ملف المصالحة التونسية يعود إلى الواجهة على وقع أحكام قضائية

أثارت أحكام قضائية ضد الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي وصهره عماد الطرابلسي وعدد من الموظفين الكبار في الدولة، بخصوص شبهة فساد مالي في قضية أصبحت تعرف بقضية الحفل الفني للفنانة العالمية ماريا كاري، جدلا في البلاد بعد انتقادات عدد من السياسيين، وأعادت هذه المواقف ملف المصالحة مع رموز النظام السابق إلى المشهد في تونس.
الاثنين 2017/03/06
تفاعل مع الأحكام القضائية

تونس - عاد ملف المصالحة الوطنية ليطفو من جديد على سطح الأحداث في تونس على وقع أحكام قضائية صدرت ضد الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي وصهره عماد الطرابلسي وعدد من وزراء ومسؤولي النظام السابق، على خلفية تنظيم حفل فني للمطربة الأميركية ماريا كاري في العام 2006.

وأثارت تلك الأحكام التي تزامن صدورها مع استمرار التوتر بين الحكومة والقضاة وعدد من النقابات، ردود فعل متباينة، وسط استياء العديد من الفاعلين السياسيين الذين لم يترددوا في التحذير من تداعياتها.

وأصدرت الدائرة الجنائية الرابعة التابعة للمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة أحكاما بسجن المتهمين فيما يُعرف في تونس بقضية “حفل الفنانة الأميركية ماريا كاري” لمدة ست سنوات لكل واحد منهم، مع التنفيذ العاجل.

وقال سفيان السليطي الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بتونس والقطب القضائي لمكافحة الإرهاب، في تصريحات له، إن المحكمة المذكورة قضت مساء الجمعة حضوريا بالسجن لمدة 6 سنوات ضد عدد من الوزراء من النظام السابق، وعدد من متعهدي الحفلات، وحكما غيابيا بالسجن 6 سنوات ضد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وشملت تلك الأحكام وزير السياحة الأسبق التيجاني حداد ووزيرة التجهيز والإسكان سابقا سميرة خياش ومحمد كمال الحاج ساسي المدير السابق للصندوق الوطني للتضامن 26-26 ومحمد الحبيب الفرجاني، إلى جانب الرئيس الأسبق بن علي وصهره عماد الطرابلسي. وتتعلق هذه القضية التي اندرجت في إطار ما يُعرف في تونس بـ”ملفات الفساد المالي للنظام السابق”، بتنظيم حفلين للفنانة الأميركية ماريا كاري بتونس يومي 22 و24 يوليو من العام 2006.

وتلقت الأوساط السياسية والحزبية تلك الأحكام بإستنكار شديد، فيما ازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت بتعليقات رافضة ومنددة بها وأخرى مُطالبة بضرورة غلق تلك الملفات والتوجه نحو تحقيق المصالحة الوطنية للخروج من دائرة التشفي التي تُنذر بعواقب وخيمة على امن واستقرار البلاد، لا سيما في هذه المرحلة التي تزايدت فيها حدة التوتر السياسي والاحتقان الاجتماعي.

وفي هذا السياق، أعرب المحلل السياسي هشام الحاجي في تصريح لـ”العرب” عن اعتقاده بأن مسارات المصالحة والعدالة الانتقالية في تونس دخلت في مرحلة

من الضبابية في الوقت الذي يُواصل فيه القضاء تناول ملفات وقضايا العهد السابق بطريقة تطرح الكثير من التساؤلات ونقاط الاستفهام.

وشدد على أن المصالحة “أصبحت ضرورة وطنية مُلحة، يتعين على الجميع العمل حتى تخرج من مربع الشعارات وتقديم مشاريع القوانين الملغومة المحكوم عليها بالفشل إلى دائرة التجسيد الفعلي”.

وأكد على أهمية توفير الآليات الواضحة لتحقيق ذلك والإرادة السياسية القوية لتكريسها، خاصة وأن أغلب التونسيين لهم شعور بأن المصالحة أصبحت ورقة سياسة توظف حسب المصالح والانتماءات للضغط هنا، وللتركيع هناك، الأمر الذي تسبب في هذا الاحتقان الذي من شأنه تهديد التوازنات الهشة للمجتمع.

وقبل ذلك، أعرب حزب المبادرة الوطنية الدستورية برئاسة كمال مرجان (3 مقاعد برلمانية) عن انشغاله العميق من تلك الأحكام التي جاءت “في ظل جو من التعتيم واللامبالاة”، ووضع يتسم بـ”سوء تقدير للتداعيات التي قد تتسبب فيها مثل هذه المحاكمات من حقد وضغينة في وقت نحن أحوج فيه إلى المزيد من الوحدة الوطنية”.

وجدد في بيان له التأكيد على “التزامه بالعمل على إنجاز المصالحة الوطنية الشاملة بالتعاون مع كل الأطراف الصادقة وتجنيب البلاد كل ما من شأنه أن يعمق جراحها ويستنزف قدراتها البشرية والمادية”.

وفيما دعا حزب المبادرة إلى”اليقظة الوطنية وتعبئة الرأي العام الوطني ومكونات المجتمع المدني لاستحثاث الخطى من أجل طي صفحة الماضي”، نددت حركة مشروع تونس برئاسة محسن مرزوق بتلك الأحكام وأعربت في بيان لها عن خشيتها من “استعمال القضاء وهو على ما هو عليه اليوم من اضطراب، كأداة لتصفية حسابات سياسية وضرب مساعي المصالحة”.

وأكدت على أنها ستُواصل “العمل من أجل تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة والعاجلة، ذلك أن كلفة اللامصالحة أصبحت لا تطاق، وتسليط إرهاب جديد على كفاءات عالية هو توتير لا مبرر له للمناخ الاجتماعي”.

واستبق محسن مرزوق هذا البيان بتدوينة نشرها على فيسبوك، اعتبر فيها أن الأحكام التي صدرت ضد وزراء سابقين هي “أحكام تؤكد أن الأغلبية البرلمانية الموجودة لم تجعل من عناصر توافقها إنجاز المصالحة الوطنية الشاملة”.

وحذر من أن “التاريخ لن يرحمنا إذا حولنا بلادنا إلى حقول جروح وحقد وانتقام ومحاسبة بمكيالين، أو محاسبة لا تقوم على جرائم واضحة ومحددة لا عناصر تجريم سياسي”.

4