ملتقى تونس: تأصيل الخطاب الديني وتطويره ضمانة لإنجاح الديمقراطية

خبراء ومفكرون ورجال دين من بلاد عربية عديدة التقوا في تونس من أجل تشخيص ظاهرة التطرف الديني، ومن ثم الشروع في وضع حلول واستراتيجيات استباقية من شأنها أن تحاصر الخطاب التكفيري وأن تعمل على إرساء ثقافة السلام التي تضمن بدورها إنجاح التجربة الديمقراطية من خلال القضاء على الإرهاب والالتفات إلى متطلبات التنمية البشرية.
الخميس 2016/10/06
ملتقى تونس غني بالمقترحات الناجعة شرط تجسيدها على الميدان

تونس – أكدت الباحثة التونسية بدرة قعلول، مديرة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية في كلمتها الافتتاحية لملتقى “نحو خطاب ديني لمواجهة الفكر التكفيري وإرساء ثقافة السلام: تشخيص ومعالجة”، الذي نظمه المركز بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية على مدار يومين بحضور أربعين شخصية من مختلف الدول العربية وممثلين عن مختلف الأديان والطوائف، أن الملتقى يسعى إلى تأسيس خطاب ديني معتدل لمواجهة ثقافة التهميش والإقصاء.

فقد كشفت العديد من الإحصاءات التي قام بها مختصون عن الدور الذي يلعبه الخطاب الديني المتعصّب في تغذية النزاعات، سواء بين الديانات السماوية أو داخل الديانة الواحدة.

ويأتي الكشف عن انزلاقات هذا الخطاب والحرص على تنويع المشاركين كضرورة للخروج بميثاق تونس للخطاب الديني المعتدل من أجل بناء السلام، وذلك على الرغم من أن تونس تعد حاليا في نظر العديد من المراقبين المصدر الأول للإرهاب، حيث يأمل هذا الملتقى في تصحيح صورة تونس كمصدر للسلام.

وأشار وزير الدولة للشؤون الدينية عبدالجليل بن سليم إلى أن حكومة الوحدة الوطنية في تونس وضعت ضمن أولويات “ميثاق قرطاج” الاهتمام بهذا الموضوع، حيث دعا العديد من المختصين في جميع المجالات والاختصاصات إلى ضرورة الاهتمام بدراسة ظاهرة تصدير تونس لعدد كبير من الجهاديين إلى سوريا.

ولفت بن سليم إلى الدور الكبير الذي لعبته تونس في التاريخ الإسلامي على مستوى التنظير للتاريخ والأدب وكونها مهد المذهب المالكي، وبالتالي لا يمكنها إلا أن تنشر الإبداع الفكري والحضاري.

وتابع، بالرغم من الاضطرابات والقلاقل التي تعصف بأغلب أقطار المنطقة العربية، إلاّ أن تونس تعد من المؤهلين لإنجاح التجربة الديمقراطية الناشئة والقضاء على الإرهاب. كما نوّه إلى المحاولات التي تقوم بها وزارة الشؤون الدينية من أجل استئناف الدراسة في جامعة الزيتونة.

ورأى ممثل الجالية الكاثوليكية بتونس أنطونيو ماتنياس ضرورة ترجمة الأقوال إلى أفعال ومخططات، حيث أن السلام لا يبنى من خلال المؤتمرات فقط. كما ذكر أنه في 20 سبتمبر التقى نحو 230 فردا من ممثلي الديانات المختلفة في مدينة سيريزي الإيطالية من أجل الصلاة للسلام والاتفاق على محاربة الإرهاب، وجاء هذا الاجتماع انطلاقا من أنه لا توجد ديانة تريد الحرب والدمار.

وأكد أنطونيو ماتنياس على ضرورة أن تمثل مثل هذه الندوات صوت من لا صوت لهم، وتطالب بحقوقهم باسم المحبة والأخوة. وقال في هذا الخصوص “تجب دعوة المتطرفين التونسيين لمراجعة أفكارهم واحتوائهم للسير في سبيل السلام”.

