ملف المعتقلين يوتر العلاقة بين السيسي وشباب مصر

الجمعة 2015/02/27
الإفراج قريبا عن دفعة أولى من المحبوسين يخفف الاحتقان بين الشباب والنظام الحاكم

ساهم الشباب بدور بارز في اندلاع ثورات الربيع العربي، لكن أغلب الحصيلة السياسية لم تعط لهم نصيبا وافرا من المشاركة في السلطة، حيث اختطفت جماعات إسلامية مختلفة جزءا من كعكتها، وعادت البقية الباقية منها إلى حجر عدد كبير من رموز الأنظمة التي ثار الشباب عليها.

أصيب قطاع كبير من الشباب العربي، في أعقاب تداعيات الثورات العربية، التي كانوا فيها أول المتظاهرين، بحالة جديدة من اللامبالاة السياسية. وتحول قطاع آخر إلى ناقمين على ما آلت إليه الأمور في بلدانهم، وانحازت فئة منهم، إحباطا أو يأسا، إلى كوادر نشطة تعمل ضمن سلة تنظيمات، يمينية أو يسارية، متشددة.

وتعبّر أوضاع الشباب في مصر الآن عن هذه الحالة المتردية. لكن الفرق بينها وبين حالات عربية أخرى، أنها تحوّلت إلى أزمة سياسية، تقلق النظام الحاكم، حيث دخلت العلاقة بينهم والسلطة مرحلة صاخبة من الجدل، بسبب تصاعد حدة ملف المعتقلين من الشباب والفتيات، والذي اختلطت فيه العوامل السياسية بالقانونية، وأصبح يعبر عن أحد تجليات الأزمة الراهنة، في العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وجزء معتبر من الشباب.

برأي بعض المراقبين هناك تعمد لإقصاء الشباب من الحياة السياسية، بذرائع قانونية، وكأن ثمة مخططا منظما لمعاقبتهم على دورهم الكبير في إشعال فتيل ثورة 25 يناير 2011، التي انسابت من بين أيديهم بسهولة، وراحت نتائجها تصب في صالح آخرين، لم يقدموا تضحيات ليقطفوا ثمارها.

الحالة التي نجمت عن الاختطاف السياسي، خلفت وراءها تكهنات وتخمينات بشأن عدم الارتياح لدور الشباب خلال الفترة المقبلة، وعندما بدأوا في إعادة تفعيل سلاح التظاهرات، لإثبات وجودهم وتحاشي خطأهم في المرة الأولى، اصطدموا بقانون تنظيم التظاهر، الذي تحوّل إلى سيف مسلط على رقاب عدد كبير منهم. ومع أنه لا توجد أرقام محددة بخصوص المعتقلين والمحتجزين، إلا أن بيانات بعض المنظمات الحقوقية قدرتهم بنحو أربعة آلاف. وفي أسوأ الأحوال قيل إن عددهم وصل إلى حوالي عشرين ألف شاب وفتاة، بينهم منتمون لجماعة الإخوان المسلمين، والتيار اليساري، بطيفيه الناصري والاشتراكي الثوري.

قانون تنظيم التظاهر عقبة أمام تقارب السلطة والشباب وإلغاؤه أو تعديله محكوم بحسابات أمنية وسياسية

المحاكمات التي طالت عددا من هؤلاء مؤخرا، أعادت ملف الشباب إلى الواجهة، بشقيها الجنائي والسياسي، حيث صدرت أحكام مشددة من قبل محاكم مصرية، مصحوبة بغرامات مالية، رأى فيها كثيرون أنها تنطوي على مبالغة فائقة، فالشاب أحمد دومة مثلا عوقب الشهر الماضي بالسجن المؤبد (20عاما) وتغريمه بنحو 2,5 مليون دولار، ثم عوقب علاء عبدالفتاح قبل أيام قليلة بالسجن خمس سنوات وغرامة مالية قدرها حوالي 14 ألف دولار، ومعهما آخرين.


