ملح الرجال وتوأم الخيال

الأحد 2016/08/28

أهمّ وأنفس ما يميّز الكذّاب هو الخيال -وما أدراك ما الخيال- وتلك، لعمري، ميزة لا تولد كلّ يوم.. تضحكني كلمة "لعمري"، أحس أنّ أغلب قائليها من الكذّابين.

أما ثاني خصال الكذّاب فهي ملكة الحديث الطريّ الرشيق، وسحر الشدّ عبر التشويق والتزويق، والزجّ بك في الأكذوبة من حيث لا تنتظر، أو ليس المسرح هو فن الكذب بصدق.

يتمتّع هذا البطل المذموم بكاريزما هائلة، تجعل أعتى الشخصيات تسلّم له بكلّ حواسها وبشيء مما ملكت جيوبها، وتطلب حضوره كفاكهة لا غنى عنها، فلماذا يسعى إليه الناس في السرّ، ثم يشتمونه في العلن؟

الكذّاب الذي يستخدم مواهبه لأجل الوصول إلى مآرب دنيئة، يكشف أمره بسرعة، ينفضّ من حوله ضحاياه وزبائنه، وإن كان بطل رواية “زوبك” للكاتب التركي عزيز نيسن، يختلف بكذبه المدهش عن هذه الفئة، وذلك عبر انتقامه المقصود من مجموعة الوصوليين والأغبياء.

أمّا من يتعامل مع “فنّه” كهواية، ويمارسه بمتعة وإمتاع، ويحلّق بخياله إلى أن يلامس الإدهاش، فيستحقّ لقب “موهوب” عن جدارة، بل عليه أن يفكّر في جمع شمل زملائه لتأسيس نقابة تحمي حقوقهم من الدّخلاء ومدعي الكذب.

أعرف في طفولتي كذّابا كان يتقرب لنا بشتى السبل، كي نستمع إليه، ثمّ ما لبثنا أن أدمنّا حكاياته، وأردنا الالتقاء به في غير ساعات مزاجه، فرفض، عرضنا عليه نقودا فانزعج، سألت عنه بعد زمن فقيل لي إنه يدرّس الرياضيات.

كثيرا ما ينزعج الكذّاب من السّمجين الذين يقاطعونه أو يكذّبونه في المجالس، ذلك أنهم لا يحترمون اللّعبة التي ينصّ عليها العقد الخفيّ المبرم بين الطرفين: تصدّق كذبي لأمتع خيالك.

الشعر كذب اكتسب مشروعيته بالتقادم، فالأحاسيس الإنسانيّة أقوى من الكلام العادي، لذلك تحتاج إلى المبالغة على سبيل المقاربة، والبحث عن معادل لغويّ لحالة فيّاضة ومبهمة، ألم تقل العرب “أعذب الشعر أكذبه”. الكذب إذن هو إعادة إنتاج وبناء للواقع كما يشتهي صاحبه، ثمّ من قال لنا إنّ الحقيقة هي الواقع؟

يعود الفضل في كلّ الأمجاد التي حقّقتها حضارة الإنسان إلى الخيال (توأم الكذب)، فالكلّ يعلم أنّ رحلات “جول فيرن” إلى باطن الأرض، ومغامرات “تان تان” سبقت روّاد الغوص والتحليق، لكنّ مشكلة الكذّاب هي أنّه تحدّث أمام أناس يعرفونه، ففقد هيبته، ولم يخاطبهم من خلف المنابر الثقافية والسياسية والإعلامية.

الفارق الوحيد بين مبدع مكرّس وكذّاب مهمّش، هو أنّ الأوّل علّب إنتاجه وسوّقه، أمّا الثاني فاكتفى بإهداره أمام جمهور عابر وفقير الذّائقة.

سمعت عن اختراع مصيدة للكذّابين، أي جهاز لكشف الكذب، فلقد تبيّن لهم أنّ النبض وارتفاع حرارة الجسم ونبرة الصوت، تتغيّر عند فعل الكذب.. وقيل إنّ هذه الأعراض تظهر على المبدعين أيضا، فكيف السبيل إلى اختراع جهاز يفرّق بين المبدع الحقيقي والمبدع الكاذب؟

24