ملف إيران النووي: كيف السبيل إلى تجنب الحرب

في ظل تمسك الطرفين الإيراني والأميركي بموقفهما إزاء معالجة الملف النووي، يبدو التصعيد التدريجي للمواجهة أمرا حتميا.
السبت 2019/07/06
بانتظار الحسم العسكري

تتسارع الأحداث بما يخص ملف إيران النووي والمواجهة مع الولايات المتحدة. فقبل أيام، أعلنت طهران انها ستزيد تخصيب اليورانيوم إلى أي مستويات تريدها فوق الحد الأقصى المنصوص عليه في الاتفاق النووي الذي وقع عام 2015. كما هددت بإعادة بناء وتشغيل مفاعل آراك النووي الذي يعمل بالماء الثقيل والذي تم تفكيكه بموجب الاتفاق النووي.

أثارت الخطوات الإيرانية حالة من القلق الشديد لدى المجتمع الدولي. إذ وصفت ألمانيا الخطوة بأنها “عدائية”، فيما حذرت بريطانيا من عواقب توقف إيران عن تنفيذ الاتفاق. أما دونالد ترامب فكان أكثر مباشرة وحدة بتحذيره قادة الجمهورية الإسلامية من أن تهديداتهم يمكن أن “ترتد لتلدغكم كما لم يلدغ أي شخص من قبل”. ورغم تأكيد الخبراء أن إيران لا تزال بعيدة ليس عن تطوير سلاح نووي فقط، وإنما عن إنشاء البنية التحتية الضرورية لتطوير ذلك السلاح، ولكن حالة الرعب تبدو هي المسيطرة.

فمهما كانت أيديولوجيا النظام الحاكم في إيران وطبيعة سياسته الخارجية، لا يمكن أن يمر إنتاج سلاح نووي من قبل دولة إقليمية كبيرة وقوية دون رد فعل مماثل لعدد من الدول الإقليمية. إذ تسعى كل دولة إلى إقامة نوع من التوازن العسكري مع منافسها الإقليمي أو الدولي. يُظهر ذلك امتلاك الاتحاد السوفياتي للسلاح النووي بصورة سريعة كرد فعل على السلاح النووي الأميركي، ونجاح تطوير باكستان للسلاح النووي، رغم تواضع قدراتها، بعد أن أجرت الهند تجربة ناجحة للقنبلة النووية عام 1974. ويبدو من المناسب التذكير بتصريح رئيس الوزراء الباكستاني ذوالفقار علي بوتو أثناء عمل الهند على تطوير سلاحها النووي “إذا بنتْ الهند القنبلة، سوف نقتات الأعشاب والأوراق، بل حتى نعاني آلام الجوع، ولكننا سنحصل على قنبلة من صنع أيدينا”. بهذا المعنى سوف تشعل عودة إيران إلى العمل على ملفها النووي منافسة إقليمية في هذا الصدد وهو ما يقلق المجتمع الدولي المهجوس بوقف انتشار الأسلحة النووية في العالم.

كما تزيد الطبيعة العدوانية للسياسة الخارجية للنظام الإيراني من مخاوف دول المنطقة والمجتمع الدولي التي خبرت نظاما أيديولوجيا يحاول، منذ استلام السلطة عام 1979، “تصدير الثورة” وزعزعة استقرار عدد من الدول العربية بجميع الوسائل. هكذا لا يمكن السماح لإيران بتطوير برنامجها النووي بسبب التكاليف المرتفعة والعواقب الخطيرة المترتبة على الصعيدين الإقليمي والدولي. ولكن، تكمن معضلة الملف الإيراني في أن العواقب المترتبة على منع إيران من تطوير برنامجها النووي ليست أقل خطورة. ففي ظل انتهاء الاتفاق النووي، وكان اتفاقا مؤقتا ولم يكن حلا استراتيجيا، فإن الخيار العسكري يلوح بالأفق. يتأرجح المستقبل، إذن، بين خيارين أحلاهما مر، القبول بإيران كقوة نووية أو شن الحرب لإيقافها. ويبدو أن ذلك المستقبل الأسود يسيطر على تفكير الأوروبيين ويوجه حساباتهم.

طهران، من جهتها، تدرك مخاوف الأوروبيين بهذا الشأن وتدفع لزيادة الضغوط عليهم. يظهر ذلك من تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني وقوله إنه “لم يعد أمام أوروبا متسع من الوقت لإنقاذ الاتفاق النووي الدولي”. ورغم أن إيران بخطواتها الجديدة، تغامر بمواصلة استثارة غضب الولايات المتحدة ورد فعلها، بعد إسقاط طائرة أميركية من دون طيار قبل أسبوعين، ولكنها وجدت أن زيادة الضغوط على الأوروبيين لرفض الانخراط في الاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى إعادة فرض العقوبات على طهران أمر يستحق المخاطرة.

ولكن الرد الأميركي جاء سريعا من خلال احتجاز مشاة البحرية الملكية البريطانية ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق الخميس الماضي. وبررت حكومة جبل طارق ذلك دون الإشارة إلى إيران، بل بالحديث عن أن النفط الخام يتجه إلى سوريا وهو ما يمثل انتهاكا لعقوبات مفروضة من الاتحاد الأوروبي. لكن السبب الحقيقي يتمثل في كون النفط المنقول هو إيراني وهو ما يشير إلى تصاعد الجهود الأميركية لمحاصرة طهران وتشديد طوق العقوبات من حولها.

في ظل تمسك الطرفين الإيراني والأميركي بموقفهما إزاء معالجة الملف النووي، يبدو التصعيد التدريجي للمواجهة أمرا حتميا. في نفس الوقت يحاول الطرفان تجنب مواجهة عسكرية مكلفة وغير معروفة العواقب، وهو ما يدفعهما إلى تطوير تكتيكات وأساليب تصعيد جديدة لم يعهدها كل طرف. يشمل ذلك الهجمات التي نفذتها ميليشيات تابعة لإيران على منشآت نفطية في السعودية والإمارات. كما يشمل إيقاف ناقلة النفط الإيرانية في مضيق جبل طارق والتي لن تكون الحادثة الأخيرة من نوعها بل مجرد بند في قائمة طويلة أعدتها إدارة ترامب للتصعيد مع طهران.

8