ملتقى عربي في عمان للقصة القصيرة

الأحد 2015/05/31
جانب من جلسات الملتقى احتفاء بالقصة العربية القصيرة

على الرغم مما يُقال عن انحسار مكانة فن القصة القصيرة، كجنس إبداعي، وتسليمه الراية لفن الرواية الكاسح، وتحوله إلى نوع أدبي هامشي يقيم على أطراف الحياة الثقافية العربية، بل وموته مجازياً، كما يذهب بعض النقاد الذين صاروا يتجاهلونه، فإن عدداً غير قليل من القصاصين يرى أنها لا تزال مزدهرةً، وتحظى بإقبال القراء، ولها كتابها الممتازون الذين نُشرت، ولا تزال تُنشر، أعمالهم القصصية، سواء في كتب مطبوعة أو في الصحف والمجلات، أو من خلال النشر الإلكتروني.

وتوكيداً لهذا الازدهار، ورداً على من يزعم أن القصة القصيرة في طريقها إلى الاندثار، يُقام بين حين وآخر ملتقى خاص بها، في هذا البلد العربي أو ذاك، لمراجعتها فنياً وقراءة نماذج منها، وتكريم مبدعيها، واستذكار بعض فرسانها الراحلين.

ولعلّ من أبرز هذه الملتقيات ملتقى عمّان الدوري، الذي تقيمه الدائرة الثقافية في أمانة عمّان الكبرى بالأردن، وقد انعقدت دورته الأولى عام 2009، بمشاركة نخبة من القصاصين والنقاد العرب، وها هي دورته الرابعة، التي أدارتها القاصة الأردنية بسمة النسور، مديرة بيت “تايكي” الثقافي، ونسّق أعمالها القاص خالد سامح المجالي، قد اختتمت برنامجها يوم الخميس الماضي 28 مايو 2015، بعد عشر جلسات استمرت ثلاثة أيام تضمنت قراءات قصصية لأربعة وعشرين قاصاً من الأردن وسوريا والمغرب وفلسطين وعُمان والكويت والصومال، هم: محمود الريماوي، عدي مدانات، هاشم غرايبة، سحر ملص، رسمي أبو علي، جمعة شنب، محمود الرحبي، عامر الشقيري، نبيل عبدالكريم، استبرق أحمد، كوليت بهنا، عمار الجنيدي، رمزي الغزوي، مهند العزب، أميمة الناصر، أماني سليمان، رانيا الجعبري، فتحي الضمور، محمد ديريه، ماجدة العتوم، محمد خليل، وإبراهيم العامري، وأوراقاً نقديةً لنقاد من الأردن وفلسطين، وندوتين استذكاريتين، الأولى للقاصة والناقدة الأردنية رفقة دودين، تحدثت فيها الروائية سميحة خريس، والناقد نزيه أبو نضال، والكاتبة زهرية الصعوب، والثانية للقاص والروائي العراقي الراحل عبدالستار ناصر، تحدث فيها الروائي والناقد عواد علي، والقاص والروائي مفلح العدوان. كما كرّم الملتقى كلاً من الكتّاب: سامية العطعوط (الأردن) ، كوليت بهنا (سوريا)، زياد خداش (فلسطين)، عواد علي (العراق)، أنيس الرافعي (المغرب) شهلا العجيلي (سوريا)، محمود الرحبي (عُمان)، واستبرق أحمد (الكويت). ونظم الملتقى أيضاً في الجلسة الختامية حفل توقيع للمجموعة القصصية “خطأ النادل” للقاص الفلسطيني زياد خداش.

عاصمة القصة

رعى حفل افتتاح الملتقى أمين عمان الكبرى عقل بلتاجي، وأكد في كلمته على دعم الأمانة ورعايتها للحركة الثقافية بما تشكله من محور مهم في منظومة المدينة والتنمية المجتمعية، لافتاً إلى عدة أسباب قد تكون أدت الى تباطؤ في هذا الدعم خلال السنوات الماضية، منها الظروف السياسية التي تعصف بالمنطقة، ومتأسفاً لانتشار العنف والفوضى والفكر الظلامي في المجتمعات العربية.