براءة هنا وسجن هناك


متابعون أوضحوا لـ “العرب” أن الأحكام السابقة جلبت على الفور مقارنات بين هذه النوعية من الأحكام القضائية، ونظيرتها التي منحت البراءة لغالبية رموز الحزب الوطني الحاكم أيام مبارك، بما فيهم مبارك وولداه علاء وجمال. وارتفعت بورصة التوقعات السياسية، في اتجاه وجود نية مبيتة لسجن هؤلاء والإفراج عن هؤلاء. الأمر الذي ضاعف من إحراج الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي أعلن انحيازه للثوار من الشباب، وأصدر قانونا لحماية ثورتي 25 يناير و30 يونيو، في إشارة لتأكيد الانحياز عمليا، ورسالة للتدليل على القطيعة التامة مع رموز نظام مبارك.

لكن الأحكام القضائية لم تسعفه، وجاءت عكس الاتجاه الذي يريده. وإذا كانت هذه الأحكام تنفي بصورة غير مباشرة ما يتردد حول تسييس القضاء في مصر، إلا أن حصيلتها أكدت أنها تضر بالنظام الحاكم، مع ذلك لم تكن كافية لنفي الاتهام. ولم تتوقف الانتقادات الموجهة للرئيس والحكومة، بشأن استهداف الشباب، وأصبح ملف الاعتقالات والمحاكمات إحدى القضايا التي تطرح دائما على طاولة رئيس الجمهورية، في كثير من المؤتمرات أو اللقاءات التي تضم إعلاميين، حتى أصبح ضمن قائمة أولوياته الظاهرة.

في تقدير بعض المراقبين أن اجتماع الرئيس السيسي مع ممثلين عن شباب الإعلاميين في 2 ديسمبر الماضي، كان مهما وفارقا، حيث تحول ملف المعتقلين إلى موضوع رئيسي في الحوار والنقاش. وانتهى اللقاء بتكليف السيسي وفد شباب الإعلاميين بإعداد قائمات لمن يستحقون الإفراج، معترفا في اللقاء نفسه بوجود “تجاوزات وحالات لا تستحق المحاكمات”. ووضع ضابطا أساسيا لمن سيتم الإفراج عنهم، وهو ألا يكونوا متهمين في قضايا جنائية، أو ارتكبوا أعمال عنف تخل بالأمن والاستقرار.

علاء عبد الفتاح: ناشط ومدون ليبرالي بارز صدر في حقه حكم، في قضية تظاهر دون إذن، بالسجن المشدد خمس سنوات وغرامة 100 ألف جنيه والمراقبة مدة مساوية لمدة الحكم بعد تنفيذه


خلية نحل إعلامية


شباب الإعلاميين تحوّلوا إلى خليّة نحل وكوّنوا لجنة من داخلهم، بإشراف مؤسسة الرئاسة، وأعدوا قائمات بالمرشحين للخروج من السجون، ودخلت على الخط الكثير من منظمات المجتمع المدني، وقدمت قائماتها أيضا، وتم الحصر والاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي، ومبادرات أخرى، مثل “شباب مصر في السجون”، و“السجن للجدعان”، و“اعرف قصصهم.. المعتقلون مش جدعان”، وغيرهم.

وتم تقديم القائمات لرئاسة الجمهورية، التي أرسلتها إلى وزارة الداخلية لفحصها، وتحديد من يستحق الإفراج عنه، واستثني من ذلك من صدرت بحقهم أحكام قضائية، ضمن سياسة السيسي المعلنة بالحفاظ على استقلال القضاء، لكن القانون المصري يخول لرئيس الجمهورية إصدار عفو عقب صدور الأحكام.

