ملتقى باريس يتحدى التطرف والعنصرية في الشرق والغرب

ملتقى الشرق والغرب يشكل حدثا مفصليّا بارزا، عولت عليه كل الأطراف وانتظرته وتابعته باهتمام شديد، لما يمثّله من جدية في بسط القضايا العالقة والمتعلقة بالحوار بين الديانات الكبرى، وأهميتها في التصدي لكل أشكال التطرف والعنف والكراهية.
الخميس 2016/05/26
القيمة الإنسانية والأخلاقية لمبدأ الذهاب نحو الآخر

باريس - رمزية باريس كانت حاضرة بقوّة في “ملتقى الشرق والغرب”، من جهة التضامن مع ضحايا الإرهاب الذي ضرب هذه المدينة والتي ذكّر بها الدكتور علي النعيمي، أمين عام مجلس حكماء المسلمين بالقول، “إن اختيار العاصمة الفرنسية لانعقاد الملتقى في دورته الثانية لم يكن اعتباطيا بل جاء لمواساتها والتضامن معها إثر الاعتداءين الغاشمين اللذين تعرضت لهما فرنسا العام الماضي، وكذلك بلجيكا بداية العام الجاري”.

وتأتي أهمية هذا الملتقى الذي احتضنته العاصمة الفرنسية منذ يومين في نسخته الثانية، من كونه يجمع أهم الأسماء والأقطاب الفاعلة في الشأنين الديني والسياسي، شرقا وغربا، بالإضافة إلى العقول المفكّرة والمؤثرة في الأوساط الفكرية والاجتماعية.

ويرى شيخ الأزهر أحمد الطيب، أن القوانين الأوروبية التي يجدها بعض الغلاة والمتشدّدين معارضة للإسلام، لا ينبغي لها أن تشكّل حاجزا للانفصال عن المجتمع، والتقوقع على الذات الذي من شأنه أن يغذّي نزعات التطرف، ومن هنا تأتي مسؤولية الدعاة والأئمة المسلمين في الغرب إلى الانتقال من “فقه الأقليات إلى فقه الاندماج”، بحسب الطيب.

وتأتي الرمزية الثانية للعاصمة الفرنسية، لأهميتها في تقديم النموذج المشرق للتعايش والتنوّع الثقافي، وهو ما بدا واضحا في هذا الملتقى الذي احتشدت فيه العقول من مختلف المشارب الفكرية في قاعة البلدية والتي قالت فيها آن هيدالغو عمدة باريس، “إن مدينتها صاحبة علاقة قديمة مع الشرق”. وأضافت “أنا مثلا ولدت في بلدة شكلها وأسّسها الفينيقيون القادمون من الشرق”.

وجاءت هذه الشهادات في القاعة التي شهدت توقيع إعلان الجمهورية الفرنسية قبل قرون، وما لهذا الأمر من رمزيّة تاريخية وثقافية وسياسية في جدوى التذكير بالتشريعات التي تجلّ قيم الحرية والمساواة والإخاء بين الشعوب.

وقال أندريا ريكاردي، الوزير الإيطالي السابق ومؤسس جمعية سانت إيجيدو، إنّ ملتقى الشرق والغرب وضع أسس الأرضية المناسبة للحوار بين الديانات السماوية، ويجب على الطرفين دعم هذه المبادرة وتوسيعها من أجل العمل على تفادي حدوث أي تصادم بين الشرق والغرب من جهة وبين الديانتين الإسلامية والمسيحية من جهة أخرى من أجل خير البشرية.

ودعا شيخ الأزهر المسلمين إلى أن يعوا جيدا أنّ المواطنة الكاملة لا تتناقض مع الحفاظ على الدين، مقترحا أن يناقش اللقاء القادم بين حكماء الشرق والغرب قضية الاندماج داخل الدول الغربية.

