ملح "مقدس" سر نكهة الطعام وشقاء النساء في جنوب أفريقيا

ملح باليني يشكل مصدر فخر لنساء بلدة غياني المنتجات له، ويُحصد خلال أشهر الشتاء الجنوبي في نهر كلاين ليتابا في إقليم ليمبوبو.
الاثنين 2019/11/11
ملح يبرز كل المذاقات ويحسنها

غياني (جنوب أفريقيا) – يرش جرماين إيسو الملح على سمكة تونا قطعها للتو… لكن هذا المكوّن ليس عاديا بل هو ملح فريد يشكّل مصدر فخر للنساء المنتجات له في جنوب أفريقيا إلى درجة أنهنّ يعتبرنه مقدسا.

يستفيض كبير طهاة مطعم “ميوغا” الرائج في كايب تاون (جنوب غرب) في الحديث عن هذا الملح المفضل لديه مؤكدا “هو يبرز كل المذاقات بل يحسنها”.

ولا أحد يعرف متى وكيف تم اكتشاف علاقة الإنسان بالملح؟ فقد عرفه الصينيون منذ ما يزيد عن 6 آلاف سنة كما تدل الحفريات على ذلك،  واستخدمه الفراعنة في صناعة السمك المملح وقايضوه بالخشب خلال عمليات التبادل التجاري مع الفينيقيين، وفي العصر الروماني كان اختيار مواقع إقامة المدن يعتمد على قربها من مناجم الملح، وتعد القارة الأميركية وأفريقيا من أشهر المناطق الواقعة على البحيرات الخاصة به.

ويُحصد ملح باليني خلال أشهر الشتاء الجنوبي على بعد أكثر من ألفي كيلومتر شمال كايب تاون في نهر كلاين ليتابا في إقليم ليمبوبو (شمال شرق).

طقوس الحصول على ملح باليني حيث ينبغي مثلا وضع بعض التبغ والنقود وجعة محلية الصنع عند جذع شجرة ميتة في المنطقة
 

ويضيف جرماين إيسو “يضفي طعما معدنيا ومذاقه قوي”.

وباستثناء صلصة الصويا والميسو اللتين لا مثيل لهما، يوضح الطاهي أنه تخلى في الفترة الأخيرة عن كل المنتجات الأجنبية مستخدما في أطباقه تلك المحلية.

ويوضح “فتشنا عن أفضل ملح متاح في البلاد، وتبين لنا أنه ملح باليني”.

وهو يميز اليوم قوائم الطعام في الكثير من المطاعم الراقية في كايب تاون أو جوهانسبورغ رغم سعره المرتفع، فالكيلوغرام الواحد منه بسعر الجملة يصل إلى 125 راندا أي 4 دولارات، و20 راندا (1.35 دولار) للملعقة الواحدة في المفرق.

قد يكون سعره مرتفعا لكن هذا الملح يستحق هذا العناء. وهو يعكس العمل الدقيق الذي تقوم به نساء بلدة غياني اللواتي يمضين ساعات طويلة منحنيات الظهر على ضفاف نهر كلاين ليباتا لكشط طبقة الملح ناصع البياض التي تغطيها.

ملح باليني يستخدم في معالجة ارتفاع ضغط الشرايين وآلام العضلات
ملح باليني يستخدم في معالجة ارتفاع ضغط الشرايين وآلام العضلات

وتوضح إيملين ماثيبولا (73 عاما) منتجة لهذا الملح وهي تقوم بعملها “هذا مكان مقدس ورثناه عن أجدادنا”. وثمة قائمة طويلة من الطقوس الضرورية أملا في الحصول على رشة من ملح باليني، فينبغي مثلا وضع بعض التبغ والنقود وجعة محلية الصنع عند جذع شجرة ميتة في المنطقة.

وتؤكد ماني ماشيليه العاملة في هذا المجال (66 عاما) “إذا لم يبدأ المرء بالطلب، فلن يحصل على الملح”.

وتفيد إليانور مولر صاحبة شركة “ترانسفرونتير باركس ديستينايشنز” التي تسوق هذا الملح بأن علماء آثار أكدوا أن الملح ينتج على ضفاف هذا النهر منذ الآلاف من السنين.

وتوضح قائلة “المعالجون التقليديون في جنوب أفريقيا يستخدمون هذا الملح المقدس منذ قرون”.

ويعد عنصر الصوديوم الأساسي في تركيبة الملح حيويا للجسد، إذ من دونه لا يستطيع الإنسان الحفاظ على توازن سوائل الجسم، وهو أمر ضروري لنقل الأكسجين والمغذيات داخل الجسم، وبه تنطلق النبضات العصبية بين الخلايا، لكن خبراء التغذية يحذرون دائما من مخاطر الإكثار منه، ويوصي الأطباء بألا يزيد ما يتناوله الشخص البالغ من الملح يوميا عن ستة غرامات.

ملح باليني غني بالمغنيزيوم والكلوريد ويستخدم بين استخدامات أخرى في معالجة ارتفاع ضغط الشرايين وآلام العضلات.

وتعود ميزات هذا الملح إلى نبع يصب في النهر يعتبر السكان المحليون أن له مزايا روحانية.

وتوضح المرشدة ثيناشاكا تشيفازي، قائلة “ثمة نوع من التعاون بين النبع وطبقات الملح.

إنتاج 80 كيلوغراما في ثلاثة أيام
إنتاج 80 كيلوغراما في ثلاثة أيام

ويتشكل الملح عندما تصب المياه الغنية بالكبريت من نبع ساخن على طبقات الملح وتجف في الشمس”.

وتوضح “نتبع الآلية التي علمنا إياها أجدادنا بحذافيرها”.

بواسطة عصا حديدية تملأ نساء، مثل إيملين ميثبولا التي لديها ثمانية أحفاد، دلاءهن بخمسة ليترات من هذه التربة. ويضفن إليها رملا من النهر ومياها ومن ثم يمررن هذا الوحل عبر مرشح مصنوع من الأغصان والصلصال والعشب الطويل.

ويكررن العملية أربع مرات حتى تصبح المياه الخارجة من المرشح شبه شفافة. ومن ثم يطبخ المحتوى على نار خفيفة مدة أربع ساعات.

20