ولفت خالد عزب، رئيس قطاع الخدمات والمشروعات المركزية بمكتبة الإسكندرية، في كلمته بالجلسة الافتتاحية إلى أن مثل هذه الفعاليات الثقافية، تؤكد على أن العمل العربي المشترك لا يزال ممكنا في ظل تراجع التعاون العربي على مستويات عدة.

وأوضح أن الخطاب الديني المعاصر ينبغي له أن يأخذ في الاعتبار السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي نعيشها، ومن ثم يجب علينا بناء فقه الواقع الجديد، أي الاستغناء عن الخطاب القديم الذي لا يتناسب مع معطيات العصر.

الكثير من الطلبة وقعوا فريسة للتكفير من خلال مغريات الإعلام الموجه وفتن الثورة المعلوماتية

وشدد عزب على وجوب فتح حوار صريح وواضح حول التعايش السلمي في المجتمعات العربية، الذي يجب أن يبنى على مبدأ احترام الإنسان، لأنه يظل مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية.

وفي محاضرة حملت عنوان “في بناء الخطاب المعتدل” قال كمال عمران، الباحث والمحاضر في الحضارة الإسلامية وعضو المجلس التنفيذي لليونسكو، إن الإطار العام الذي يحكم تقدم الحضارة الإسلامية المعاصرة، يتمثل بداية في الوقوف على الثوابت والأصول، حيث أن القرن الأول من الإسلام هو النموذج الذي يجب أن نولّد منه ونوظفه، ثم الوقوف على مقتضيات العصر من خلال إنتاج معرفة حديثة تجمع بين العلوم الشرعية والدنيوية.

وأشار عمران إلى أن المعارف المعاصرة لها صبغة غربية كاملة بما ينم عن تأخرنا، لذا فإنّ كل خطاب يجب أن يستقي معارفه من القرآن الكريم دون استثناء العلوم الدنيوية.

وفي بحثها المعنون بـ”من مظاهر التقارب بين الأديان في التجربة الإسلامية” أشارت نادية الشرقاوي، الباحثة في الرابطة المحمدية للعلماء إلى كثرة خطابات الإقصاء والإلغاء بما يدعو المختصين إلى تطوير خطاب يعمل على قبول الآخر وبناء المجتمع الإنساني المتكامل والقائم على مفهوم الإنسان وكرامته.

وقالت إنه من غير الطبيعي أن نكون ضد الاختلاف، فهو هام للغاية من أجل نقل الخبرات وإثراء التجربة الإنسانية وتقوية المجتمع. وفصّلت الشرقاوي عددا من تجارب الاختلاف في الخطاب القرآني، مركزة على التجربة التاريخية الإسلامية. ومن أهم هـذه التجارب “صحيفة المدينة والتعايش” بين الرسول ويهود المدينة التي احتوت نصوصا لا يجري تطبيقها على الأرض حاليا، حيث يتم اضطهاد الكثير من الديانات الأخرى. وثاني هذه الأمثلة في نظر الشرقاوي هو العهدة العمرية من الخليفة عمر وسكان إيليا أو القدس حاليا.

وفي العصر العباسي حظي المخالفون من أهل الكتاب وغيرهم بمكانة عالية بسبب اطلاعهم على الحكمة القديمة والمعرفة العلمية والفلسفية، إضافة إلى انتشار المجالس التناظرية بين المسلمين وغيرهم من الديانات الأخري. كما أن الإسلام سمح بزواج المسلمين من الكتابيات. ولفتت الشرقاوي بقولها “إننا بحاجة كبيرة إلى مثل هذه النماذج التي تساعدنا على فهم أعمق لفكرة التسامح والاختلاف”.

ورأت منجية السوايحي، أستاذة التعليم العالي بجامعة الزيتونة، في مداخلتها أن فضيلتي التسامح والتعايش السلمي متفق عليهما في جميع الخطابات، ولكن الحاجة إلى العودة إليهما أصبحت ماسة نظرا لما يعيشه العالم العربي في الفترة الحالية من حالات تفكك وانقسام ومن تصاعد لظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب.

