ملف الأراضي الاشتراكية في تونس عالق بين الدولة والعروشات

يعدّ ملف الأراضي الاشتراكية من أهم الملفات التي لا يزال الجدل يدور حولها إلى اليوم نظرا إلى التعقيدات القانونية المرتبطة به. وقد يسبب تدخل الدولة، بعد وضع إطار قانوني جديد لهذه الأراضي عوض القانون عدد 28 لسنة 1964 والمؤرخ في 4 يونيو 1964، في نشوب خلافات عروشية، لكن الثابت أن عدم حلحلة معضلة هذه الأراضي مثّل عائقا أمام الاستثمار وبعث مشاريع جديدة لتحقيق التنمية الجهوية.
الخميس 2016/09/29
الدولة.. الفقراء يجب أن يظلوا فقراء

تونس - مازال ملف تصفية الأراضي الاشتراكية في تونس معلّقا رغم مصادقة مجلس نواب الشعب على قانون جديد يضبط النظام الأساسي لهذه الأراضي التي من الضروري إدماجها في الدورة الاقتصادية.

وأكد النائب بمجلس نواب الشعب فيصل التبّيني في تصريحات لـ”العرب”، أن “الأراضي الاشتراكية لن تُسوّى وضعيتها لأن القانون الجديد الخاص بها غير واقعي وسيزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها البلاد”.

وأفاد التبّيني بأن الدولة لها الحق، وفق هذا القانون، في 20 بالمئة من الأراضي الاشتراكية وهو ما يعني أنّها ستحوّل جزءا من هذه الأراضي إلى أراض دولية، موضحا أن تحويل صبغة هذه الأراضي ستنجرّ عنه نزاعات قانونية إلى جانب مشكل العروشية (العشائرية).

وأضاف أن العديد من النوّاب في البرلمان حاولوا تضمين هذا القانون إصلاحات حقيقية، لكن مقترحاتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار، مشدّدا على ضرورة وضع قانون جديد لتسوية وضعية الأراضي الاشتراكية التي لها دور هام في التنمية.

وسبق أن قامت السلطات بتنظيم استشارات جهوية بعدد من الولايات حول مسألة تصفية الأراضى الاشتراكية وإصلاح نظامها القانوني والتحكيم في نزاعاتها، من أجل أن يكون مشروع القانون المتعلق بهذه الأراضي نتاج عمل تشاوري بين الحكومة وسكّان الجهات.

لكن هذه الاستشارات الوطنية كانت شكلية لأن مشروع القانون الذي تمت المصادقة عليه لم يتضمن إصلاحات حقيقية نابعة من الواقع المحلي للجهات الداخلية.

وسبق لرئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد أن أكد، العام الماضي، أن القانون الجديد يتميز بالإبقاء على الدور الأساسي لمجالس التصرف المحلية والجهوية كهيكل لتسيير الأراضي الاشتراكية وتثبيت صلاحيتها ودمجها في الدورة الاقتصادية والحفاظ على استحقاق المجموعات الاشتراكية لتلك الأراضي.

فيصل التبيني: قانون الأراضي الاشتراكية لن يحل الأزمة وسيعقد الوضع

وكان ملف الأراضي الاشتراكية من بين الأولويات الخمس لعمل حكومة الصيد نظرا إلى أهميتها في دفع عجلة الاقتصاد ولأنها تمثل معضلة كبرى تسبّبت في جمود العقار والحد من مساهمة البعض من الولايات في الدورة الاقتصادية.

ويذكر أن مجلس نواب الشعب كان قد صادق في جلسة عامة، في شهر جويلية الماضي، على مشروع القانون المتعلق بضبط النظام الأساسي للأراضي الاشتراكية، بموافقة 83 نائبا واحتفاظ 11 آخرين ومعارضة نائب واحد.

وتخضع العمليات العقارية المتعلقة بالتفويت في الأراضي الاشتراكية، وفق الفصل الخامس من مشروع القانون، إلى موافقة مجلس التصرف ومصادقة والي الجهة بحسب شروط معينة يضبطها القانون. ويبيح نفس الفصل إمكانية انتزاع الأراضي الاشتراكية من أجل المصلحة العامة.

وتتصرف في الأراضي الاشتراكية، وفق الفصل السادس، مجالس تصرف (في كل ولاية) منتخبة من أبناء المجموعة المستغلين للأرض، وتتولى مباشرة إجراءات إسناد الأراضي الاشتراكية على وجه الملكية الخاصة لفائدة الأفراد من بين أعضاء المجموعة.

وفي حال وجود نزاعات عقارية متعلقة بالأراضي الاشتراكية فإنها تعرض، بحسب الفصل العاشر من نفس القانون، على مجالس التصرف.

ولا يمكن إسناد الأراضي الاشتراكية على وجه الملكية الخاصة لفائدة أفراد المجموعة، إلا بعد خصم مساحة عينية لفائدة الدولة مقابل الزيادة في قيمتها حددت بـ20 بالمئة من مساحة الأرضي المراد إسنادها.

وساهمت الإشكالات القانونية المرتبطة بملف الأراضي الاشتراكية في عرقلة تطوّر غراسات النخيل في ولاية (محافظة) قبلي على سبيل الذكر، فأغلب الأراضي الصالحة لغراسة النخيل بالولاية هي أراض اشتراكية (أي مملوكة على وجه الشياع) بين أبناء المنطقة الذين لم يتمكنوا من إقامة مشاريع عليها لتنمية الجهة.

والملكية المشاعة بما هي ملكية مشتركة بين مالكين مختلفين، تعتبر وفق مجلّة الحقوق العينية ملكية حقيقية، فللمالك على الشياع الحق في التمتع بالسلطات المترتبة عن حق الملكية كحق الاستعمال وحق الاستغلال وحق التصرف.

وقد طالب أعضاء مجلس تصرف الأراضي الاشتراكية لـ”مجموعة أولاد سيدي عبيد” في ولاية توزر، في وقت سابق، بفتح حوار حول الوضع القانوني لهذه الأراضي الذي حال دون استغلالها فلاحيا أو استغلالها في أنشطة أخرى.

وتبلغ المساحة الجملية للأراضي الاشتراكية 3 ملايين هكتار نصفها مصنف كمراع اشتراكية، فيما تقدر المساحة الجملية للأراضي القابلة للإسناد بمليون و500 ألف هكتار تمتد على ولايات قابس والقيروان والمهدية وسيدي بوزيد والقصرين وقفصة وتطاوين ومدنين وقبلي وتوزر ومنطقة الهوارية والبعض من المساحات بجهة سجنان من ولاية بنزرت.

وتقارب المساحة التي تمت تصفيتها من الأراضي الاشتراكية إلى حدود 2015 ما مجموعه مليون و429 ألفا و722 هكتارا لتبقى مساحة 343 ألف هكتار دون تصفية، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية “وات” في تقرير سابق لها.

4