"ملح الأرض" مغامرة اكتشاف العالم والإنسان معا عبر قوة الفوتوغرافيا

تعرض دور السينما في العاصمة البريطانية لندن حاليا الفيلم التسجيلي “ملح الأرض” للمخرج الألماني الكبير فيم فيندرز بالاشتراك مع المصور جوليانو ريبيرو سالغادو، وهو الابن الأكبر للمصور البرازيلي سيباستياو سالغادو صاحب الشهرة العالمية، الذي يدور الفيلم بأكمله حول تجربته الخاصة الفريدة في عالم التصوير الفوتوغرافي.
الجمعة 2015/08/21
أناس يعيشون في الطبيعة ويتفاعلون مع بيئتهم دون أن يفسدوها

الفيلم التسجيلي “ملح الأرض” للمخرج الألماني فيم فيندرز لا يضعنا أمام فيلم تقليدي عن أحد مشاهير التصوير الفوتوغرافي في العالم من الزاوية الحرفية أو الفنية فقط، بل أمام عمل فني كبير يسبر أغوار التجربة الإنسانية والرؤية الفلسفية الإنسانية التي ارتبطت بعالم الفنان البرازيلي سيباستياو سالغادو ومرئياته التي يصورها ويضعها في كتب.

ويبحث الفيلم كيف يصل الإنسان بوعيه المكتسب تدريجيا، إلى إدراك أنه جزء لا ينفصل عن العالم، عن الطبيعة، وكيف يتعلم منها دروسا، ويستفيد من تنوعها، ويجعلها صالحة للعيش المشترك بين البشر جميعا.

مسيرة حياة

مجموعات الصور الكثيرة التي التقطها سالغادو خلال نحو أربعين عاما من البحث والعمل والتجوال حول العالم، تروي قصة الألم الإنساني، وتعكس رؤية الفنان التي ترفض الظلم، كما تعكس ما يطرحه من تساؤلات حول الاختيار الإنساني، وتصور كيف أمكن أن يصبح الإنسان أكثر المخلوقات قسوة في عالمنا. إنه يمارس القتل والتنكيل والتعذيب لأقرانه من البشر، كما يرتكب يوميا، اعتداءات فظة ضد الحيوان والطبيعة التي وهبها الله له.

وهذه الأفكار وغيرها كثيرة، تصلنا، ليس من خلال الاستماع للشهادة الشخصية للفنان البرازيلي فقط، بل وأساسا، من خلال الصور التي التقطها، وزوايا التصوير التي وجه إليها كاميراته، وتكوينات الصور وما تعكسه من ضوء وظل، وكتل ومجاميع، وظلال.

سالغادو كان يضطر مرغما إلى التوقف أحيانا عن التصوير لكي ينخرط في البكاء من قسوة ما يرى من مذابح في رواندا

يروي من خلال فصول متعاقبة، قصة هذا المصور الكبير، ويتابع رحلاته وأعماله المصورة سواء باستخدام الكثير من المقابلات المصورة القديمة والحديثة، التي يتحدث فيها عن تدربه، أو باستخدام الكثير من صور الأرشيف القديمة، وصور الفنان الفوتوغرافية التي تُعدّ ركنا أساسيا في تكوين هذا الفيلم.

ويستخدم المخرج فيندرز الذي يتجه من حين إلى آخر، إلى السينما التسجيلية، التعليق الصوتي على ما نشاهده من صور إما بصوت سالغادو نفسه، أو ابنه وهو مصور الفيلم ومساعد فيندرز في إخراجه، أو بصوت فيندرز نفسه وهو يعلق على ما يعرضه لنا، ويطرح الكثير من الأسئلة إلى المصور الكبير.

وتظهر في الفيلم زوجة سالغادو ورفيقة مسيرته الطويلة الشاقة -ليليا- لتحدثنا عن انتظارها الطويل أثناء غيابه، ووقوفها إلى جانبه من البداية ومشاركته لتحقيق طموحاته الفنية وتبني أفكاره الإنسانية.

يهجر سالغادو أولا العمل كخبير اقتصادي في البنك الدولي بعد أن يعود من مهمة في أفريقيا خلال الستينات الماضية، ليقرر أن يتفرغ للتصوير. ينتقل مع زوجته إلى العاصمة الفرنسية، حيث يؤسس هناك استوديو للتصوير الخاص به كل معداته ومستلزماته، بعد أن ينفق كل ما ادّخره من مال في هذا الغرض.

يبدأ سالغادور من البرازيل حيث يصور هناك الآلاف من عمال المناجم الذين يعملون في منجم مفتوح شاسع، وهم يستخدمون أيديهم للتنقيب في نوع من العمل البدائي الشبيه بما كان يمارس من “سخرة” في القرون الغابرة.

إنهم يبحثون عن الذهب، دافعهم الحلم بالثراء، ولكنهم طبقا لكلمات سالغادو، ربما كانوا أقرب إلى القدماء المصريين الذين شيدوا الأهرامات، أو مثل الذين أقاموا برج بابل، رغم أنهم لا يسعون إلى الخلود، بل فقط إلى تحقيق الثروة.

