"ملح اللسان" قصائد مختارة لشاعر بورتو الغامض

يوجينيو دو أندرادي الشاعر الذي ناضل ضد ظلامية النسيان.
الأحد 2021/03/21
شاعر عاش بعيدا عن الأضواء

ربما ينال بعض الأدباء أو الشعراء الشهرة الواسعة على حساب أقرانهم، ولكن هذا لا يلغي ذلك ممّن لم ينل نفس الشهرة، إذ أن اشتهار كاتب ما ليس مرتبطا فقط بجودة نصه بل هناك ظروف كثيرة قد تخدمه، بينما يفضل آخرون الانعزال والصمت وقلة الظهور ما يؤخر شهرتهم أو يعطلها. وهذا تماما ما حدث مع الشاعر البرتغالي يوجينيو دو أندرادي، إذا ما قارناه بفرناندو بيسوا وشهرته الكبيرة.

تحتفي تجربة الشاعر البرتغالي يوجينيو دو أندرادي بفرادة بساطتها على الرغم من أنها معجونة بروح الفلسفة والتجلي الروحي المتجذر في الطبيعة، حيث نرى في ثرائها أبعاد الحضور الإنساني في الكون بما يزخر به من تجليات رائقة، وذلك دون افتعال أو تطويل.

القصيدة/ النص عند دو أندرادي تنفتح على جسد العالم وما يهيم فيه من علاقات وما يواجهه من تقلبات وما يحمل من علامات، لنذهب إلى عمق الرؤية وتشكيلاتها فكرة وصورة، وهو الأمر الذي تكشف عنه المختارات التي أعدها وترجمها وقدم لها الشاعر والمترجم إسكندر حبش وعنونها بـ”ملح اللسان”، لافتا إلى أن يوجينيو هو ثالث ثلاثة يمثلون أهم التجارب في الشعر البرتغالي الحديث وهم فرناندو بيسوا وهربرتو هيلدر ويوجينيو دو أندرادي، وإلى أن المختارات جاءت من بعض كتبه الأساسية في رحلته الطويلة، والتي جعلت منه واحدا من كبار شعراء القرن العشرين.

ثالث الكبار

دو أندرادي واحد من أهم كتاب البرتغال في القرن العشرين، وقد حاز العديد من الأوسمة والجوائز منها “جائزة جمعية نقاد الأدب الدولية” عام 1986، وجائزة الشعر الكبرى التي تقدمها “جمعية كتاب البرتغال” عام 1989، وجائزة كاموييش عام 2001، وهي أرفع جائزة أدبية في البلدان الناطقة باللغة البرتغالية.

ويوضح حبش في تقديمه للمختارات، الصادرة عن دار خطوط وظلال الأردنية، “صحيح أن فرناندو بيسوا قد طغى بحضوره الشعري ـ بعد رحيله بالطبع – على المشهد الشعري في البرتغال، إلا أن هذا المشهد، لا يستقيم في الواقع، من دون زميليه، أو حتى قرينيه، بمعنى من يقفان معه على المستوى عينه من الشهرة والكتابة، هربرتو هيلدر ويوجينيو دو أندرادي”.

شعر أندرادي ينحو إلى اختيار الكلمات بصرامة ويركز على ألفاظ الصمت، محتفيا من خلالها بالجسد والرغبات وفخاخ الحب

ويتابع حبش أن بعض النقاد “اللوزوفون”، أي الناطقين باللغة البرتغالية، يميلون إلى اعتبار أنه إذا كان بيسوا شاعر لشبونة، فإن دو أندرادي هو شاعر الجنوب “مدينة بورتو”. تقسيم جغرافي ليس المقصود منه إثارة حس مناطقي ما، بل هو للدلالة على مكانة دو أندرادي بالمشهد الثقافي في بلاده، بل أكثر من ذلك، إذ أنه يعد واحدا من أكثر شعراء بلاده أهمية، والأكثر تفردا بمناخاته ولغته، في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية”.

وأشار إلى أن الاسم الحقيقي ليوجينيو دو أندرادي هو جوزيه فونتينياس، وقد ولد في 19 يناير من العام 1923 في “بوفوا دو أتاليا” في مقاطعة “بييرا بايسا” شرق البرتغال. وأمضى طفولته، بعد افتراق والديه عن بعضهما، في كنف والدته بقريته ومسقط رأسه، قبل أن ينتقل بعد عشر سنوات للإقامة في لشبونة، برفقة والدته أيضا، وهي التي تلعب دورا محوريا في العديد من كتاباته.

