ملف الفساد في موريتانيا.. ذخيرة في معركة سياسية بين النظام والمعارضة

الأحد 2015/05/03
خبراء: الفساد ينخر جهاز الأمن الموريتاني

نواكشوط - تتفق تقارير محلية ودولية على أن الفساد يعدّ أكبر معضلة تواجهها موريتانيا، محمّلة النظام الحاكم مسؤولية استشرائه والتراخي في التعامل مع هذا الملف، رغم وعود الرئيس الموريتاني بمعاجلة هذه القضية.

ويكرر الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبدالعزيز، منذ بلوغه السلطة عام 2008 على خلفية انقلاب عسكري، تصريحات عن تمسكه بمحاربة الرشوة وسوء التسيير والفساد والضرب على أيدي المفسدين في بلد يعاني أزمة اقتصادية خانقة، وهو أكثر دول العالم من حيث معدلات البطالة (30.9 بالمئة)، بحسب تقرير منظمة العمل الدولية السنوي الصادر في فبراير الماضي.

وذهب الجنرال المتقاعد ولد عبدالعزيز (57 عاما) إلى أبعد من ذلك، حين هدد بفتح سجن كبير خاص بـ”المفسدين وأكلة المال العام".

لكنْ ثمة سجال حول مدى جدية ولد عبدالعزيز في محاربة الفساد في البلد العربي الفقير، الذي احتل المرتبة 124 من أصل 177 دولة في مؤشر الفساد لعام 2014، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

وفي نهاية العام الماضي، أعلن رئيس موريتانيا، في تصريحات صحفية، أن حكومته بصدد إصدار قانون جديد لتشديد العقوبات بحق مختلسي المال العام، متوعدا من يسرقون المال العام بأنهم “سينالون أقسي عقوبة ممكنة دون مساومة أو تردد وبعيدا عن المجاملة والاعتبارات السياسية”.

وخلال السنوات القليلة الماضية، شهد البلد، الذي يقطنه نحو 3.5 مليون نسمة، أحداثا عديدة متعلقة بمحاربة الفساد، منها إلقاء القبض على موظفين، وإقالة آخرين من مهامهم، وصولا إلى وضع استراتيجية حكومية جديدة لمكافحة الفساد.

غير أن هذه التصريحات وتلك الأفعال تلقى تشكيكا قويا من جانب معارضين لنظام ولد عبدالعزيز، الذين يعتبرون أن النظام نفسه “راسخ في الفساد وليس بمقدوره إعطاء وصفة أو حلّ لمحاربة هذه الظاهرة التي تعصف بمختلف مفاصل الدولة”، بحسب منتدى المعارضة.

وخلال الأشهر الأخيرة، تزايدت اتهامات الفساد الموجهة إلى الرئيس ومحيطه، وكشفت عمليات التفتيش الأخيرة، التي قامت بها “المفتشية العامة للدولة” (جهة حكومية)، عن عمليات فساد في بعض المرافق العمومية (الحكومية) الحساسة، مثل مفوضية الأمن الغذائي والشركة الوطنية للمياه، وسفارات موريتانية، لا سيما في قطر والسنغال.

وجهود الحكومة في مجال محاربة الفساد، بحسب لامين كامارا، وهو مراجع حسابات في مكتب “أوديت ريم” للتدقيق المحاسبي والمالي، “لا تزال قاصرة وغير مقنعة، وأجهزة الرقابة والتفتيش غالبا ما يتم توظيفها في الصراع السياسي”.

ويضيف كامارا أن “بداية سياسة النظام في محاربة الفساد كانت موجهة إلى بعض المعارضين، الذين كانوا يشغلون وظائف مهمة أو يتولون مسؤوليات كبيرة، كما حدث قبل عامين مع عمدة بلدية (العاصمة) نواكشوط المركزية، أحمد ولد حمزة، الذي اتهمته المفتشية باختلاس أموال عمومية، رغم كونه مشهورا بحسن التسيير”.

124 رتبة موريتانيا على مؤشر الفساد العالمي لسنة 2014

وذهب الخبير الموريتاني إلى أن “أبرز تحديات محاربة الفساد تتمثل في أن الهيئات المكلفة بالرقابة لا تحظى باستقلالية، ويتم اختيار أعضائها حسب الولاء السياسي”.

ومن المآخذ أيضا على تلك الأجهزة، بحسب كامارا، “عدم نشر تقارير سنوية، فالشفافية تقتضي إطلاع الرأي العام على تسيير مؤسسات الدولة. فمحكمة الحسابات، المعنية بتدقيق نفقات وموارد الدولة، تراجعت عن إصدار تقاريرها منذ 2006”.

وسبق أن هاجم ولد عبدالعزيز، الذي يتردد أنه يعتزم تعديل الدستور ليحق له الترشح لولاية رئاسية ثالثة، منظمة الشفافية الدولية، معتبرا أن تقاريرها عن موريتانيا “غير دقيقة”، ومصادر معلوماتها “مُسيسة”.

على الجانب الآخر من السجال، رأى محمد سالم ولد المصطفى، وهو أستاذ لمادة الاقتصاد بجامعة نواكشوط، أن “الحكم على جهود السلطة في محاربة الفساد بالفشل هو حكم سابق لأوانه”، لأن الدولة تجربتها جديدة في هذا المجال، ونتائجه تتطلب الكثير من الوقت".

ودفع ولد المصطفى بأن “السلطة القائمة هي أول سلطة في موريتانيا تفتح السجون للمفسدين، وتتخذ في حقهم إجراءات صارمة.. النظام القائم نجح في حماية موارد البلاد من المتلاعبين بالمال عبر وضع سياسية لمحاربة الفساد”.

إجمالا، صار ملف الفساد ذخيرة في معركة سياسية يشتبك فيها النظام مع المعارضة، ومع كل منهما يصطف أكاديميون ونشطاء ومواطنون في بلد يكابد، إلى جانب وضعه الاقتصادي المتردي، أزمة سياسية معقدة منذ وصول ولد عبدالعزيز إلى السلطة عام 2008، على خلفية انقلاب عسكري أطاح بأول رئيس منتخب، وهو سيدي ولد الشيخ عبدالله، وانتخب في العام التالي رئيسا، ثم أعيد انتخابه العام الماضي، عبر انتخابات قاطعتها المعارضة.

2