"ملعون دوستوفسكي" رواية الذين لا يستطيعون العودة إلى ديارهم

الأدب النفسي هو مجال أدبي يسمح فيه الكاتب لنفسه وللقارئ باستبطان الشخوص والغوص داخل عوالمهم الفكرية والنفسية والشعورية لنقل وعيهم ولاوعيهم في نطاق ذلك الصراع الأبدي بين الأديب والمتلقي. ورواية “ملعون دوستوفسكي”، عتيق رحيمي، الصادرة في ترجمة حديثة لراغدة خوري، عن دال للنشر والتوزيع، تنتمي إلى هذا النوع من الأدب، حيث يطرح رحيمي رواية “الجريمة والعقاب” لدوستوفسكي بنقلها إلى النهج الأفغاني، مسألة الأخلاق والجريمة في مجتمع اشتعل بين فكي الحق في التسلح، والعدالة القبلية. إنه عبور عبثي ممزوج بابتسامة مريرة، وهذا ما تدل عليه حقيقة هذا التناقض من خلال أفغنة الأسماء، وإسباغ الأجواء الأفغانية على الأحداث.
الخميس 2015/12/03
سرد يحاول الغوص داخل الكائن الأفغاني لفهم ماذا فعل الموت المتكرر فيه

تدور أحداث رواية “ملعون دوستوفسكي” للكاتب الأفغاني عتيق رحيمي حول رسول الذي هو وجه راسكولينكوف ذاته، بطل رواية “الجريمة والعقاب” لفيودور دوستوفسكي، تبدأ الأحداث حين يقرر رسول قتل نانا عليا القوادة التي تشتغل في خدمة الأمراء الجدد أمراء الحرب وتوفير المتعة لهم، رسول يحاول التخلص منها وإنقاذ خطيبته صوفيا وتحريرها من بين يديها، رسول وهو يرفع الفأس ليقتل نانا عليا تمثل رواية “الجريمة والعقاب” أمام عينيه، فتهوى الفأس وتصيب العجوز القوادة.

رسول الذي جاء لينفذ جريمته على طريقة بطل رواية “الجريمة والعقاب” فرّ هاربا قبل أن يحدث أي شيء، وبالتالي ضاعت خطته لإنقاذ خطيبته وأمه وأخته من الفقر عكس بطله راسكولينكوف. من هنا يبدأ النسق الروائي في بعده النفسي، الندم تلك العقدة التي ربطها بإتقان عتيق رحيمي داخل عقل وضمير بطله ليجعل منه إنسانا في وطنٍ تحول فيه الكائن البشري إلى وحش يقتل دون أي شعور بالذنب، فرسول ليس هذا المجرم البارد الذي لا مبدأ له، ولا شعور لديه، فعلى العكس تماما، رسول تخلى عن أنانيته لأجل فكرة المال وهو يطارد المرأة ذات الشال السماوي وساعد الرجل العجوز وابنته، رسول رغم فقره وجوعه أعطى المرأة المتسولة القليل من المال الذي وهبه إياه أحدهم ظنا منه أنه متسول، رسول يمتلك تلك الإنسانية التي جعلته يقع فريسة ندم حتى وهو يرتكب جريمة القتل، الذنب الذي قد يُسقطه المجتمع عن كاهله لأن نانا عليا مجرد قوادة تستحق العقاب، وكانت بحسب العرف المجتمعي ستعاقب حتى وهي محمية من فرقة ما.

تلك الحفرة التي حفرها عتيق رحيمي (الندم) ضمن السرد لمنحه بعده التشويقي والتفكيري، عتيق رحيمي بطريقة ما يدفع القارئ إلى السؤال والغوص داخل عقل بطله والذهاب معه للبحث عن قيم كثيرة أعدمتها الحرب.

رواية التأمل والتفكير في العدالة في بلد لا يشعر فيه الشيوعيون ولا المجاهدون ولا طالبان بأي ذنب حول ما اقترفوه

رواية الـتأمل

كتب عتيق رحيمي هذه الرواية وفاء لأخيه الذي كان يدرس في الاتحاد السوفييتي من عام 1986 حتى عام 1989. وقد أصبح شيوعيا، ثم تطوع مع القوات السوفييتية أثناء وجودها في أفغانستان. وقتل عام 1990 على يد المجاهدين الأفغان. لكنها أيضا رواية لكل هؤلاء الذين لا يستطيعون العودة إلى ديارهم. وهي نوع من التأمل والتفكير في العدالة في بلد، بحسب رحيمي، لا يشعر فيه الشيوعيون ولا المجاهدون ولا طالبان بأي ذنب حول ما اقترفوه. لا أحد يشعر بالذنب تجاه التاريخ الدموي لهذا البلد.