الفترة الماضية، تحول ملف الشباب فيها إلى موضوع ساخن، فإما أن يتم استيعابهم، أو يتم تركهم، بما ينذر أن يتحول الموضوع إلى كتلة لهب جديدة، أو تنتقل أهم سبيكة حيوية إلى كتلة صماء سلبية، يمكن أن تؤدي بعد فترة لأزمات ومشاكل اجتماعية، ربما يصعب السيطرة عليها.

الانفراجة الأولى، جاءت يوم 22 يناير الماضي، أي قبل ثلاثة أيام فقط من حلول الذكرى الرابعة لثورة يناير، حيث أصدر النائب العام المصري المستشار هشام بركات قرارا بالعفو والإفراج عن مئة طالب وطالبة، ممن احتجزوا بحجة خرق قانون تنظيم التظاهر، وهو ما منح الكلام عن انفراج هذه الأزمة قدرا من الجدية، وتناثرت معلومات قالت إن الرئيس السيسي، سوف يأخذ بالقائمات التي قدمت إليه ويستكمل مشوار الإفراج، الذي حرص على أن يكون ضمن إطار احترام قوانين البلاد.

مضت بضعة أسابيع ولم يتحقق الإفراج الرئاسي المنتظر، فبدأ التململ يعلو وجه كثيرين ممن تبنوا فكرة المشاركة في إعداد القائمات، أو لدى من تفاءلوا بها عموما، خاصة أن الرياح القضائية كانت تسير في اتجاه معاكس، إلى أن ألقى السيسي كلمة للشعب يوم 22 فبراير الجاري، تحدث فيها بوضوح عن قرب الإفراج عن قائمة جديدة من المعتقلين من الشباب والفتيات.


فحص أمني أم سياسي


مصادر أمنية، أكدت لـ “العرب” أن وزارة الداخلية على وشك الانتهاء من فحص القائمات، وتحديد من يستحقون الإفراج، وقدرت عدد من سيتم خروجهم من السجون، كدفعة أولى، تستحق العفو الرئاسي بنحو 140 شابا وفتاة، من المتوقع أن يتم الإفراج عنهم في غضون أيام قليلة، ودللت على كلامها (المصادر) بتسارع وتيرة الاجتماعات بين المسؤولين وأصحاب المبادرات من المجتمع المدني، وأن القائمة أصبحت “شبه منتهية وبانتظار توقيع رئيس الجمهورية”، بعد الانتهاء من فحصها أمنيا وسياسيا.

مبادرات شباب الإعلاميين للإفراج عن بعض المعتقلين فتحت الباب للحديث عن مشاركة سياسية للشباب

متابعون، قالوا لـ“العرب” أيضا إن هذه الخطوة جيدة، وستبعث برسائل إيجابية للشباب وأسرهم، لأن محتواها يؤكد أن الرئيس منحاز للمظلومين، وأنه لا يتورع عن تصحيح الخطأ مهما كان حجمه، والأهم أنه يعمل حقا لمصلحة الشباب، ولا يريد استبعادهم من الحياة السياسية، كما يروج بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن في المقابل، رأى آخرون أن المشكلة ليس في الإفراج عن دفعة أو أكثر، بل العبرة في توفير الأجواء المناسبة لاستيعاب قدرات الشباب في الهياكل المؤسساتية للدولة، والمساهمة في القرار السياسي، وتهيئة الظروف لمشاركتهم في الحياة العامة بأعلى قدر من الحرية.

أحد المتابعين أكد لـ“العرب” أن المحك الأساسي، ليس له علاقة بتعيين عدد منهم في وظائف قيادية “ذرا للرماد في العيون”، كما حدث في التغيير الأخير للمحافظين، لكن في اتخاذ خطوات حقيقية بشأن ملف قانون تنظيم التظاهر، الذي أصبح سيفا مسلطا على رقاب الشباب، وبموجبه يحاكم معظمهم، والمطلوب إلغاؤه، أو على الأقل إدخال تعديلات جوهرية عليه، تسمح لهم بالتظاهر بطريقة لا تخضع لإجراءات صارمة.