جامع الزيتونة منارة اعتدال في ديمقراطية ناشئة يهددها الإرهاب

وأكدت السوايحي أن حقيقة ومصداقية القيم يتم التعرف إليهما بمدى تمسك أصحابهما بهما على أرض الواقع، وقالت إن الحضارة الإسلامية تتسم بالتسامح في بدايتها إلا أنه الآن ضاقت مساحتها وأصبحت في يد المتشددين. وتساءلت عن كيفية الدعوة إلى التعايش بين الأديان المختلفة في الوقت الذي نفتقد فيه للتعايش السلمي بين المسلمين.

وفي هذا الاطار، طرحت السوايحي ثلاث خطوات لمعالجة القضية الشائكة وتتمثل في العمل الميداني والذي يجب أن يهتم بالفئات الفقيرة والمقهورة التي تقع فريسة للتشدد، ثم تأتي خطوة تطوير الخطاب الاعلامي، حيث أن المتطرفين يتوصلون من خلال مواقع التواصل الإعلامي في الوقت الذي يبقى فيه الخطاب الديني حبيس المنابر ولا يتوافق مع صغار السن، أما الخطورة الثالثة والأخيرة فمحورها تدريب الأئمة لاستخراج خطاب ديني معاصر يصل إلى الشباب.

وشارك الشيخ أسامة الحديدي، ممثل جامعة الأزهر، بمداخلة حول “التشدد والغلو في عصر صدر الإسلام: صوره وعلاجه"، حيث تناول أربع أفكار رئيسية، الأولى تنطلق من أن الغلو والتشدد ينبعان من الطبيعة البشرية ومن الخطأ ربطهما بديانة محددة، حيث استغل البعض من المغرضين هذا الربط لتشويه صورة الإسلام وتقديمه على أنه دين يحضّ على الكراهية وساعدهم في ذلك البعض من المتطرفين من المنتسبين للدين.

أما الفكرة الثانية فيلخصها الحديدي في أن الغلو موجود في كل الديانات، فيما قدم في الفكرة الثالثة البعض من الأمثلة على صور الغلو في صدر الإسلام والتي نبذها النبي (صلى الله عليه وسلم) بل إنه نهى عن الغلو حتى في الطاعة والعبادات.

أما الفكرة الرابعة والأخيرة فكانت بمثابة معالجة للبعض من الجوانب التي يراها قد تساعد على تقويم الفكر المتطرف السائد مثل توظيف طاقات الشباب في جوانب إبداعية ومناح فكرية والعمل على وحدة الصف ونبذ الفرقة وتأكيد العلماء على منهج حوار بناء مع المخالف، وغير ذلك من النقاط التي تساهم في محاربة الفكر المتطرف.

وأكد سامح فوزي، مدير مركز دراسات التنمية بمكتبة الإسكندرية في محاضرته المعنونة بـ”وثيقة الأزهر كنموذج للتعايش”، على أن وثيقة الأزهر الصادرة في يونيو 2011 قد جسدت التلاقي بين أصحاب الرؤى المختلفة والمتنوعة خاصة بعد ثورة يناير، حيث ظهرت تيارات إسلامية وعلمانية وحالة سيولة واستقطاب داخل المجتمع المصري بما دفع الأزهر إلى القيام بدور تصفية الخلافات وبناء الجسور بين التيارات المختلفة.

وتمثلت أول أسباب إطلاق الوثيقة في الاستقطاب وظهور حالة من الفقه والآراء الغريبة والفقه المستورد، وهو الأمر الذي أقلق الجزء الأكبر من المسلمين المعتدلين، وثاني الأسباب هو تعمق الخلافات الحادثة حيث ظهرت حالة اختطاف للثورة.

وأشار فوزي إلى أن لجنة الوثيقة ضمت العديد من المفكرين العلمانيين والإسلاميين والنساء وطبعت وترجمت من خلال مكتبة الإسكندرية. ولفت إلى أن أهم دلالات وثيقة الأزهر تتمثل في أن المجتمعات بحاجة إلى مؤسسات قوية وتاريخية لبناء التوافق، وأنه يمكن دائما التواصل من أجل بلوغ مستوى من التوافق ما دام هناك حوار، والأهم هو ترسخ “ضميرية الالتزام” لا الاعتماد المجرد على النصوص.

