ملف الذاكرة يرفع الحرج عن حكومة تبّون في سعيها للتقارب مع باريس

انقسام جزائري بعد رفع ماكرون للسرية عن وثائق استعمارية.
الجمعة 2021/03/19
الشارع الجزائري لا يثق كثيرا في الخطوات الفرنسية

تباينت المواقف في الجزائر عقب إعلان الرئاسة الفرنسية رفع السرّية عن وثائق خاصة بحقبة الاستعمار وملف الذاكرة. وفيما أبدت أطراف موالية للسلطة ترحيبها بالخطوة واصفة إياها بالإيجابية والهامة شككت أوساط معارضة في أبعاد هذا القرار، ورأت أنه مجرد مناورة من الرئيس إيمانويل ماكرون لاستقطاب الجزائريين في الداخل، فيما يسعى الرئيس عبدالمجيد تبون لرفع الحرج عن حكومته في سعيها للتقارب مع باريس.

الجزائر - خلّف قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفع السرّية عن وثائق خاصة بحقبة استعمار الجزائر (1830 – 1962) ردود فعل متباينة في الجزائر وانقساما في المواقف؛ حيث أبدى البعض ترحيبه بهذه الخطوة فيما أعربت أوساط معارضة عن توجسها من أبعاد ذلك القرار.

وأعربت المناضلة التاريخية زهرة ظريف بيطاط عن رفضها للخطوات المتخذة من طرف الرئيس الفرنسي في ملف التسوية التاريخية بين بلاده وبين الجزائر، بعد إقراره بوقوف الجيش الفرنسي وراء اغتيال المناضل والحقوقي علي بومنجل وفتح جزء من الأرشيف المشترك بين البلدين.

وشددت المناضلة المعروفة بمعارضتها لسلطات بلادها على أن “الاستعمار الفرنسي لم يقتل فقط موريس أودان وعلي بومنجل، بل أباد شعبا بكامله”، وأنه شن حربا ضروسا في بلادها لإخضاع شعبها ونهب ثرواته، و”أن أي تسوية يتوجب أن تكون اعترافا واعتذارا شاملا”.

وذكرت في تصريح لوسائل إعلام محلية أن “خطوات الرئيس ماكرون غير كافية، وهي ذر للرماد في العيون، وأي تسوية على حساب الذاكرة والتاريخ ستكون مناورة سياسية لاستقطاب ملايين الجزائريين في فرنسا لا غير، وأنه من غير المعقول المساواة بين الضحية والجلاد”.

وأبدت رفضها للمقاربة التي قدمها تقرير المؤرخ بنجامين ستورا لمساواته ضمنيا بين المعتدي والضحية، كما أنه بمثابة تمديد في عمر الأزمة بين البلدين، حسب تعبيرها.

زهرة ظريف بيطاط: ماكرون  يريد استقطاب الجزائريين في فرنسا لا غير
زهرة ظريف بيطاط: ماكرون  يريد استقطاب الجزائريين في فرنسا لا غير

وكان ماكرون قد أعلن أمام أحفاد المناضل التاريخي علي بومنجل في قصر الإليزيه خلال الأيام الماضية عن مسؤولية جيش بلاده عن اغتيال بومنجل وترويج إشاعة انتحاره للرأي العام، وقدم اعتذاره باسم الدولة الفرنسية لأفراد العائلة، ليكون بذلك الاعتراف الثاني للفرنسيين بعد الكشف عن مسؤوليتهم أيضا عن اغتيال المناضل الجزائري من أصول فرنسية موريس أودان.

كما أعلن عن فتح جزء من الأرشيف الذي كان يعد ضمن أسرار الدفاع الوطني الفرنسي، أمام الأكاديميين والباحثين والإعلاميين، في إطار خطوات التسوية التاريخية الواردة في تقرير ستورا الذي سلّمه سابقا للإليزيه حول استعمار فرنسا للجزائر.

