ملف الخطاب الديني في عهدة الأزهر ومخاوف من صراع بين المؤسسات الدينية المصرية

الجمعة 2016/12/09
الأزهر يقود ملف الخطاب الديني وقد يفتح باب الصراع بين المؤسسات الدينية

القاهرة - منح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مؤسسة الأزهر صلاحيات واسعة في قضية تجديد الخطاب الديني، ورسم لقادتها خارطة مبسّطة للتجديد، تنتهي خلال 5 سنوات من الآن، وسحب الملف بشكل شبه رسمي من وزارة الأوقاف ودار الإفتاء.

وقال السيسي، إن مصر قررت الدخول في معركة فكرية كبرى “لا هوادة فيها”، ضد التيارات والآراء المتشددة والمتطرفة، لأجل تصويب الخطاب الديني، نيابة عن العالمين العربي والإسلامي، وأن الأزهر هو الأجدر لقيادة المعركة، بالتعاون مع علماء النفس والاجتماع والأخلاق.

وشدد على أن التأخر في تصويب الخطاب الديني، تسبب في انتشار ظاهرة “الكُفر بالأديان”، بين الشباب في مختلف المجتمعات، لأن القتل وسفك الدماء باسم الدين خلقا جيلًا لا يعترف بوجود الدين نفسه، ما وسع دائرة التطرف والإرهاب والتكفير.

وأضاف الرئيس المصري، خلال احتفالية المولد النبوي التي أقامتها وزارة الأوقاف، أمس الخميس، أن المواجهات العسكرية والأمنية مع المتطرفين والتكفيريين سوف تستمر دون توقف، على أن تكون المواجهة بالسلاح والفكر معًا.

حديث السيسي، حول تعظيم مكانة الأزهر ودوره في هذا الملف تحديدًا، جاء في وقت وصلت فيه الخلافات بين الأزهر ووزارة الأوقاف إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما رفض الأزهر الأسبوع الماضي المشاركة في لجان المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، ما يكاد يؤدي إلى قطيعة بين المؤسستين.

ولم تفلح جهود السيسي في إقناع شيخ الأزهر في لقائه الخامس معه هذا العام، الأربعاء الماضي، بالعدول عن قراره بعدم مشاركة الأزهر في لجان المجلس الأعلى، وكثيرًا ما تدخل لوقف الصراع بين الأزهر والأوقاف، وفي كل مرة يعلن مساندة غير مباشرة للأزهر.

ولفت مراقبون إلى أنه لم يسبق للرئيس المصري أن انتقد سياسة مختار جمعة وزير الأوقاف بخصوص تجديد الخطاب الديني أو إدارته لهذا الملف، في حضور مسؤولين كبار من الدولة ومؤسسة الأزهر، لكنه هاجم جمعة، وقال خلال الحفل إنه اختزل التجديد في خطبة موحدة أو مكتوبة، وهذا خطأ كبير.

وقال السيسي “أنا أحب شيخ الأزهر بشدة، ومن يعتقد عكس ذلك فهذه مصيبة كبرى، ولا يمكن أن تتخاذل الدولة بمختلف مؤسساتها عن دعم الأزهر في معركة تصويب الخطاب الديني، ولا مساس بثوابت الدين حتى لا يغضب أحد”.

صراع الأزهر والأوقاف والإفتاء على الزعامة، تسبب في مشكلات للنظام المصري، الذي يريد أن يظهر بدور القائد والمجدد

وقال البعض من المراقبين إن الدعم الكامل وغير المشروط لمؤسسة الأزهر بشكل مفاجئ، مقابل تحييد دور الأوقاف والإفتاء، قد يوسع دائرة الصراع بين المؤسسات الدينية مرة أخرى، بحيث تسعى كل منها لإثبات أنها الأجدر بقيادة النواحي الدينية والدعوية.

كما ذهب هؤلاء إلى أن حديث السيسي عن شيخ الأزهر بهذا الشكل في سابقة لم تحدث طوال الفترة الماضية، وتحديدا منذ مشاركة الطيب في بيان الجيش يوم 3 يوليو 2013 ، بعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، يعني أن ما أثير عن خلافات السيسي والطيب قد انتهى، وبدأت الآن حقبة جديدة تؤشر على مساندة الأزهر لخطط الدولة العسكرية والأمنية والسياسية، داخليا وخارجيا.

وكانت تقارير مصرية تحدثت عن غضب السيسي على الطيب، لتجاهل الأزهر شن حملة قوية ضد جماعات الإسلام السياسي، وفي القلب منها الإخوان وتنظيم “داعش”، وإصراره على تبني موقف “متطرف” من الشيعة، متجاهلا مواقف النظام المتقاربة مع العراق والنظام السوري.

وزاد غضب الرئيس المصري بعد تبرؤ الأزهر من مؤتمر “غروزني”، الذي أخرج التيار السلفي من وصف “أهل السنة والجماعة”، وتقديمه شبه اعتذار للسعودية، ما أثار استياء السيسي من موقف الطيب، لا سيما أن علاقات القاهرة والرياض تمر بحالة جمود.

ويرى باحثون في الشؤون الدينية أن صراع الأزهر والأوقاف والإفتاء على “الزعامة”، تسبب في مشكلات عديدة للنظام المصري، الذي يريد أن يظهر بدور القائد والمجدد للأمور الدينية على المستويين العربي والإسلامي، وحسم النظام لظهيره الديني كان مطلوبًا بشدة، لا سيما أمام المجتمع الخارجي.

كان السيسي قد طالب في الاحتفال بالذكرى نفسها (المولد النبوي)، العام الماضي، بضرورة تجديد الخطاب الديني، لاحتوائه على الكثير من “المفاهيم المغلوطة التي تتسبب في إهدار دماء المخالفين للمسلمين في العقيدة”، وهو ما رأى فيه وزير الأوقاف إشارة للبدء وحمل الراية بديلا عن الأزهر، الأمر الذي أشعل الصراع بين المؤسستين.

وقال محمود عامر، الباحث في شؤون الإسلام السياسي، لـ “العرب”، إن الرئيس المصري تعامل “بذكاء شديد” مع مسألة تجديد الخطاب الديني، فهو يدرك حقيقة الصراع حوله بين المؤسسات الدينية، ورأى أن مشيخة الأزهر تريد أن تستأثر بالملف وحدها، فوضعه في جعبتها، وهو يعلم أنها لن تنجزه بالقدر المطلوب، لأنه يعد الاختبار الأصعب في تاريخ الأزهر، حتى إذا سحبه مرة أخرى لا يلومه أحد.

ويخشى متابعون، أن يتمسك الأزهر بالدفاع عن علمائه وأفكارهم ومناهجهم، دون الاعتراف بوجود متشددين ومتطرفين بينهم، يجب إقصاؤهم من المشهد أولا، لا سيما أن استمرار هؤلاء وإدخالهم في معادلة التجديد، تحت مبرر التمسك بالثوابت والتراث، يحكم على تجديد الخطاب الديني بالفشل مبكرًا.

13