واختتم فوزي كلمته بالتأكيد على أن هـذه الوثيقة ستظل الأهم في تاريخ مصر لأنها استطاعت أن تخلق توافقا وسط الصراع.

تساؤل عن كيفية الدعوة إلى التعايش بين الأديان المختلفة في الوقت الذي نفتقد فيه للتعايش السلمي بين المسلمين

أما الشيخ بن علال الإدريسي من الجزائر، فقد سلط في بحثه الذي يحمل عنوان “دور رجل الدين في نشر ثقافة الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر”، الضوء على ضرورة أن يشيع الدعاة المبادئ والنهج النبوي لتعميم ثقافة الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر. وأوضح أن الرسول من خلال سيرته قد نهى عن التشدد والتنطع، وحثنا على نشر التيسير والتبشير والعمل البناء بدلا من النقد والاستهزاء.

كما أن نبي الإسلام قد وجهنا بالرفق في الأمور كلها ومع عموم الناس من المسلمين والذميين وغيرهم. وأشار الإدريسي إلى أن الكثير من الطلبة قد وقعوا فريسة للتكفير من خلال مغريات الإعلام الموجه وفتن الثورة المعلوماتية. لذا فقد دعا إلى استنهاض الأمة واسترجاع الدعوة الرشيدة لله من خلال المفاهيم السمحة للإسلام.

وأكد الإدريسي على أن الدين الإسلامي لا يوجد به رجال دين بل متخصصون في علوم الشريعة والعلوم المرتبطة بهم ورأيهم لا يمثل الدين ولا يفرض عليه، حيث أن غالبية التطرف تأتي من غير المتخصصين ممّن ينسبون آراءهم لله.

وذكر المفكر والفيلسوف التونسي يوسف الصديق، أن الخطاب الديني مسؤول منـذ زمن بعيد عن الكثير من المآسي ربما منذ عهد الفتنة الكبرى، وأن هناك مشكلات في بنية الخطاب الديني، وبالتالي لا ينبغي الاكتفاء بتنقية الخطاب الديني من خلال تنقية الألفاظ وإعادة تشكيلها، حيث لازلنا نسمع السباب وإلقاء التهم في خطب الجمعة. مثل تهمة الزندقة التي يتغافل الكثيرون عن أصلها التاريخي، وهي تهم قد تؤدي إلى القتل كما حدث في العديد من الحالات حيث تعرض الكثيرون إلى السجن أو القتل أو القمع.

وأكد الصديق على أن المسلمين خرجوا من التاريخ بسبب سوء التعامل مع النص مثل القرآن الذي نعرض عن قراءته بترتيله وشتان بين الاثنين. وبالتالي هناك مهام كبيرة وأهمها إعادة إدخال الإسلام إلى مجرى التاريخ من خلال دراسة الآثار والنصوص والأركيولوجيا أي الاستفادة من المناهج الحديثة والتفريق بين زمنية النصوص وعصرنا الحالي.

وفي مداخلته، قال الشيخ فريد الباجي من تونس، إن المعضلة الرئيسة التي نعاني منها تتمثل في أن الخطاب الديني لا يؤسس لعمل ميداني، على عكس المتطرفين الذين يمتلكون استراتيجية تاريخية معروفة، وهم يصنعون الإرهاب عن طريق الفكرة التي يدجّجونها بدعم مالي سياسي ويحركونها في الميدان.

وأشار إلى أن قرابة 15 ألف تونسي يتبنون الفكر الإرهابي المتطرف ولا يجوز القبض عليهم لأنهم لم يقوموا بفعل متطرف، لذلك وجب على المؤسسات تبني استراتيجية الأمن الاستباقي لاحتواء مثل هذه القنبلة الموقوتة.

ورأى الباجي أن الإرهاب يصنع من خلال الدعوة الانفرادية اليومية التي يشيعها المتطرفون إلى القرى والمناطق المختلفة لتهيئتهم كي يكونوا حاضنة للفكر المتطرف، ومن ثمة يجب على أصحاب الفكر التنويري النزول إلى أرض الواقع ومخالطة عامة الناس لدحض مثل هذه الأفكار المتطرفة.

13