غير أن مختصين في التاريخ يجزمون بأن الخطوة المتعلقة بالأرشيف كانت مبرمجة ضمن أجندة الدفاع الفرنسي التي وضعت خارطة زمنية للكشف التدريجي عن الأرشيف المذكور، وأن العملية ستكون انتقائية بما أن السرية ستبقى مفروضة على جزء آخر لأكثر من قرن بحسب الأجندة الزمنية.

والتزمت السلطات الرسمية الجزائرية الصمت تجاه التطورات المستجدة في ملف الأرشيف، فيما تلقى المستشار الرئاسي الذي عينه الرئيس تبون للاضطلاع بالملف من جانب بلاده عبدالمجيد شيخي موجة من الانتقادات الشعبية والأهلية نظير صمته غير المبرر عن المسألة.

 لكن ترحيب الرجل بمسألة فتح الأرشيف عزز فرضية التواطؤ بين السلطتين التي أثارها النائب البرلماني عن جبهة التحرير الوطني كمال بلعربي.

وذكر شيخي في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية أنه “بالإمكان القول إنّه، لحد الساعة، قرار ماكرون جيد، والأمر يتعلق بانفتاح إذا أرفق بمتابعة تسمح بتطبيقه بشكل واسع”.

ووفق المسؤول الجزائري فإن “الاطلاع على الأرشيف سيكون مفتوحا أكثر، خاصة أنّ الفترة المعنية هي مرحلة جد هامة في تاريخ الجزائر، وهي تخص الفترة ما بين سنوات 1920 و1970”.

ويبدو أن توقيت فتح الجزء المذكور من ملف الأرشيف شكل لغما في الأوساط الجزائرية، بعد تضارب المواقف بين الدوائر الرسمية وبين تنظيمات أهلية وشخصيات مستقلة.

ولم يستبعد ملاحظون ارتباطه بتوجيه المسار السياسي في الجزائر، خاصة وأن ماكرون كان قد أعلن عن دعمه وتأييده للرئيس تبون في قيادته للمرحلة الحاسمة التي تمر بها البلاد.

Thumbnail

ويبقى الأرشيف أحد المطالب الحساسة لدى الجزائريين، لفرز تراكمات المرحلة الاستعمارية، لاسيما في ما يتعلق بدور الطابور الخامس (الموالون للاستعمار) في اختراق ثورة التحرير واختطاف الاستقلال من الشعب، بتكريس ولاء سياسي وثقافي في الجزائر نحو فرنسا.

وذكر النائب البرلماني السابق كمال بلعربي في تصريح سابق لـ”العرب” أن “استعادة الأرشيف تعري السلطات الفرنسية، وتكشف عن نهب مهول للثروات الجزائرية عند دخول الفرنسيين إلى الجزائر في 1830، فإلى حد الآن يجهل مصير 25 مليون قطعة نقدية كانت في خزينة الدولة آنذاك”.

ولفت إلى أنه لا “يمكن الوثوق في قرار باريس رفع السرية عن جزء من أرشيف الاستعمار الفرنسي بالجزائر، وأن بيان الرئاسة الفرنسية حول رفع السرية عن وثائق تخص حقبة الاستعمار في الجزائر وبعض الدول الأخرى لا يعنينا، لأنها لن تسلمه إلى السلطات الجزائرية”.

وبرأيه ستظل فرنسا تتلاعب بملف الذاكرة، “والأهم هو أن تظل الجزائر متمسكة بمطالبنا لمحاسبة فرنسا عن جرائمها التي ارتكبتها في الجزائر طوال 132 عاما”، وتساءل “هل ننتظر من فرنسا التي ارتكبت أبشع المجازر في حق الجزائريين أن تعطينا أرشيفا مهما؟ إن هذا عمل مضلل أنتجته مخابراتها”.

ودام الاستعمار الفرنسي للجزائر من 1830 إلى 1962، حيث تقول السلطات الجزائرية ومؤرخون إن هذه الفترة شهدت جرائم قتل بحق قرابة خمسة ملايين شخص، إلى جانب حملات تهجير ونهب الثروات‎. ويردد المسؤولون الفرنسيون في عدة مناسبات ضرورة طي الجزائر صفحة الماضي الاستعماري وفتح صفحة جديدة.

4