خبير آخر في معرفة الدهاليز السياسية في مصر، قال لـ “العرب”: بصراحة المسألة مركبة، ولا علاقة لها بقانون تظاهر أو بمشاركة سياسية في الحكم فقط، بل هي تتجاوز أكثر من ذلك بكثير. لأن الحكومة العام الماضي صمتت، وربما حرضت وحركت من وراء ستار.

الحملة الإعلامية القاسية والمفتعلة، التي قادها بعض الإعلاميين ضد عدد من ألمع النشطاء، وسكتت عن اغتيالهم معنويا، عندما وجهت لهم اتهامات بالعمالة لصالح الإخوان، والتآمر لحساب جهات خارجية، الأمر الذي أدى إلى تشويه سمعة بعضهم، ولم تستخدم الحكومة القانون حيال تسريب عدد كبير من المكالمات الهاتفية، التي بثتها بعض القنوات الفضائية، وخاضت في أعراض البعض، ونالت من سمعتهم .

أحمد دومة: ناشط ليبرالي حكم عليه بالسجن المؤبد ويبلغ 17 مليون جنيه، لإدانته بتهم منها التظاهر دون إذن والتحريض على العنف والاعتداء على قوات الأمن وممتلكات عامة

هذه الحملة، والكلام للخبير السياسي، تركت تأثيرات سلبية عند قطاع كبير من الشباب المصري، بأن الدولة لا تريد مشاركة النشطاء، والأخطر أن الانطباعات رسخت فكرة رفض استيعاب الشباب عموما، لذلك فالقضية لن تتوقف عند الإفراج عن أي عدد، ما لم تتخذ خطوات منهجية لإفساح المجال لمشاركتهم بصورة حقيقية، وهو ما يتعارض مع مصالح جناح مؤثر في الدولة يرفض ذلك، لأنه يرى في المشاركة تهديدا لوجوده السياسي.


وقود الشارع


مصدر أمني، كشف لـ “العرب” عن سر آخر ربما يعيق فتح الأبواب على مصراعيها، ولا يرجح إطلاقا أي تعديل على قانون تنظيم التظاهر، وهو أن التجربة أثبتت أن الشباب في مصر، هو الذي لعب دورا مؤثرا في ثورة يناير وكان وقودها الفعلي، وبدرجة أقل في ثورة يونيو، وفتح النوافذ والأبواب أمامهم في الشوارع والميادين، سوف يكون مغريا لتحريك البسطاء أو المساهمة في خروج ما يوصف في مصر بـ “حزب الكنبة” (الصامتون) مرة أخرى.

وفي ظل الارتباك السياسي والأمني، وعدم انطفاء جذوة جماعة الإخوان المسلمين وفلولهم من المتشددين، وتراكم الأزمات الاقتصادية، وتصاعد التحديات الإقليمية، ستكون العملية غاية في الصعوبة، والقدرة على تحملها سوف تصبح مكلفة جدا للنظام الحالي.

من هنا، توقعت دوائر سياسية مراقبة، أن تظل ورقة الشباب على حالها من المراوحة، ويبقى الرئيس عبدالفتاح السيسي مرتديا ثوب المنقذ، عندما تحتدم الأمور، ويتدخل إذا رأى أن هناك ضرورة سياسية لتدخله، وهذه الصيغة تبدو مريحة، لأنها تجعل الأمل في الانفراج باقيا طول الوقت، دون تقديم تنازلات حقيقية في الثوابت المركزية، للفكرة المحورية في التعامل مع الشباب، والتي تشبه الحفاظ على شعرة معاوية، فشدها لأقصى مدى سوف يكون باهظا، ورخوها أو قطعها قد يكون أشد كلفة، إلى أن تستقر الأوضاع تماما في مصر، وتتلاشى التهديدات، وقتها ربما تتغير الحسابات، ويمكن التفكير في انخراط الشباب بجدية في المنظومة السياسية.

12