سالغادو مع فيندرز يناقشان الصور

رحلة عالمية

ينتقل الفيلم بين الحياة الخاصة لسالغادو، وبين عمله وصوره الفوتوغرافية وتعليقاته عليها، فنشاهد مثلا كيف كان غائبا أثناء ولادة ابنه الذي أصبح الآن مساعده، وكيف أنجب ابنا ثانيا لكنه ولد مصابا بمرض “داون” المعروف، ثم ننتقل إلى تجربته في حرب البوسنة وصوره التي ترصد المأساة هناك، ثم إلى تجربته في حرب الخليج الأولى حينما انتقل إلى الكويت وصور في لقطات نادرة الحرائق التي أشعلها الجيش العراقي في آبار النفط هناك.

ونتوقف أمام مجموعة من الصور التي ترصد عجز عدد من الخيول العربية الجميلة عن الهرب من تلك الحرائق بينما كانت حبيسة وراء الأسوار، وما نتج من تلوث هائل للبيئة بفعل الحرائق.

وكما نرى، وكما يقول سالغادو، ستصبح تجربة سالغادو الكويتية نقطة فاصلة في مسيرته المهنية، فهي ستمنحه وعيا جديدا بما يرتكبه الإنسان في حق كوكبنا الأرضي من تدمير، الأمر الذي سينعكس في ما بعد، على اهتماماته بعمله وصوره.

في الثمانينات، كان سالغادو أول من لفت أنظار العالم إلى ما يجري في أثيوبيا من كوارث إنسانية: فهو من أوائل من صوروا المجاعات، وتوقف طويلا أمام الأطفال الذين يموتون بفعل الجفاف، ورصد المتاعب الشاقة التي تواجهها وكالات الإغاثة هناك وتعرضها للنهب والسلب والقتل.

كما ينتقل إلى “الهولوكوست” الأفريقي في رواندا، ليصور النزوح الجماعي للسكان، والمذابح التي يتعرضون لها، وكيف يتعرض الملايين للموت بسبب الجفاف وندرة المواد الغذائية، أو بالذبح على أيدي الميليشيات المسلحة التي تمارس عمليات التطهير العرقي، مما أدى إلى هلاك أكثر من مليون شخص.

الصور التي التقطها سالغادو هناك، يتوقف هو أمامها في الفيلم، يتذكر تفاصيل كل صورة، ويروي كيف كان يضطر مرغما إلى التوقف عن التصوير أحيانا لكي ينخرط في البكاء من قسوة ما يرى، وكيف أنه خرج من تلك التجربة وهو على قناعة بأن الإنسان هو أكثر المخلوقات إساءة للإنسانية، بما يرتكبه من جرائم جماعية، وكيف فقد سالغادو الأمل في مستقبل الإنسان.

سيباستياو سالغادو: أدرك أن أكثر من نصف الكرة الأرضية لم يكتشفه الإنسان بعد

ومع ذلك يعود ليشرح كيف كان يتجنب دائما تصوير الحيوانات، إلى أن قرر أن يكتشف هذا الجزء من العالم، الطبيعة بمخلوقاتها، رغم اعتراض أصدقائه وتحذيرهم له من أنها قد لا تجذب اهتمام أحد، فهو يتوقف أمام الصور التي ترصد كل صغيرة وكبيرة في حياة سكان المناطق النائية الثلجية في القارة القطبية، ويصور الصراع الدموي الذي يجري بين أعداد كبيرة من الحيوانات الثديية القطبية.

الإنسان والأرض

من أهم ما يميز هذا الفيلم، إلى جانب موضوعه الإنساني الكبير، جانبه الجمالي الذي يجعل المشاهد لا يستطيع أن يغمض عينيه ولو للحظة واحدة، أمام تلك التكوينات المذهلة، وتعاقب الصور الذي يروي في تسلسل علاقة المصور الكبير، بعائلته وابنه وكاميراته، وبمساعده وموطنه، وبالعالم وما يحدث فيه. وتكشف الصور انشغاله الكبير بالتعبير من خلال الكاميرا، عن موقف واضح يعارض كل أشكال العنف والقمع والظلم الإنساني والاعتداء، على البشر وعلى الطبيعة.

يقول سالغادو إنه أدرك أن أكثر من نصف الكرة الأرضية لم يكتشفه الإنسان بعد، فأراد أن يكتشف تلك المناطق ويصورها. وفي لقطات هائلة نشاهد آلافا مؤلفة من طيور البنغوين السوداء تقف فوق جبال الثلج الممتدة إلى ما لانهاية له، وهي تحملق في الأفق.

ومن ذلك الاهتمام الكبير بالطبيعة يتحول اهتمام سالغادو بعد أن بلغ السبعين من عمره، بالعودة إلى إحياء التراث الإنساني القديم الذي يتمثل في علاقة الإنسان الحميمية بالأرض، والأشجار والحيوانات وأساسا، بالطبيعة.

يقرر سالغادو كما نرى، أن يعود إلى المزرعة التي ورثها عن جده في البرازيل، والتي تحوّلت إلى رماد وخراب، لكي يستعيد رونقها، فينجح في زراعة أكثر من 2 مليون شجرة بالتعاون مع الفلاحين في المنطقة، ويجعل من المزرعة الشاسعة مكانا مفتوحا للبشر، حيث يعملون ويجنون ما يشاؤون دون احتكار ودون قيود للملكية وغير ذلك… لقد تمكّن أخيرا من العودة إلى جذوره الطبيعية، إلى الأرض وإلى “ملح الأرض”.

16