 ينحدر الشاعر من عائلة فلاحين. وقد تابع دراسته، في لشبونة أولا، (1932 ـ 1943) قبل أن ينتقل إلى مدينة “كوامبرا” وقد بقي هناك بين عامي 1943 و1945 لينهي خدمته العسكرية، في تلك الفترة اكتشف أعمال فرناندو بيسوا الذي يكن له إعجابا كبيرا، إلا أن عمله الأدبي يقطع بشكل كبير مع الإشكاليات الكثيرة والعديدة التي كانت “عزيزة” على قلب بيسوا، ليفرض رؤيته الخاصة به والمتفردة عن نظرائه بشكل كبير.

ويلفت حبش أن دو أندرادي بدأ بكتابة قصائده الأولى في العام 1936 ونشر ديوانه “نرسيس” عام 1936، وفي العام 1947 التحق للعمل بدائرة التقصي الطبية في لشبونة، وبعد عام نشر ديوانه “الأيادي والفاكهة” الذي جلب له شهرة واسعة في بلاده، أضف إلى ذلك، أن هذا الكتاب حظي بإعجاب النقاد الذين كالوا له المديح.

وفي العام 1950 تم نقله ـ وظيفيا ـ إلى بورتو، حيث بقي هناك إلى غاية وفاته عام 2005 بعد معاناة طويلة من مرض في الأعصاب عن عمر 83 عاما، وقد عمل هناك كمفتش في وزارة الصحة في ما بين 1950 و1983، وعلى الرغم من مكانته الأدبية الكبيرة، في بلاده كما في الخارج، إلا أنه عاش بعيدا عن الحياة الاجتماعية، ولم يكن يظهر إلا في حالات نادرة مبررا ذلك “بغباء القلب الذي يسمى صداقة”، ومن بين هذه الصداقات، قربه من الكاتبة الفرنسية الكبيرة مارغريت يورسنار التي كانت السبب الرئيسي في نقل أعماله إلى اللغة الفرنسية، حيث بدأت شهرته الدولية.

المعنى غير المكتمل

مختارات شعرية من كتب يوجينيو دو أندرادي
مختارات شعرية من كتب يوجينيو دو أندرادي

عرف دو أندرادي بأنه شخص “سري” بمعنى أن القليلين جدا من كانوا يعرفون شيئا عن حياته الخاصة، هو أيضا ذلك الرجل الذي “ناضل بشكل أساسي ضد ظلامية النسيان”، كاتب متعدد الأوجه نشر العشرات من الكتب ذات الأنواع الأدبية المختلفة، حتى أنه كتب حكايات الأطفال. لكن بالتأكيد كان لاتساع عمله الشعري وتنوعه، الدور الكبير في هذه الشهرة الكبيرة التي حظي بها، بالإضافة إلى أنه نقل إلى اللغة البرتغالية أعمال الشاعرة الإغريقية سافو ولوركا الإسباني وريتسوس اليوناني.

 وِصف شعره بأنه ينحو إلى اختيار الكلمات بصرامة، وألفاظ الصمت، محتفيا من خلالها بالجسد والبشرة والرغبات غير المشبعة وفخاخ الحب. كما أنه حسب رأي بعض النقاد، يقترب من بيير باولو بازوليني في إنشاده للشباب، وكذلك من الشاعر الإيطالي ساندرو بينا، إلا أنه يحذر من الغنائية الوجدانية بشكل كبير، ليكشف عن عمل شعري مشدود ما بين النور والصمت، بين ثقل الظل وذكريات الطفولة. من هنا يقترب إلى درجة الهوس من البحث عن الطهرانية، وعن غراميات الطفولة مثلما نجد ذلك في “مادة شمسية” حيث يشد بها إلى الأعلى، بشكل تدريجي، إلى الوحدة العالية وإلى ملجأ بياض يعمي كما في ديوانه “أبيض على أبيض”.

ويرى حبش أن ما يميز شعر دو أندرادي هو هذا المعنى غير المكتمل، إذا جاز القول، أي أن الجملة عنده تشير أكثر ممّا تسمي، بالأحرى تحاول أن تستدعي ذكرى أو حادثة، لكنها لا تكمل رحلتها إلى النهاية، بل تتوقف لتترك عندنا هذا الأثر الذي لا يُمحى. ربما هذا كله، ما جعله بعيدا عن أيّ تيار أدبي في الشعر البرتغالي.

نصوص من "مادة شمسية"

" أنظرُ، لم أعد أعرف حتى أصابعي/ المقضومة من الرغبة، ألمس قميصك،/ أفكّ زرّا،/ أتخيل صدرك ذا اللون القمحي،/ يمامات برية، أقول،/ الهواء خلّل الصنوبرات، المطر/ متوع على المنحدرات،/ الليل، لن يتأخر الليل،/ أحب الحب، هذا الجذام.