وعبّرت مديرة الملتقى القاصة بسمة النسور عن بالغ سعادتها لاستئناف الملتقى نشاطه، مكرساً عمّان عاصمة للقصة العربية. وقالت إن عمّان ترحب بنخبة من فناني هذا الفن المدهش راسخ الجذور، مثمنةً دور أمين عمان في رعاية الملتقى، وموجهةً التحية لروح مؤسسه القاص والشاعر الراحل عبدالله رضوان، والقصاصين الراحلين جمال أبو حمدان ورفقة دودين وعبدالستار ناصر.

القصة ليس عليها أن تعبّر عن \'الحالة الآنية\'، أو أن \'تواجه\' الواقع بشكل مباشر، أو أن تكون صورةً مؤدلجةً عن الواقع المأمول

القاص المغربي أنيس الرافعي ألقى كلمة المشاركين العرب، وهنأ الجميع على استئناف ملتقى عمّان للقصة القصيرة، وأشار إلى ما تربطه بعمّان من أواصر المحبة و”الحلف الوجداني الوثيق” على حد تعبيره. ورأى الرافعي أن “القصة القصيرة فنّ ومنظومة تشاركية قبل أن تكون حادثةً أدبيةً”، مؤكدا أن على القاص الاهتمام بكل ما هو دقيق ومجهري ولا مرئي في المجتمع والذات الإنسانية.

أما كلمة المشاركين الأردنيين فقد قدمها القاص محمود الريماوي، الذي استعرض الإرث القصصي في التاريخ، وأهمية القصة وموقعها في القرآن الكريم والكتب السماوية والأساطير والمرويات وحتى الأحاديث النبوية. وقال الريماوي إن “فن السرد غائر في القدم ومرتبط بنشوء اللغات، وتراثنا العربي يزخر بالمرويات، فهو فن ملاصق للاجتماع البشري، وجزء رئيسي من عملية الإبداع والمؤانسة ومحاورة الواقع″.

تحية الملتقى

ووجه الريماوي تحيةً خاصةً لعدد من القصاصين المتميزين العرب، أبرزهم: العراقي محمد خضير، السوري زكريا تامر، المغربي أحمد شكري، المصري إدوارد الخراط، والأردني الراحل مؤخراً جمال أبو حمدان.

في الجلسة التكريمية للقاصة الأردنية سامية العطعوط قُدّمت مداخلتان لكل من الناقدين حكمت النوايسة، ومصلح النجار، وشهادة عن تجربتها القصصية للقاصة المكرّمة نفسها. رأى النوايسة في مداخلته أن قصص سامية العطعوط تتميز بانتمائها المشاكس للعالم وللواقع، الذي ترصده بعين المبدع دون أن تجمّله، وأضاف أن “الواقع في قصصها يبدو عنيفاً مفزعاً على شكل نتف، مصورةً بالكاميرا، وهي غامضة أحيانا”، واستدل على ما قاله من مجموعة قصص للعطعوط منها “المقهى الخشبي”، “كافكا في المدينة”، “قيمة مضافة”، “أحدب عمّان”، وغيرها.

أما الناقد مصلح النجار فقد أكد على أهمية المنجز القصصي للعطعوط، مبيناً أنها منذ مجموعتها الأولى “جدران تمتص الصوت” حتى الأخيرة “بيكاسو كافيه” ظلت مخلصةً لمشروع إبداعي حملت فيه هموم المرأة من دون أن تركن إلى الحساسية الجندرية (الجنوسة)، محملةً نصوصها مدلولات ثقافيةً رفيعةً.

بسمة النسور: الملتقى يكرس عمان عاصمة للقصة العربية

وتناولت العطعوط في شهادتها العوامل التي أثرت في مسيرتها الإبداعية، لا سيما خلال مرحلة الطفولة حيث شهدت الاحتلال الإسرائيلي لمدينة نابلس التي ولدت فيها، ووفاة والدها، وانطلاقها نحو عوالم الثقافة والمعرفة بكتب الفلسفة الوجودية والماركسية. وتساءلت العطعوط “من قال إن الكتابة متعة؟ إنها جبال من هواء تتأرجح بنا في عالم أصابه دمار شامل وشلل رعاشي.. الكتابة تصل بنا إلى حد الهذيان المجرد من المنطق، لذلك تصادف أن انقطعت عن الكتابة في مرحلة من حياتي إذ أصابني الاكتئاب، لكنّي عدت إليها متسلحةً بالكثير من الأدوية والإرادة والإصرار”.

