرى أن هذا الانفجار التكنولوجي لم يرحب به بعض كتاب العالم، فهجا كل من أمبرتو إيكو وجوناثان فرانزن وسائل التواصل الاجتماعي التي استحوذت على الإنسان المعاصر، الأول قال متحدثا عنها “إنها تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في الحانات فقط”، بينما وصفها الثاني بأنها “الوسيط” عدو الكتابة والقراءة الجادة والأكثر لامسؤولية.

ويضيف الروائي التونسي بأن المتابع لصفحات الروائيين العرب على شبكة التواصل الاجتماعي يلاحظ بسهولة أن الروايات أصبحت تظهر منجَّمة في شكل مقاطع سردية موقعة من أصحابها وتخلق لها متابعين حسب شعبية الروائي. ويتساءل الرياحي: ألا يعدّ هذا الخروج الغريب بمطبخ الكتابة السري إلى العلن مخاطرة كبيرة بفعل الكتابة نفسه؟ فما الذي حدث للكتابة الروائية بهذا الخروج بالكتابة من النشاط السري الحميمي إلى العمل الاستعراضي؟ من استفاد من هذا الخروج؟ هل ازدادت شعبية الكاتب أم فقد سحره؟ هل انتهى عصر القارئ ووقعت الاستعاضة عنه بالمتابع؟ هل حافظت الرواية على عمقها وهي تكتب في العراء وأمام جمهور التواصل الاجتماعي المزاجي والمتهم بالسطحية من جوناثان فرانزن وأمبرتو إيكو؟

السرد الجديد

التكنولوجيا خلقت قارئا وكاتبا مختلفين (لوحة للفنان محمد عبد الرسول)
التكنولوجيا خلقت قارئا وكاتبا مختلفين (لوحة للفنان محمد عبد الرسول)

عن تفاعل الرواية العربية مع أدوات الاتصال الجديدة تحدث الكاتب المغربي عبدالرحيم العلام، فقال “لا شك في أن التحولات المعلوماتية المتسارعة اليوم، يواكبها تطور في الكتابة الأدبية بشكل عام، رغم بطء هذا التفاعل ومحدوديته، عربيا على الأقل، في سياق تكنولوجي انتقالي كبير، لم تسلم معه الرواية العربية من التأثر بإفرازات عالم الاتصال وأدواته، على مستوى موضوعات الكتابة الروائية وأساليبها وتقنياتها التي باتت تحمل آثار الحامل الرقمي والعالم الافتراضي.

ويوضح العلام أن التطور النكنولوجي بوسائطه الجديدة، تؤطره شبكة عنكبوتية غدت اليوم تؤثر بشكل كبير على إدراك الإنسان للعالم وأشكال حضوره فيه، وتمارس سلطة على حدود المعرفة والتواصل بين الناس، وتنسج حكايات فئات بشرية واسعة في مجتمعاتنا، وتؤطر أحلامها وبوحها ومصائرها، في تنوع رغائبها وأوهامها ونزواتها وهمومها وأزماتها وتناقضاتها، في ظل حوامل الكتابة والعوالم الافتراضية الجديدة.

وحاول العلام الوقوف عند بعض الجوانب المؤطرة لهذا التفاعل الجديد القائم بين كتابة الرواية العربية وأدوات الاتصال الجديدة، انطلاقا من استثمار مجموعة من النصوص الروائية لهذه الأدوات وقدرتها على تحويلها إلى مادة روائية بأشكال جديدة وبمضامين ودلالات مغايرة.

وعن بنية السرد باعتبارها بنية ثقافية توقف الناقد المصري الدكتور عبدالرحيم الكردي عند نماذج من الرواية العربية المعاصرة وقال “إن السرد في أي بيئة منتج ثقافي، من ثم فإن بنيته الفنية سوف تكون علاقتها بالثقافة التي ينتمي إليها تشبه علاقة الولد بوالديه، أو علاقة الكائنات الحية بالإقليم المناخي الذي نشأت فيه”. وأكد أن الرواية العربية المعاصرة ليست استثناء من هذه الظاهرة، فهي بنت الثقافة العربية المعاصرة، وثمرة من ثمارها.