ونبّه شيخ الأزهر، في كلمته خلال الملتقى إلى أنّ تهميش المسلمين في الغرب أدى إلى انتماء بعض شبابهم للجماعات المتطرفة. وأضاف أنه “يجب أن تكون نظرتنا الحديثة للغرب موضوعية وتعتمد على التأثير والتأثر المتبادل”، مشددا على أن “العالمية التي نتطلع إليها تفرض علينا نحن الشرقيين إعادة النظر في فهمنا للغرب”.

"العالمية" التي اقترحها شيخ الأزهر بدل "العولمة"، كانت حاضرة عبر النموذج الإماراتي الذي أشاد به الكثيرون

وهذه “العالمية” التي اقترحها شيخ الأزهر بدل “العولمة” كانت حاضرة عبر النموذج الإماراتي الذي أشاد به الكثيرون في التعايش بين جنسيات وأعراق وديانات كثيرة ومتنوعة تحت سقف القانون، ومن أجل السعادة البشرية والرخاء الإنساني، وهو ما ثمّنه رئيس أئمة المسلمين بفرنسا الشيخ حسن الشلغومي، مؤكدا “أنها تحمل إيجابيات كثيرة، ليس فقط لمن يعيش على أرض الإمارات بل أيضا للجالية المسلمة في أوروبا التي باتت تستلهم صور الوسطية والاعتدال منها”.

كما ثمّنت هذا الأمر أطراف أوروبية كثيرة، ممّا جعل دولة الإمارات، بحسب مراقبين ومحلّلين عرب وأجانب، “تعطي النموذج الإيجابي والمشرق للبلاد العربية والإسلامية التي طالما ظلمت من طرف الأوساط اليمينية في الغرب، معتبرين إياها بؤرا للإرهاب والفكر المتشدّد ولا يعوّل عليها في مدّ جسور الحوار”. ويذكر أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة تضمّ حوالي 200 جنسية، يفوق عددها الـ4 ملايين نسمة، وهم “يعيشون جنبا إلى جنب مع مواطني الدولة بسلام وهدوء، ويعملون معا ويتزاملون في مؤسسات العمل ويلتقون في كل مكان دون تسجيل أي نوع من حوادث الاحتكاكات أو التعدّيات”، كما أشار أمين عام مجلس حكماء المسلمين، مضيفا “إذا كانت مكة والمدينة هما قبلة المسلمين الدينية، فإنّ الإمارات هي قبلتهم في التعايش وحوار الحضارات والوسطية والاعتدال”. وأكد النعيمي على أنّ التطرف أساء لسمعة الإسلام وتضرر من جرّائه المسلمون على مستوى العالم.

وبخصوص التجربة الإماراتية في مجال الحوار بين الأديان والتعايش، من الجدير بالذكر أنّ الإمارات قد تميزت وأشاد بها كثيرون في رعاية الأقليات المختلفة التي تعيش على أرضها، وذلك بمنحهم كافة الحقوق والرعاية والتأمين الصحي والمعيشي، ونشر ثقافات التعايش بين مختلف الجنسيات على اختلاف أديانهم وإعلاء قيم التسامح والعدل والمساواة واحترام الآخر”، كما جاء على لسان النعيمي.

واستحدثت الإمارات وزارة خاصة بالتسامح تترأسها امرأة، في مبادرة وصفها الكثيرون بالاستثنائية والمميزة، لما تعنيه قضية التسامح في عصرنا الراهن من جهة، وما تمثله المرأة من قيم كبرى في العطاء والتعايش ونبذ العنف والفرقة والتطرف من جهة ثانية.

ويرى المراقبون والمحلّلون والمعنيون بمسألة حوار الحضارات، في ملتقى الشرق والغرب الذي احتضنته العاصمة الفرنسية باريس، إنجازا مهمّا في مشروع الحوار والتعايش بين الديانات، وخطوة كبيرة نحو ما يصبو إليه الجميع، وهو إرساء قيم التسامح كوسيلة وغاية من أجل عالم لا يعكّر صفوه التطرف والعنف والتمييز، ومن أجل بشرية تناشد السلام والطمأنينة للأجيال القادمة التي على الجميع أن يتحمّل مسؤوليته في مستقبلها وحقها في العيش دون ضغائن وحروب.

13