ملف "الجديد" عن الطفولة ذكريات ترسم خارطة الأسى والجمال

تعدّ الطفولة مستودع ذكريات المرء ينهل منها بين الفينة والأخرى، ما يبقي الطفل الغافي في داخله نابضا بالحياة كي يواجه قسوة الزمن، وكأنّ المشقّات التي كانت حينها وأصبحت ذكريات زمن ماضٍ هي جمر الزمن المتجدّد. بالنسبة إلى الأدباء والفنّانين ترسم الطفولة وتفاصيلها وأسرارها عند المبدع وجمالياتها معالم خارطة المستقبل والميول والتوجّهات، وتضعه على عتبة مساره إلى غده المأمول.
الخميس 2016/09/15
عوالم مختلفة من الأدب والفن

في عدد سبتمبر نشرت مجلّة “الجديد” اللندنيّة ملفّا تضمّن شهادات 65 كاتبة وكاتبا وذكرياتهم عن طفولتهم، وظهرت تلك الحكايات بمجملها مؤثّرة، لأنّها خلت من التكلّف والتخييل، وكان الواقع المستعاد بجزئيّاته الأليمة والمفرحة سبيل اكتشاف الذات بصيغة ما، وذلك بما اشتمل عليه من أحداث ومفارقات بلورت شخصيّات أصحابها وقادتهم في دروبهم المختلفة نحو عوالم الأدب والفنّ.

حكايا الحرب

بإلقاء نظرة على بعض النماذج من شهادات الأدباء والفنّانين التي احتفى بها العدد الأخير من المجلة، يجد القارئ صورا لا تخلو من الغرابة في بعض الأحيان، وقد تدعو إلى التساؤل عن مصير ذاك الطفل والفرق بينه وبين هذا المتحدّث باسمه المستنطق لعالمه الماضي والكاشف لأدقّ دقائقه.

العنف والحرب والمصادفات والخيبات هي أبرز ما وسم طفولة عدد من المشاركين في الملفّ، ولعلّ المثير واللافت أنّ الشهادات والحكايات ترافقت مع صور للمشاركين في طفولتهم، بحيث تكاملت الصورة مع الشهادة لتكمل لوحة الزمن الحاضر والماضي معا، وتبلور صورة الكاتب في تغيّراته وسطوة الزمن وتأثيره عليه.

تحدّث الكاتب الفلسطيني أحمد برقاوي عن طفولته ومشاكساته في المدرسة في شهادته “طقوس العنف المدرسي”، كان الطفل المدلّل المتفوّق، لكن قبل ذلك كان العنيف الذي لم يستطع المعلّم ترويضه بالعنف، بل احتضنته أمّه التي كانت مديرة المدرسة، وخفّفت من جموحه رويدا رويدا وأهّلته لدخول عالم المدرسة بما فيه من تنافس وعنف ومحبة، تراه وهو يستعيد تلك التجربة بعين العارف للشروط التي تكوّن الشخصية في سنوات الطفولة الأولى وبالعلاقة مع الجبلّة يقول إنّه يدرك أساس ذاته في مسارها الطويل.

الروائي السوري إبراهيم الجبين يتذكّر اللحظة الفارقة في انتقاله من عالم الرسم والصورة إلى عالم الكلمة، وبحثه الدائب عن السرّ الذي قاده، وهو الذي كان يحاول تعليم الببغاء النطق، يقلّد لوحات سلفادور دالي، ويرنو إلى محاكاتها في تفاصيلها الدقيقة، يمضي إلى عالم الخطّ العربيّ ليرسم انحناءاته ويعوّض عن الخيبة الطفولية بأنّ خطّه لم يكن بالجودة المطلوبة، ويكون تجويد الخطّ وتحسينه مدخلا لعالم الرسم أو دائرا في ميدان الصورة والرسم. ثمّ تأتي الشرارة مع عامل النظافة الأفغاني الذي ظنّ أنّ تلك الكتب التي كان بصدد رميها هي كتب مقدّسة، وبدأ يرسل صرخاته لمن قد يتلقّفها وينقذ تلك الكتب وينقذه من تدنيس المقدّس المظنون. تعرف الكاتب من خلال ذلك الصندوق إلى لغة أخرى غير لغة الصورة التي ألفها في اللوحات والخط العربي. تعرّف إلى لغة الكتابة. وتلك الحركة حوّلت مساره في طفولته، لجأ إلى الرسم بالكلمات وتخيل الصور مكتوبة لا مرسومة.

بدوره يستعيد المصري ناصر عراق في “طفولة قلقة” ذكرياته البعيدة عن نكسة 67 وحرب 73، وبينهما رحيل جمال عبدالناصر، واستلام السادات للسلطة، وكيف أنّ الأحداث الكبرى كانت تؤثّر في تركيبة الطفل الصغير الذي وجد قاموسه اللغوي يثرى بمفردات جديدة عن الحرب والسلاح ولا سيما بعد أن سيق أشقاؤه الثلاثة إلى الخدمة الإلزاميّة.. وتكون الذكرى المستعادة كأنّها تختصر زمنا مفعما بالتغييرات والمفاجآت على الصعيد العام، وعلى صعيد بنائه النفسي وانتقاله من طور إلى آخر حاملا معه قلقه، لينقله تاليا إلى قلق الكاتب، ويكون قلقا منتجا في عالم الفنّ والأدب.