****

اُخرج الآن من المشهد على طريقتك،/ تخلَّ عن الشمس الضامرة/ للعنزات والشوك./ من دون أدنى ضجّة، لكن دون أي تردد أيضا/ تخلص من هذه الرغبة/ التي ترتعش منهكة على القش./ أنت بحاجة لتغيّر يدك، أو لتغيّر المناخ،/ أو البشرة؛/ أو ببساطة المرحاض.

نصوص من "ظل ثقيل"

بإمكانك أن تناديني بجعة، ظلا/ كُشِف النقاب عنه. بإمكانك أن تناديني/ شرشفا منسوجا بمياه واخزة،/ زوجا مخدوعا./ لست شيئا إن لم أكن على جسدك/ لمعانَ/ شمس، أو دما أو ملحا.

****

أذهب مع الليل عبر الشوارع/ اللامبالية، التي تقود جسدك./ لا أعرف أيّ أصوات التقت/ بصبيحة تموز في عينيّ،/ لكنها أصوات دوما أو ظلالها/ التي قطعت طريق الرغبة./ تهت في عمق الضباب الذي هبط/ فجأة على المدينة، أو في داخلي

****

تتحدثين عن الشمس وهي تمطر في الخارج./ إلى من تتحدثين حين/ تضيئين بنور حارّ جدا/ كل عبارة؟ إلى من تعطين هذا الفم ليشرب،/ ليتنفس/ رائحة الحشيش عبر المطر؟

نصوص من ديوان "أبيض على أبيض"

الصديق، حينا، هو الصحراء،/ في أحيان أخرى هو الماء./ تخلّص من ضوضاء شهر آب/ التافه؛ ليس في كل مرة/ يصبح الجسد مكان النور/ الهارب، العاري، عند شجر الليمون/ المتجاعي بالعصافير/ أو صيف الشعر،/ عند أوراق النعاس الغامقة/ تلمع/ البشرة المبللة،/ ازهرار اللغة الصعب،/ اللغة هي الكلمة.

**** 

•أسكن الآن بالقرب من الشمس، لا يعرف/ الأصدقاء الطريق: من الجيد/ أن أكون هكذا، اللاأحد/ في الأغصان العالية، أخ/ نشيد العصفور المستثنى/ من المرور، انعكاس انعكاسٍ،/ معاصرا/ لأي نظرة مفاجئة،/ فقط حركة المدّ والجزر،/ احتداما مصنوعا من النسيان،/ غبارا لطيفا ذا زهر زبد/ هذا فقط.

• أسباب العالم/ ليست أسبابك بالضبط./ ليس سهلا أن تعيش ويداك في النار،/ العيش أي أن تضيء نورا/ يقطع كثافة الجسد، ظلال الجدار./ طعم الدم/ الذي يحمله الربيع، إن كان ثمة ربيع،/ عندما لا يقود إلى تاج النار./ سماط الماء المعتمة،/ بعر الغاق/ تشكل جزءا من نوعك./ ودائما طعم البذار هذا/ الذي يحمل المدّ معه. أركز نظري على المكان/ الأكثر تزعزعا في جسدك: في شهر آب/ نموت مع العصافير/ من الوحدة./ أنا خالد في هذه اللحظة:/ لديّ ذراعان/ تحوطان جسمك كله:/ حارقة هي الرمال؛ إنها الظهيرة./ في صدرك، نلمح البحر/ الذي يقع عموديا:/ في شهر آب، نموت في فمك/ مع العصافير.

****

البحر، البحر على بابي من جديد./ رأيته في عينيْ أمي/ للمرة الأولى، موجة إثر موجة،/ كاملا وهادئا، فيما بعد/ رأيته على الجرف، كان جامحا./ كم من ليالٍ، وهو بين ذراعيّ/ كم من ليال غفوت/ أو بقيت مستيقظا كي أسمح/ قلبه الزجاحي يختنق في الظلام،/ إلى أن تجتاز نجمة الراعي/ الليل الموزع بالتساوي/ على صدري./ هذا البحر، الذي يناديني من بعيد/ ماذا حمل في جعبته بالإضافة إلى سُفُني؟

****

اقتربي، ضعي أذنك على فمي/ سأفشي لك سرا/ ثمة رجل مع الليل ممدد/ في الرمال، أبعدوه عن رجل آخر/ بسبب صرخة، لا أحد يسمعها،/ ومنذ زمن طويل فسدت الشمس./ لا أعرف إن كان ينتظر الصباح/ كي يرحل أم أنه سيبقى/ مع الأشواك على الهضاب، عيناه مليئتان/ بالجهل والطيبة،/ معرّضا/ بذلك للنميمة، للرياح بأسرها./ كما لو كان كلبا، أو أقل من ذلك.

12