وعن الإشارات الثقافية للتطبيقات الحديثة في روايتي “حارس الفيسبوك” و”أنثى موازية” تحدثت الدكتورة فاطمة الصعيدي مشيرة إلى أن الكتابة الروائية عند الروائي شريف صالح، والروائي علي سيد تؤسس مجموعة مصطلحية تشير بوضوح إلى التطبيقات الحديثة، ومنها الفيسبوك وتويتر، إذ يعلنان منذ مطلع الروايتين عن هذا، ففي رواية “حارس الفيسبوك” التي تتكون من ستة وثلاثين فصلا، معظم عناوين الفصول تشير إلى المصطلحات المتعلقة بالعالم الافتراضي مثل “تقرير موقع (فيروس)”، “السقوط بجوار اللاب توب”، “سايبر الملاك الأزرق”، “رقصة تانجو مع زوكربرج”.

أما في رواية علي سيد “أنثى موازية” فإن اليوتيوب يشكل مرتكزا أساسيا في أحداث الرواية حيث إن الخط الزمني في الرواية يعتمد على فيديو تم نشره عبره.

وترى الصعيدي أن الروايتين تشكلان نوعا من الكتابة الحديثة التي ترتكز على تطبيقات التواصل الاجتماعي بدءا من تقنيات الكتابة الإلكترونية واستخدام المصطلحات المتعلقة بها. موضحة أن دراستها تسعى إلى كشف الأسلوبية المميزة للكتابة الحديثة، وذلك باستقصاء المفردات الدالة على هذا الحقل المعرفي الذي أصبح علامة أساسية في حياة معظم من يسكنون الأرض.

في عصر الصورة

 الصورة الروائية ليست تكوينا متحققا خارج بنية النص ومكوناته
الصورة الروائية ليست تكوينا متحققا خارج بنية النص ومكوناته

كما أقيمت ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي جلسة حوارية أخرى ناقشت قضية أهمية الصورة في الرواية، وقد رأسها الدكتور محمود الضبع، وشارك فيها كل من الباحثة رشا ناصر العلي والباحث المصري عمر شهريار والناقد اللبناني نبيل حداد والباحثة هناء علي البواب والناقد يسري عبدالله.

بداية ترى الباحثة رشا ناصر العلي أن كثيرا من القراء يقدمون على قراءة النصوص الروائية دون أن يلفت انتباههم الشيء الأول فيها، وتعني بذلك “غلاف الرواية”، وقالت: عندما أدعو القارئ إلى أن يوجه نظره إلى الغلاف، فإني أهدف إلى أن أيسر له القراءة، لأن الغلاف يمثل مرحلة تمهيدية أسميها مرحلة “ما قبل النص”، ومن أوليات هذه المرحلة “الغلاف”.

وتتساءل في البحث الذي يحمل عنوان “قراءة لوحة الغلاف الروائي من البصرية إلى الدلالية”، وشاركت به في ندوة “الرواية في عصر المعلومات”، عن أهمية الغلاف.

وتجيب بأن الغلاف في مرجعيته المعجمية هو “الغطاء الذي يحتوي أشياء مادية ومعنوية”، وهو في الرواية يقدم “علامة أيقونية” قد تكون صورة فوتوغرافية، وقد تكون لوحة فنية، وقد تكون رسوما تجريدية تخفي أكثر مما تظهر، وقد يكون الغلاف فراغا طباعيا ذا لون معين.

وعلى ذلك تقارب رشا ناصر العلي مجموعة من الأغلفة الروائية، ومن ثم ستتعاون حاسة البصر مع الإدراك الذهني في قراءة هذه الأغلفة وربطها بدلالات النصوص. وعرضت أمثلة من أغلفة الروايات مثل “الرواية المستحيلة / فسيفساء دمشقية” لغادة السمان، وهو من اختيار الكاتبة نفسها، ورواية “بروكلين هايتس” للروائية المصرية ميرال الطحاوي، حيث يكاد الغلاف يكون تلخيصا للنص، وكذلك غلاف رواية الكاتب السعودي يحيى امقاسم “ساق الغراب” وغيرها.