القصة والراهن العربي

في ندوة “القصة والراهن العربي” حاول القاص هشام بستاني الإجابة على مجموعة من التساؤلات أهمها: هل ثمّة “دور” للأدب، والقصة خصوصاً، في مواجهة التحدّيات التي تنشأ نتيجةً للتغيّرات والتقلّبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ ما الفرق بين السياسة والأدب؟ وما الاختلاف بين القصة والرواية في طريقة المعالجة؟

واعتبر البستاني أن اللحظة الراهنة، بمفهومها المطلق، هي محفّز التفاعل، لكن القاصّ إذا انخدع بها “تظل القصّة طافيةً على السطح، غير قادرة على الولوج إلى العمق. والقصة فن عموديّ، أساسه الفنيّ تفجير أعماق اللحظات وتحويلها إلى أزمان”.

ورأى البستاني أنه في ظل هذا الوضع فإن القصة ليس عليها أن تعبّر عن “الحالة الآنية”، أو أن “تواجه” الواقع بشكل مباشر، أو أن تكون صورةً مؤدلجةً عن الواقع المأمول كما هي الحال–مثلاً- في “الواقعية الاشتراكية”، حيث الواقع المُرَمْنَس يحلّ مكان الواقع الحقيقي كنوع من التعويض الساذج وخيانة للواقعية نفسها، وحيث اللهجة التعليمية التي تؤسس لعقلية الخضوع للأستاذ/الأب/الزعيم الموجّه والمُصحّح، سواء في اتخاذ شكل قائد أو سلطة؛ وتؤسس لقبول شكل من القدريّة التسليميّة التي تحتّم الاعتقاد بأن الأمور لا بدّ سائرة في الطريق الصحيح، وأن الفجر لا بدّ طالع، وأننا الآن نعيش مرحلة “ما قبل الفجر”.

مقص السياسي

ودعا الناقد نزار قبيلات إلى عدم إخضاع الأدب لمقص السياسي، وأن لا تكون القصة توثيقيةً ساردةً فقط، مبيناً أن القصة العربية الراهنة تطرح وجهة نظر الكاتب، أو أنها ملهمة للثوار أو أنها محايدة تماماً، فالقصة ترتدي ثوب العزاء الذي ارتدته بعد النكسة، وفي حرب الخليج وأثناء الانتفاضة. واستشهد قبيلات بعدد من النماذج القصصية لمحمود الريماوي وسامية العطعوط ونديم عبدالهادي، وتأثير الراهن العربي على مضامين قصصهم.

وفي الندوة الاستذكارية للقاص والروائي الراحل عبدالستار ناصر استذكر كاتب هذه السطور علاقته به منذ تعارفهما أول مرة في دمشق عام 1979، والسنوات الطويلة التي قضياها معاً في عمّان حتى سفر الراحل إلى كندا رفقة زوجته الروائية والقاصة هدية حسين قبل بضع سنوات ووفاته هناك. كما وقف على جوانب من تجربته القصصية ونصوصه المسرحية. وركّز القاص والروائي مفلح العدوان على حضور الراحل في المشهد الثقافي الأردني ومحبته لعمّان، وعلاقتهما الشخصية والثقافية التي بدأت منذ مجيئ الراحل إلى الأردن عام 1999، ومشاركتهما في العديد من النشاطات الأدبية. كما قرأت القاصة بسمة النسور الرسالة التي بعثتها لها زوجة الراحل هدية حسين، معبّرةً فيها عن شكرها وتقديرها للملتقى على مبادرته في إقامة الندوة الاستذكارية للراحل.

من الجدير بالذكر في هذا السياق أن مجلة “الجديد” الثقافية العربية الجامعة، التي يرأس تحريرها الشاعر نوري الجراح، وتصدر في لندن، كرست عددها الأخير لشهر حزيران/يونيو باكمله ويقع في 240 صفحة للقصة القصيرة العربية تحت عنوان "العرب يكتبون القصص". ويأتي هذا العدد توكيداً، أيضاً، لمكانة فن القصة القصيرة، ودعماً له بوصفه شكلاً سردياً متميزاً يرتقي إلى رتبة النوع القابل لتحولات في بنيته ووظيفته الدلالية، كما هو فن الرواية.

15