رواية “ملعون دوستوفسكي” تنتمي إلى الأدب النفسي، حيث يبرز هذا الصراع الأبدي بين الكاتب والمتلقي، صراع يتقوى بفعل جريمة قتل لدى رسول بطل عتيق رحيمي ويتنامى إلى أن يصل ذروته وهو يبحث عن عدالة ما تنقذه من ذاته التي لطختها جريمة قتل ربما تكون غير موجودة ولكن المحيط الخارجي لرسول، أفغانستان، يجعلها قائمة. فرسول هو رمزٌ -إن صح التعبير- للإنسان الأفغاني الواعي بمحيطه، المتدحرج نحو اللاشعور والموت، ولعل اختيار عتيق رحيمي لأن يخرسه من خلال فقد رسول لصوته بعد حادثة قتل العجوز القوادة هو إحالة إلى هذا الرمز، فالصمت هو علامة التأمل والوعي العميق عكس الثرثرة التي هي علامة اللاعمق والأمور الجوفاء.

غوص داخل الكائن الأفغاني

رسول مثل بطله راسكولنيكوف يتساءل عن الندم والموت والقتل والخطيئة ويبحث عن معنى العدالة، العدالة التي فقدت في زمن الاقتتال وصراع الإخوة حول السلطة والمال في بلد، لا تكاد ترى فيه الشمس من كثافة دخان الرصاص والقنابل، في بلد أضحى فيه الموت بلا معنى وبلا أي هدف واضح ومفهوم في بلد صارت فيه الشهادة فعل الكل، فعلا خالا من أي معنى أو بعد ديني أو وجودي.

يركض رسول معلنا عن جريمته لعله يحقق شيئا من العدالة الفردية والجماعية، يرجع للموت هيبته، فيصير حدثا يستحق العقاب في إشارة ضمنية من عتيق رحيمي إلى ضرورة مساءلة الكل (شيوعيين، مجاهدين، طالبان…) وتحميلهم مسؤولياتهم وما أنتجته أفعالهم.

زمن الموت والخراب

حين سئل عتيق رحيمي عن روايته في أسبانيا وهو يقوم بالترويج لها أجاب: كان أوسكار وايلد يقول، إنه لم يعد هناك ما يمكن أن نضيفه إلى ما قاله دوستوفسكي عن الكائن البشري، وبصورة خاصة، الجانب الأكثر سوداوية فيه، لكن، عندما عدتُ عام 2002 إلى أفغانستان، ورأيت كيف يسير سادة الحروب في الشارع، داخلني إحساس الفضول لمعرفة ماذا لو كان هؤلاء، في لحظة ما، قد شعروا بالذنب حول الرعب الذي زرعوه دون سبب، حينها فكرت في الكاتب الروسي دوستوفسكي وروايته “الجريمة والعقاب”.

عتيق رحيمي في إسقاطه لرواية “الجريمة والعقاب” لا يبحث عن استنساخ ما ولكن يريد أن يغوص داخل الكائن الأفغاني في محاولة لفهم ماذا فعل الموت المتكرر فيه؟ هل نجت إنسانيته وشعوره أم أضحى كائنا متعطشا للدم، وللموت كعطشه للماء لا يرى في جريمته أيّ داع للعقاب أو الشعور بالندم.

عتيق رحيمي يريد أن يجد للموت مبررا ما، مبررا يجد منبته في الموت نفسه حين يتحمل نتائجه من ندم وبالتالي ضرورة العقاب، عقاب يؤول حتما لتحقق الحياة عبر العدل.

إن كنت لم تقرأ رواية “الجريمة والعقاب” فاقرأها، وإن كنت لم تقرأ لعتيق رحيمي من قبل، فاقرأ له، هو الأدب من ذات الشجرة، يُسخّر نفسه لتعرية القبح، والبحث عن منبت ما للحياة، يبدو المسار السردي غارقا في سوداويته، وفلسفته الوجودية ولكنه لا يحيد أبدا عن فكرة الأدب كرسالة إنسانية، وعن تقنيات الرواية كمنبع للتشويق، والمتعة متخذا من اللغة بعدها الشاعري، ووقعها السينمائي، ومتعتها السردية.

بطريقة ما في النهاية ستشعر أن عتيق رحيمي قد سافر من أفغانستان ويعيش هنا في شرقنا الممتلئ موتا، وأن رسول هو صورة للكثيرين منا في زمن الحرب والخراب المكدس.

14