الشاعرة الإيرانية مريم حيدري تكتب عن مرارة فقدها لأخيها

كما تكتب الشاعرة والمترجمة الإيرانية، مريم حيدري، طفولتها في ظل الحرب، ومرارة فقدها لأخيها في الحرب العراقية الإيرانية، تقول بأسى إنّ الحرب كانت قد ولدت قبلها، ومثل طاعون وعدوى كانت تلحق عائلتها كما العوائل الأخرى التي كانت تسكن في المدن الواقعة بالقرب من الحدود الإيرانية العراقية. وعائلتها تهرب منها من مدينة إلى أخرى، وبين تلك المدن المؤقتة ولدت الطفلة مريم (1984)، وكان قد مرّت على الحرب أربع سنوات. تستعيد مأساة أمّها وحزنها القاتل على ابنها وتقصّيها المستمرّ لأيّ أثر يدلّ عليه، وفجيعتها بعد سنوات من الانتظار بخبر عنه، وتسرد كيف أنّ تاريخ العائلة والمدينة والبلد كان مرتبطا بالحرب منذ ولدت وقبل أن تولد. تأسف لأنّ طفولتها وسعاداتها البسيطة كانتا في صراع كبير ومستمر مع الحزن وأحاديث الحرب والفقدان والبكاء.

من مرحلة إلى أخرى

بدوره يعود الروائي الجزائري، سعيد خطيبي، إلى منتصف عقد التسعينات في القرن الماضي، ليصوّر واقع بلده الذي كانت تنهشه حرب ضارية، وكان الإرهاب يضرب فيه شرقا وغربا، بينما يحاول أن يحيا، كفتى مقبل على الحياة، فتوّته، ويمضي في رحلات استكشافه مع أقرانه، وتكون الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى البحر، تلك التي غدت أشبه برحلة أسطورية حفرت عميقا في روحه وذاكرته. يعتمد تعبيرا لا يخلو من قسوة وجلد تاريخي، يقول “كانت رائحة البحر أقوى من رائحة الدم الذي كان يصبغ وجه البلد”. وكان يتعامل ببراءة الطفولة مع متغيّرات وأحداث كارثيّة يمر بها بلده، وربّما تلك البراءة هي ما أنقذته من براثن اليأس والإرهاب بمعنى ما. يتذكّر أحاديث العنف ووقائع الإجرام. يتحدّث خطيبي عن نفسه وجيله، عن أطفال كبروا قبل أوانهم، وكيف كانت أحاديثهم تدور عن مخلفات العنف الإرهابي، وأنه ظلّ مسكونا بسؤال يقضّ مضجعه: “كيف وصلت الجزائر إلى ما وصلت إليه من عنف غير مسبوق؟”، إذ كان الإرهاب في أبشع صوره يضرب البلاد ويفتّتها بينما الطفل ذاك يبحث عن طفولته المغدورة وسط الجثث المتناثرة على أرض البلاد.

الروائي الجزائري سعيد خطيبي يمضي في رحلات استكشاف مع أقرانه

يحاول السوري مفيد نجم بالكتابة سدّ الشعور بالنقصان الذي استنزف طفولته، في وطن لم يعترف له بكامل المواطنية. يتذكر ما يسمّيه بفجيعته الأولى وانكساره الأوّل، الذي لم يشف منه، وأسكنه بمشاعر الغضب والتمرّد وهو يعيش مع أهله في وطنه معانيا الغربة المركّبة. يعود إلى بداية النزوح من الأرض سنة 67، تلك التي شكّلت منعطفا تاريخيّا في حياته وحياة أهله، يصف تلك الأيّام بالمرعبة وشديدة القسوة، وأنّه كان عليهم أن يتحملوا عبء هزيمة وذلّها على الرغم من أنهم كانوا ضحاياها.. ووجدوا أنفسهم فجأة بلا أرض ولا وطن، ووجد نفسه بلا طفولة تذكر، إذ باتوا يعيشون ذلّ البحث عن مأوى في وطن لم يعترف بمسؤوليته عن معاناتهم، ويتأسف بأنّ “كل ما استطاع أن يقوم به هو اختراع تسمية جديدة ‘النازحون’ أصبحت تطاردنا حيثما ذهبنا”. الطفل مفيد نجم عاشق البراري والحرية والطبيعة والجمال، يمرّ بتحوّلات كثيرة، ينخرط في السياسة والكتابة، يعيش مرارة السجن وعذاباته، يمضي في رحلة الكتابة والإبداع في محاولة لمداواة جروح الطفولة التي لا تلتئم.