أما الباحث المصري عمر شهريار فيتحدث عن “دوال بلا مدلول: الواقع الفائق والواقع الميت في رواية ما بعد الحداثة”، موضحا أن الصورة تمكنت من إزاحة الواقع تماما، لتحتل موضعه، فبعد أن كانت الصورة في فترات سابقة تحاكي الواقع، ثم تسخر منه أو تنقده في فترات أخرى، تمكنت في هذا العصر العولمي من إزاحته تماما، لتصبح هي الواقع والحقيقة، وأي إحالة للواقع الخارجي الحقيقي هي إحالة لشيء ميت، فقد مات الواقع، وأصبحت صورته على الشاشات هي الواقع المهيمن.

ويقدم الناقد اللبناني نبيل حداد دراسة بعنوان “المونتاج راويا: دراسة في وسائل التعبير السينمائي في رواية أكابيلا” وقد لاحظ حداد ظهور أعمال روائية بشكل أقرب إلى السيناريو منه إلى ما ألفناه في الشكل الجوهري للرواية، وهو ما قاده إلى محاولة إجمال التقنيات التي أخذ العديد من الروائيين باتباعها مستفيدين من أدوات التعبير السينمائي مثل: تقنيات البناء، حيث يأخذ العمل الروائي شكل السيناريو، وظاهرة التزامن في السعي لإنجاز خطين سرديين في وقت “فني” واحد، والعناية بالعناصر السمعية والبصرية، والسرد بالأشياء، أو بالديكورات والأكسسوارات، وتقنية اللقطات بين القريب أو المتوسط، أو البعيد، وغيرها.

وعن “الرواية في عصر الصورة، نجيب محفوظ أنموذجا”، تقدم الباحثة هناء علي البواب مشاركتها في الملتقى، حيث ترى أن مجموعة من روايات محفوظ هي الأنموذج الأسبق للحديث عن فكرة الصورة والتشكيل في الرواية، ثم تحويل الصورة المقروءة إلى مشهد بصري تكنيكي في عصر ترجمت رواياته إلى شاشة مرئية يتابعها العالم، وذلك في وقت مارس فيه الكثير من الروائيين كتابة السيناريو إلى جانب كتابة الرواية.

وتوضح البواب أن الصورة الروائية ليست تكوينا متحققا خارج بنية النص ومكوناته، بما فيه البنية الذهنية، بل هي وجود ممتزج عضويا بالفقرة والمشهد والمقطوعة والحوار والحوادث والفضاء والشخصية والموضوع، بالإضافة إلى الحديث عن إعادة الاعتبار إلى البعد التخييلي للصورة في الرواية والقصة.

وتناقش هناء البواب فكرة الفرق بين الصورة الروائية والصورة الفيلمية التي تقوم على الفضاء التعبيري السمعي والبصري، وما يحمله من أدوات: النص، الصوت، الحركة، الديكور، المونتاج.

ومن هنا ننتقل إلى بحث الناقد يسري عبدالله عن “جدل البصري والجمالي في الرواية الجديدة”، حيث يرى أن الرواية تنفتح على جملة من الاقتراحات السردية المختلفة التي لا تبقيها في خانة واحدة، ولا تطرح صيغة أحادية لها، بل إنها تبرز بوصفها متجليا لعشرات التصورات عن العالم، والصيغ الجمالية والبنائية المتعددة، فالرواية ابنة التنوع والاختلاف، وترميز دال على ذلك المنطق الديمقراطي للكتابة.

ويشير يسري عبدالله إلى أن الواقع المتغير بطبيعته، والمنفتح بدوره على جملة من التحولات السياسية والثقافية، يستلزم تحولا في آليات التعبير الجمالي عنه، وقد شهدت الرواية الجديدة توظيفا دالا للوسائط البصرية بتنويعاتها المختلفة في متن النص السردي، حيث صار جدل البصري والجمالي أحد الملامح المركزية داخلها، أين تهيمن مخيلة الصورة.

15