يعبّر الروائي الجزائري محمد جعفر عمّا يسمّيه بالخوف من المجهول، يتذكّر حادثة بسيطة من طفولته كان لها أعمق الأثر في بلورة شخصيّته ونقله من مرحلة إلى أخرى، كانت قصّة ضياعه القصير بالقرب من بيته مأساوية له ومنعطفا هامّا في حياته، وبرغم من أنّها لم تنطوِ على أيّ مخاطر إلّا أنّ وعي الطفل تلقّفها وأعاد بناءها في مسلسل العمر، ليكتشف أنّها حلقة هامّة من حلقات التغيير في حياته. يقول إنّه ظل يستعيد تلك الحادثة والرعب يغشاه. وإنّه امتلأ من ليلتها بهواجس مقلقة اتخذت الخوف قناعا وارتدت المجهول عباءة، وصارت تكنّى بالخوف من المجهول، بحسب تعبيره. ثمّ ينتقل من واقع الخوف والرعب إلى الاقتناع بأنّ الحياة شوط طويل، ومن المفروض أن يقطعه لوحده. شاء أم أبى، وهنا يكون قد دخل مسرح الحياة بنضج الكاتب المتدبّر الذي تزيده الأيّام خبرة وتجربة.

تحكي الروائيّة العراقية، لطفية الدليمي، قصّة دخولها أرضا كانت تبدو محرّمة عليها، وهي الطفلة ذات بضع السنوات، ظلّت سجينة مغامرتها وفضولها، تصف خزانة الكتب بمجمع الغوايات كلها، ترتحل مع غواية الكتاب وتنشد أمام لذّة القراءة، دخلت عوالم “ألف ليلة وليلة”، تذكر كيف أنّها في تلك البرهة التي تصفها بالخارجة من سياق زمن الطفولة، تعرفت إلى لذّة المحرّم المجهول وهي تقلب صفحات سفر الحكايات.. تؤكّد أنّ تلك اللحظة كانت علامة فارقة في حياتها، إذ كانت صورة العالم قد تغيرت في وجدان ابنة التاسعة وتحدد مصير الكاتبة ووعيها وبدأت رحلتها مع عالم الأدب والخيال لتنتج أعمالها استنادا إلى ذلك الشغف الذي تلبّسها، وتلك الغواية التي قادتها في مجاهل ألف ليلة وليلة لتكتب لياليها الخاصّة بها.

الروائيّة العراقية لطفية الدليمي ترتحل مع غواية الكتاب وتنشد أمام لذّة القراءة

بئر الحنين

أما الشاعر والنحّات المغربيّ، عزيز أزغاي، فيحكي في شهادته “طفولة الزفت” عن مرارة محو الحي الصفيحي الذي سكنه في طفولته، وكيف اضطرّ إلى النزوح مع أهله وتنقّل من مكان إلى آخر، يتحدّث عن شراسة الفقر وبؤس الأجواء التي كانت تغرق المحيطين به، وتراه لا يرضخ لسلطة الأمر الواقع، ولا يمحو تاريخه الشخصيّ مع المكان الممحوّ من الخارطة والواقع، يتشبّث بالذاكرة ليؤثّث حيّه الصفيحي الذي يتخيّله ويعيد رسمه كما يحلو له. ولا يخفي مرارته المستمرة إثر اختفاء كلّ شيء، وبداية حياة أخرى جديدة، ويحتفظ في ذاكرته بذكرياته عن موطن طفولته الذي تحول إلى مجرد شريط من الزفت الأسود يمرّ به الغرباء والمارّة من دون أيّ تفكير بتاريخه وتاريخ أبنائه وذكرياتهم.

أمّا النحّات والكاتب السوريّ، عاصم الباشا، فتداهمه صور طفولته في بوينس آيرس من خلال “ومضات بوينس آيرس″ ولا يكاد يمضي من صورة إلى أخرى إلّا ويغرق في بئر الحنين، يكون مسكونا بصورة المكان وأهله، الأسرة ومحيطها، صور الخيال وأحاديث الطفل المتخيّلة، لعبة الزمن ومتاهة الأمكنة القصية.. يتذكّر كونه مغايرا مختلفا عن غيره في محيطه، ولغته الأسبانية في البيت ومع أمه، كما يتذكّر بوح أمّه واعترافها له بعد عقود من ميلاده كيف حاولت إجهاضه بشتى السبل، لكن ذلك لم ينجح، يصف تشبّثه بأنه دلالة “حماقة” بمعنى ما بحسب وصفه، ويقول “لعلّه سبب الحضور الغائب الذي التصق بي إلى اليوم”. كما يحكي عن شغفه بالرسم منذ الطفولة، واستمرار تلك “السوسة” معه حتّى الآن.

يكتشف القارئ أثناء قراءة شهادات الأدباء والفنّانين فداحة هزيمة المرء أمام الزمن وهو يتأمّل عيون الأطفال الذين أصبحوا شيوخا، أو يمضون في دروبهم الحياتيّة نحوها، وكيف أنّ عيونهم اكتست بغمامات من مشاعر متناقضة، تكون مزيجا من الأمل والتحدّي والإقرار بالهزيمة بنوع ما أمام محنة الزمن التي يكون الإنسان خاسرا فيها دوما، وهو يكمل رحلته من مهد أحلامه إلى أرض خساراته المتعاقبة في أزمنته وصولا إلى لحد لا يستثني أحدا من عتمته.

15